بيلاروسيا.. دولة في المنتصف

التاريخ والوقت : الإثنين, 1 أبريل 2019

جابريل جريسيوس

 

على الرغم من ارتباط بيلاروسيا – عادة – بروسيا والشرق، فإن الرئيس البيلاروسي “فيكتور لوكاشينكو” صرَّح أخيرًا بأنه على قناعة بأن بلاده ينبغي أن تقيم توازنًا في سياساتها بين الشرق والغرب.

لا يعدُّ هذا الخطاب مألوفًا بالنسبة لرئيس يدَّعي أن بلاده تتمتع بعلاقات أخوية ووطيدة مع الاتحاد الروسي، وأنها عضو مؤسس في الاتحاد الاقتصادي الأوروبي الآسيوي EAEU، الذي يعرف أحيانًا بـEEU، لكن هذا الخطاب لا يعدُّ مفاجئًا.

فبيلاروسيا تسعى إلى زيادة تعاونها مع الاتحاد الأوروبي بشكل مطَّرد خلال السنوات الأخيرة، إذ تمَّ استقبال وزراء خارجية كلٍّ من المجر والنمسا لدعمهم، وتمَّ فتح سفارات لهاتين الدولتين في بيلاروسيا. والملاحظ على هذه الزيارات أنها تتوازى مع زيارات المسؤولين الدبلوماسيين رفيعي المستوى من دول أخرى، مثل إيطاليا وبولندا إلى بيلاروسيا التي أبدت استعدادها للتعاون مع الغرب، واتباع سياسة قائمة على الحيطة والحذر تجاه روسيا في الوقت نفسه.

وفي حين أنه من المحتمل أن تدفع المسائل الاقتصادية بيلاروسيا إلى العمل بشكل أوثق مع الاتحاد الأوروبي، إلا أن حالة التقارب المتنامية الأخيرة تعكس تطورات إيجابية؛ فزيادة التجارة والاستثمار بين بيلاروسيا والاتحاد الأوروبي من شأنها أن توفر المزيد من الفرص للمشاركة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

وعلى الرغم من التحسن العام في العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وبيلاروسيا، فلا تزال ثمة حاجة للمزيد عن اتفاقيات الشراكة بينهما، إذ ترجع قلة تلك الاتفاقيات إلى المخاوف التي تبديها “ليتوانيا” بشأن محطة توليد الكهرباء البيلاروسية التي تقع بالقرب من مدينة “فيلينوس”، عاصمة “ليتوانيا” التي لجأت إلى إغلاق محطة الطاقة في مرات عديدة، بما يشير إلى مخاطر حقيقية تهدد سلامة مواطنيها ورفاهيتهم. وإضافة إلى ذلك، تواصل بعض الدول الأوروبية فرض شروط جديدة خلال المفاوضات الجارية حول رفع التأشير على مواطني بيلاروسيا.

فالاتحاد الأوروبي يتخذ موقفًا تجاه بيلاروسيا حول أوضاع حقوق الإنسان والديمقراطية، ويدعو إلى ضرورة إدخال آليات جديدة لدعم “الديمقراطية” عبر سلسلة من المفاوضات بهدف إجراء تغييرات في سياسات بيلاروسيا التي تتماشى مع القيم الأوروبية؛ إذ لا يزال تطبيق عقوبة الإعدام مسألة مثيرة للجدل وبخاصة للاتحاد الأوروبي.

وبالرغم من العلاقات الثنائية الوثيقة بين كلٍّ من روسيا وبيلاروسيا، فإن ثمة خلافات متنامية بين البلدين خلال الآونة الأخيرة؛ ففي شهر يناير 2019 بدأت موسكو في زيادة قيمة الضرائب على استخراج المعادن تدريجيًا وخفض رسوم تصدير النفط. وفي حين أن مثل هذا الأمر، ربَّما يكون مفيدًا لروسيا، إلا أن بيلاروسيا سوف تفتقد إحدى المنافع الرئيسية والمصالح المهمة في علاقاتها مع روسيا، كالنفط الرخيص، والعائد من الرسوم التي تفرض على النفط الروسي. فخلال السنوات الخمس المقبلة، من المتوقع أن تخسر بيلاروسيا ما بين ثمانية إلى ثمانية عشر مليار دولار، حتى مع استمرار اعتمادها على النفط والغاز الروسيين.

ومع هذا الخلاف المتفاقم، تواصل كل من روسيا وبيلاروسيا النهج التفاوضي الساعي إلى تعزيز تنفيذ معاهدة الاتحاد لعام 1999، التي حددت أهدافًا تتمثل في توحيد العملة فيما بينهما، فضلاً عن وضع لوائح جمركية وتأسيس نظام عدالة يوحد بين المحاكم والدوائر التشريعية لدى كلٍّ من روسيا وبيلاروسيا.

إلى أين يأخذ ذلك بيلاروسيا؟

من غير المرجح أن تتنازل بيلاروسيا عن سيادتها بسهولة أو عن طيب خاطر. فالأهم أن الاتحاد مع روسيا ربَّما يعني التخلي عن الكثير من مصادر القوة التي تتمتع بها حاليًا. ثم إنه لا توجد إرادة سياسية قوية لدى الاتحاد الروسي البيلاروسي.

وعند النظر إلى علاقة بيلاروسيا بالاتحاد الأوروبي، بجانب علاقتها مع روسيا، نجد أنه ليس من المستغرب أن يسير “لوكاشينكو” نفسه بهذا الثبات والقوة. فمن ناحية، كانت بيلاروسيا تميل دومًا نحو روسيا ومنطقة “أوراسيا”. ومع ذلك، فإن الاتحاد الأوروبي يمكن أن يقدِّم الكثير في طريق التجارة، والطاقة، والتنويع الاقتصادي، وهو ما يعدُّ وسيلة مهمة للتحوط ضد تدهور علاقتها مع موسكو. فقد لعبت بيلاروسيا دور “الحائر في المنتصف” على مدى عقدين من الزمن، وذلك في خضم التوترات المتزايدة بين روسيا والغرب. ومع ذلك يتبقى أن نرى كم من الوقت سوف يستغرق الأمر للقيام بذلك.

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: Global Security Review

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر