‎قراءة في موقف ترمب تجاه السعودية.. قناعات سياسية واعتبارات اقتصادية

التاريخ والوقت : الجمعة, 23 نوفمبر 2018

شكَّل موقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بشأن قضية الصحفي السعودي جمال خاشقجي، علامة فارقة في سياق الرأي العام العالمي الذي انبرى خلال الأيام الماضية، في محاولة للنيل من استقرار المملكة لعدة اعتبارات أغلبها ترتكز على مركز السعودية القوي بالشرق الأوسط، وكيف أظهرت تلك القضية حجم المساحة المتاحة للتأثير على موقع السعودية الجيوسياسي على أقل تقدير.(1)

الموقف الأميركي في بيان دونالد ترمب، جاء مشفوعًا بتأييد قطاعات واسعة من المجتمع السياسي والثقافي في الولايات المتحدة؛ وهو ما يعطي الموقف السعودي ثقلاً كبيرًا على المستوى الدولي؛ لترسيخ مصداقية رؤيتها وروايتها لما جرى خلال الأيام الماضية.

بيْدَ أنَّ ما يزيد من قوة تأثير الموقف الأميركي، أنَّ الأميركيين ما زالوا مختلفين على عدة مستويات مع القيادة الأميركية في الكثير من الملفات وسط عمليات انتقاد واسعة لرئيسهم ترمب؛ ومع ذلك يأتي التأكيد على رؤيته وبيانه وموقفه تجاه المملكة العربية السعودية، بما يقطع السبيل أمام كافة المحاولات التي تروّج لمصطلحات بعضها يعتبر الموقف الأميركي مشفوعًا بمصالح تجاه المملكة. غير أنَّ النخبة في المجتمع الأميركي – كما هو معروف – تضع من خلال موقفها الحالي الرؤية الأميركية في سلة المحايدة بأقل تقدير.(2)

لماذا الموقف الأميركي؟

ترمب في بداية الأمر وضع المصالح مع السعودية فوق كافة السيناريوهات المتعلقة بشأن قضية خاشقجي، حيث قال: “ربَّما لن نعرف أبدًا الحقائق المحيطة بجريمة قتل خاشقجي. وعلى أية حال، فإن الولايات المتحدة تبقى شريكًا راسخًا للسعودية”، وهو ما أنهى شوطًا كبيرًا من انتقادات للرئيس الأميركي، تبلورت حول كونه غير حاسم في موقفه تجاه القضية، قبل أن يطلق هذه التغريدات التي تعدُّ ختمًا على الموقف الأميركي الرسمي تجاه القضية.(3)

وينطلق موقف ترمب من عدة اعتبارات، من بينها:

1- الولايات المتحدة الأميركية تفصل بين مرتكبي الواقعة، وبين الإدارة الحاكمة في أي بلد، وهو ما يحدث في كافة بلاد العالم فيما يتعلق بوقائع، أو جرائم، تبدو في جوهرها سياسية.

2- من المؤكد أنَّ واشنطن انطلقت من موقفها عبر حقائق استخباراتية تؤكد أن الواقعة برمَّتها لم تكن مخططًا لاغتيال سياسي بأوامر من رأس الدولة، بقدر ما هي أخطاء من بعض المسؤولين تستوجب المساءلة القانونية.

3- فضلاً عن اتساق الموقف الأميركي الرسمي مع الشق القانوني في أزمة خاشقجي، فإن سببًا آخر يقف وراء هذا الموقف يتمثل في المصالح الأميركية القوية التي تربط البلدين، والتي تؤثر حال اهتزازها في استقرار البلدين.

4- تريد واشنطن بناء مستقبل من العلاقات الراسخة مع واحدة من أقوى دول الشرق الأوسط، باعتبار أن موقفها الحالي من القضية وسط كمٍّ هائل من المتربصين، يعطي تلك العلاقات دفعة قوية للأمام على المستويات السياسية والاقتصادية.

تأييد للموقف الرسمي

إزاء ما سبق، فإن الموقف الأميركي الأخير يستند إلى ما هو أبعد من النظرات القريبة لموقف دولة عظمى تجاه الشرق الأوسط، بقدر ما هو استناد إلى طبيعة الشراكة التاريخية، فضلاً عن اعتبارات سياسية واقتصادية تبدو مقنعة في مثل تلك المواقف، وهو ما أعطى الكُتّاب الأميركيين قناعة كبيرة بموقف البيت الأبيض، فأعلنت عن تأييد واسع لهذه الرؤية.

الصحافة الأميركية – ومن بينها المعارضة – نقلت عن كتَّاب عديدين مواقف مؤيدة لرؤية بلادهم تجاه قضية الصحفي السعودي، حين سلط الكاتب “توم أو كونر” عبر صحيفة “نيوز ويك” الضوء على بيان ترمب الأخير، وكشف الكاتب عن بعض الضغوط التي يتعرض لها الرئيس الأميركي من قبل بعض أعضاء الكونجرس في إطار الصراعات السياسية الداخلية؛ مما دفع البعض أن يزج بالقضايا المتعلقة بالمملكة في تلك الصراعات، لكن ترمب حسم موقفه من تلك الضغوط.(4)

ترمب هو الآخر، كان واضحًا إلى حدٍ بعيدٍ بشأن موقفه الذي تحدث في بيانه عن قوة الموقف السعودي والأسباب التي تدعو إلى ضرورة استقرارها، حين تحدث عن أنَّ “السعودية هي أكبر دولة منتجة للنفط في العالم”، و”أن البلدين عملا معًا بشكل وثيق، وكانوا (السعوديون) مستجيبين للغاية لمطالبتي بالحفاظ على أسعار النفط عند مستويات معقولة، وهو أمر مهم جدًا بالنسبة للعالم، وبصفتي رئيسًا للولايات المتحدة، أعتزم أن أضمن، في عالم شديد الخطورة، أن تسعى الولايات المتحدة لمصالحها الوطنية وتنافس بقوةٍ البلدان التي ترغب في ضررنا”، كانت هذه التصريحات واضحة بأن ثمة بلدانًا تسعى إلى الإضرار بالمصالح الأميركية والسعودية على حد سواء من خلال النفخ في النيران التي تُشعلها وسائل إعلام إقليمية ودولية.

الأمر نفسه جاء على لسان الكاتبة “إلين آر والد” – وهي مؤرخة ومستشارة في الجغرافية السياسية – عبر موقع “فوربس”، حين قدَّمت قراءة لبيان الرئيس الأميركي، لا سيَّما ما يتعلق بتركيز ترمب على المملكة كشريك للولايات المتحدة، بالإضافة إلى رؤيتها بأن السعودية مطالبة بالتركيز على جزئية تعرضها لضغوط سياسية، في الوقت الذي تحاول فيه تجاهل أي خلافات.(5)

وتواصل التأييد للموقف الرسمي للولايات المتحدة من خلال البروفسور “كيفين كيلير”، وهو الخبير في إدارة تسويق واستراتيجية العلامة التجارية، حين اعتبر أنَّ تعليقات ترمب المؤيدة للسعودية تساعد في خفض أسعار النفط التي هبطت إلى أدنى مستوياتها منذ أكتوبر 2017، وهو ما اعتبره واحدًا من النقاط الإيجابية في الرؤية الأميركية الرسمية تجاه قضايا الشرق الأوسط.(6)

اهتمام الصحافة

الصحافة الأميركية هي الأخرى كانت في الصف المؤيد للرئيس ترمب، حين ركزت صحيفة “نيوزويك” على جوانب التحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، والأمر نفسه لدى موقع CNBC”” الذي سلط الضوء على موقف وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، حين أكد موقف ترمب بأنَّ الولايات المتحدة ستستمر في الحفاظ على العلاقة مع المملكة العربية السعودية.

الموقف نفسه جاء عبر منصة “سي إن إن”، حين ركزت على وصف وزير الخارجية الأميركي بأنَّ “هناك عالمًا لئيمًا ومقرفًا بالخارج”، في إشارة إلى اللغط المثار حول السعودية ومحاولات التأثير على استقرارها باعتبارها واحدة من أهم الشركاء السياسيين والاقتصاديين مع الولايات المتحدة.(7)

وركزت الصحافة الأميركية في تغطيتها على الجوانب الأمنية في القضية، باعتبار أن استقرار المملكة العربية السعودية، يبدو أمرًا مهمًا لـ”الحفاظ على الشعب الأميركي آمنًا”، بالنظر إلى دورها في محاربة التطرف والأفكار الرجعية.

استنتاجات ودلالات

إزاء ما سبق، فإنّ السياق العام الذي أحاط ببيان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بشأن قضية خاشقجي، يبدو أنه مستند إلى عدة اعتبارات، من بينها:

1- يبدو أن الكُتّاب الأميركيين باتوا مقتنعين إلى حدٍ بعيدٍ بموقف بلادهم الرسمي تجاه قضية خاشقجي، وهي من المرات المعدودة التي ظهر فيها توافق بين هؤلاء ورئيسهم في ملفات أمنية وسياسية.

2- يظهر من تناول العديد من الكتَّاب والصحف، التركيز المشترك على الخطر الإيراني الذي كرره الرئيس ترمب في خطاباته التي تعتبر السعودية حائط الصد الأول إزاء هذا الخطر.

3- تعي القيادات السياسية ووسائل الإعلام الأميركية جيدًا، أن اهتزاز العلاقة مع شركاء التنمية للولايات المتحدة، أمر ليس بالسهل، وبمقارنة ذلك بالحملة التي تدار تجاه السعودية، يبدو موقف بلادها الأكثر حكمة وإقناعًا في آنٍ معًا.

4- المجتمع الأميركي، بشعبه وإدارته السياسية، يعي جيدًا الدور السعودي في محاربة الإرهاب، وكيف أنَّ استقرار المملكة يعطي مؤشرًا إيجابيًا في هذا الإطار.

5- الولايات المتحدة تعلم ما تتعرض له المملكة العربية السعودية من ضغوط سياسية، تبدو واضحة في قضية خاشقجي؛ ما يجعل جملة من الأمور المتداولة غير حقيقية على المستوى الأمني أو الاستخباراتي.

الاقتصاد العالمي

النقطة الأكثر بروزًا – أيضًا – من الموقف الأميركي، هي التركيز في واحدة من المحطات على أنَّ عدم استقرار السعودية من شأنه أن يكون له تبعات اقتصادية عالمية، وهو ما يعيه السياسيون الأميركيون والإدارات الحاكمة في الغرب.(8)

هذا الأمر يعني أنَّ موقف الولايات المتحدة والدول الغربية، يجب أن يتعامل مع قضية خاشقجي باعتبارها واحدة من القضايا الأمنية التي يجب أن تتخذ مسارات قانونية تنتهي بمحاسبة الجناة دون الربط بين القيادة الحاكمة ومستقبل البلد واستقراره، وبين قضية لا تزال – على أقل تقدير – قيد البحث والتحقيق.

نتائج

1- أنهى الرئيس الأميركي دونالد ترمب موقفه بشأن قضية خاشقجي بموقف يبدو فارقًا في سياق الرأي العام العالمي.

2- تأييد العديد من السياسيين الأميركيين، على الرغم من اختلافهم مع الرئيس ترمب في العديد من الموضوعات إزاء قضية خاشقجي، يزيد من قوة الموقف الأميركي تجاه السعودية.

3- واشنطن استندت في موقفها أن الواقعة برمَّتها لا بدَّ أن تبقى قانونية عبر مسارات قضائية بعيدًا عن الإدارة الحاكمة، أو مستقبل السعودية.

4- الموقف الرسمي أعطى المجتمع الأميركي قناعة كبيرة بتعامل البيت الأبيض مع قضية خاشقجي.

5- يظهر من تناول العديد من الكتَّاب والصحف، التركيز المشترك على الخطر الإيراني، بالإضافة إلى الدور السعودي في محاربة الإرهاب.

وحدة الدراسات السياسية*

المراجع

1- نص كامل بيان ترمب عن مقتل خاشقجي، سي إن إن. https://cnn.it/2Fxe5mF

2- ترمب مدافعًا عن بيانه: لن أتخلى عن السعودية بسبب مقتل خاشقجي، سي إن إن. https://cnn.it/2OVKHpt

3- ترمب يريد أن تظل الولايات المتحدة “شريكًا راسخًا” للسعودية رغم قضية خاشقجي، فرانس 24. https://bit.ly/2FJw3Tc

4- Tom O’ Connor, Donald Trump Defends Saudi, Attacks Iran and Doubts U.S. Intelligence in Extraordinary, Khashoggi Statement, Newsweek Magazine, Available on. http://cutt.us/QdCmS

5-  Pompeo on Saudi Arabia: ‘They are an important partner of ours’. http://cutt.us/lJkQZ

6- Kevin Kekkeher, Trump’s Comments Supporting Saudi Arabia Add to Slump in Oil Prices, Available on. http://cutt.us/etRY3

7-هل يفرق ترمب بين السعودية ومحمد بن سلمان؟ هكذا أجاب بومبيو، سي إن إن. https://cnn.it/2A5CKbY

8- رغم الضغوط والانتقادات.. ترمب يؤكد مجددًا دعمه للسعودية في قضية مقتل خاشقجي، يورو نيوز. https://bit.ly/2OTB9Ly

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر