الإشتراك في القائمة البريدية

ولي العهد السعودي والإخوان.. حان وقت كشف الحساب

التاريخ والوقت : الإثنين, 9 أبريل 2018

تواصل المملكة العربية السعودية مساعيها في مواكبة توجهات رؤية السعودية 2030 على كافة المستويات، وهي الرؤية التي بدأها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، بمخططات تنموية طموحة، وحراك سياسي ودبلوماسي، يعزز من مكانة المملكة الإقليمية والدولية، ودورها الرائد في المنطقة. وبطبيعة الحال تحتاج هذه الرؤية الطموحة لتحقق أهدافها إلى مواجهة أكثر حسمًا مع الجماعات والكيانات التي تهدد الأمن الإقليمي والسلم العام للمجتمعات، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين؛ وهو ما دفع بولي العهد، إلى الحديث عن إجراءات مرتقبة خلال مقابلتين موسعتين مع مجلة “Time”، ومجلة “أتلانتيك” الأميركيتين.

فهم عميق

بدا الأمير محمد بن سلمان، أكثر فهمًا لأدبيات تنظيم الإخوان المسلمين، كواحدة من التصريحات النادرة لمسؤول عربي، حين أسهب في وصف طبيعة فكر وتحرك الجماعة في المستويات الدعوية، وصولاً إلى تجييش أنصار لهم في الأقطار العربية، ظهر ذلك جليًا من قوله “إن المرء لا يتحول فجأة من شخص عادي إلى إرهابي، بل يتحول من شخص عادي إلى محافظ قليلاً، ومن ثم إلى متطرف قليلاً، ويزداد تطرفًا وتطرفًا حتى يصبح جاهزًا لأن يكون إرهابيًا”.(1)

هذا التدرج الذي أوجزه ولي العهد السعودي، بمثابة تحليل عميق لأدبيات العمل داخل تنظيم الإخوان المسلمين، حيث يستهدفون جذب أنصار جدد بمستويات التحرك المعتادة لدى التنظيم من خلال ما يسمونه “الدعوة الفردية”، ومن ثَمَّ “الأسرة” إلى “المجتمع”، حيث ترتكز مراحل التجنيد بالتحول التدريجي الذي يقبل في بعض مراحله أن يكون شريكًا مع من يرونه مخالفًا للشرع، تحت مفهوم ما يسمونه “الغاية تبرر الوسيلة”، وهو ما انتشر بين صفوف الجماعة في مرحلة ما بجواز – وفق مفهومهم – الدعوة على المقاهي (التي يعتبرونها أحد روافد المعصية)، أو الملاهي وغيرها، طالما أنّ الهدف هو بداية تحويل روادها إلى “مهتدين”، ومن ثَمَّ يبدأ التحرك الإخواني انطلاقًا من مفهوم “الهداية” الذي يعتبر مخدرًا لمشاعر العامة، إلى مرحلة أخرى في الانتساب للتنظيم، ومن ثَمَّ التدرج حتى التعصب والطرف.

الجملة المقتضبة التي ذكرها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، تكشف بوضوح فهمًا عميقًا منه، ومن السلطات السعودية، للرؤية التنظيمية لجماعة الإخوان، بداية من مفهوم الدعوة إلى أقصى يسار التطرف، لا سيَّما حين قال “تعد شبكة الإخوان المسلمين جزءًا من هذه الحركة. فلو نظرت إلى أسامة بن لادن، فستجد أنه كان من الإخوان المسلمين. ولو نظرت للبغدادي في تنظيم داعش، فستجد أنه أيضًا كان من الإخوان المسلمين. في الواقع لو نظرت إلى أي إرهابي، فستجد أنه كان من الإخوان المسلمين”.(2)

 ثالث الإشارات التي تضمنتها تصريحات ولي العهد، تتمثل في الرد على الادعاءات التي تطلقها الجماعة على المستويات الدولية بشأن الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهو ما اعتبره الأمير محاولات زائفة “من أجل حكم الدول ونشر الخلافة”، وهو ما ظهر من قوله لمجلة “أتلانتيك” إن “جماعة الإخوان تحاول استخدام النظام الديمقراطي من أجل حكم الدول ونشر الخلافة فى الظل تحت قيادتهم المتطرفة”.(3)

عين على مهبط وحي النبوة

أثار ولي العهد، نقطة أخرى من بين كلماته المقتضبة في ألفاظها، العميقة في معانيها، حين تحدث عن انشغال جماعات الإسلام السياسي والتنظيمات المتطرفة بمهبط وحي النبوة (المملكة العربية السعودية)، لا تشغل دائمًا حيزًا كبيرًا من تفكير هؤلاء باعتبارها الأرض الخصبة لامتداد دعوتهم، وهو ما بدا من قوله “السعودية هي أكبر ضحية للفكر المتطرف. إن كنت أنا أسامة بن لادن أو أي متطرف أو إرهابي، وأردت نشر الأيديولوجية الخاصة بي وأردت التجنيد، فمن أين سأقوم بالتجنيد؟ إن أردت نشر الأيديولوجية فسأذهب إلى السعودية. علي أن أذهب إلى قبلة المسلمين. علي أن أذهب إلى البلاد التي تحتضن المسجد الحرام؛ وذلك لأنني إن قمت بنشرها هناك، فإنها ستبلغ كل مكان”.(3)

إنذار لأوروبا

وجّه الأمير محمد بن سلمان، إنذارًا شديد الخطورة إلى أوروبا، حين قال بوضوح إن الجماعة تريد تحويل أوروبا إلى عاصمة لهم، وإن الإخوان المسلمين “ليسوا في منطقة الشرق الأوسط، لأنهم يعلمون أنها تتبع استراتيجية جيدة ضدهم في السعودية ومصر والإمارات والأردن والعديد من الدول الأخرى”، خاصة أن “الخطر الأعظم” يتمثل بعمل الجماعة في أوروبا، كما “هدفهم الرئيس يتمثل في جعل المجتمعات الإسلامية في أوروبا متطرفة، فهم يأملون بأن تصبح أوروبا قارة إخوانية بعد 30 عامًا”.

من خلال التصريحات السابقة، نستطيع استنباط جملة من الدلالات التي جاءت في شكل رسائل من بين الكلمات المقتضبة، على النحو التالي

– ولي العهد السعودي، يلقي بالكرة في ملعب أوروبا، حين حذّر بوضوح من أن هدف الجماعة هو تحويلها إلى “قارة إخوانية”، وهو بذلك ينقل إلى المجتمع الغربي رؤية داخلية لدى تنظيم الإخوان.

– ولي العهد، أراد من خلال تصريحه أن يقول لأوروبا، ننتظر تعاونًا بناءً أكثر جدية من ذي قبل لمواجهة أهداف الجماعة، لعل من بينها الاستجابة للمطالب المتكررة بضرورة ترحيل وإبعاد كافة العناصر الإخوانية من أراضيها، وهو ما كررته السلطات السعودية مرارًا وتكرارًا، من بينها تصريحات الدكتور إبراهيم العساف وزير الدولة، عضو مجلس الوزراء، في مداخلة أمام قمة العشرين، حين دعا بوضوح إلى “محاربة ومنع جميع مصادر ووسائل وقنوات تمويل الإرهاب”. ونوه العساف أيضًا إلى “ضرورة تعزيز المعايير الثنائية والتعاون لمكافحة تمويل الإرهاب”.(4)

– ثالث الدلالات العميقة من تصريحات ولي العهد، يشير بوضوح إلى مدى ثقة السلطات السعودية في دحر تنظيم الإخوان ومنع أية محاولات للتمدد أو كسب أنصار جدد، وهو ما بدا من قوله إن المملكة لا تخشى من التنظيم، كما أن الجماعة تعرف أنها محاصرة في المملكة، لكن الخطر يكمن في تمددهم أوروبيًا.

الإخوان والموالون

أرسل الأمير محمد بن سلمان، إنذارًا من بين السطور، إلى طرف ثالث، يُمثل جزءًا أسياسيًا من أدبيات عمل وانتشار جماعة الإخوان، وهو الطرف المساعد والمساند الذي – ربَّما – يقترب أو يبتعد أيديولوجيًا من التنظيم، لكنّ يبقى مشتركًا حركيًا مع الجماعة منذ النشأة، وتعتمد الجماعة على تلك الخطة منذ أن اعتمدت في نشأتها في مصر على جميعة الشبان المسلمين، التي وقف الإمام المؤسس حسن البنا على منابرها في جميع محافظات الجمهورية.

بدا واضحًا فهم الأمير محمد بن سلمان العميق لتلك الزاوية من خلال محاولات الجماعة الاستناد على طرف آخر لتنفيذ أجندة حركية، حيث تحدث ولي العهد عن “السروريين”(5)، وهو ما يكشف اعتماد الإخوان في مراحل كثيرة على بعض المنشقين عنهم لتنفيذ أجندات ميدانية وحركية، وهو ما ظهر في مصر وبعض الدول العربية. كما أظهر ولي العهد، أنّ السلطات السعودية تفهم جيدًا أيديولوجية كل فصيل وفق دراسات تحليلية عميقة، حين قال “هناك العديد من الأفلام الوثائقية التي شاهدناها حول العالم والتي تصف السروريين بالوهابيين، نحن في الحقيقة نصفهم بالسروريين في السعودية. هؤلاء أعلى بدرجة من الإخوان المسلمين، حيث إنهم ينظرون إلى الأمور من منظور أكثر تطرفًا في الشرق الأوسط. ولكنهم بموجب قوانيننا مجرمون، وحينما نملك أدلة كافية ضد أي أحد منهم، نقاضيهم في المحاكم”.(6)

ويمكن قراءة التصريح السابق من خلال 3زوايا رئيسية

أولاً: السلطات السعودية تعكف على دراسة أفكار تنظيمات الإسلام السياسي جيدًا من خلال شبكات رصد وتحليل، وتفرق بين الأفكار الأيديولوجية لكافة الجماعات، وهو ما بدا في التفرقة بين النظرة الدولية للجماعة السرورية، وبين نظرة المملكة في الداخل.

ثانيًا: تعرف المملكة جيدًا، كيف تتعامل مع كل فيصل على حدة، وفق أدبياته الحركية والفكرية، كما تفطن إلى طبيعة دوره في المخطط العام الذي يسعى إلى الهيمنة السياسية تحت ستار الدين لتلك الجماعات.

ثالثًا: تظهر من خلال كلمات الأمير الأخيرة، في تصريحه السابق، أن طريقة التعامل مع الجماعات الإسلامية المختلفة متفرقة، إذ إن الأفكار المتطرفة تُحال إلى القضاء الذي ينظر في سلوكهم لإصدار أحكامه، على خلاف بعض الفصائل التي أعلنت الحرب على المملكة، والتي لا يجدي معها، سوى الملاحقة بالقتل، أو الاعتقال الأبدي.

رابعًا: يشدد ولي العهد، على أن مراحل التقاضي والإجراءات القانونية تبقى حاضرة وسط إجراءات الحرب على الإرهاب، وهو ما يتذرع به دائمًا المجتمع الغربي برفض الإجراءات الاستثنائية في الحرب على الإرهاب بحجة الحفاظ على حقوق الإنسان.

خطورة الجماعة

تبدو خطورة جماعة الإخوان، وفق الرؤية السعودية التي طرحها ولي العهد، أكثر من مثيلتها من جماعات الإسلام السياسي التي تكون أكثر وضوحًا في العداء مع الدولة.

وتتلخص خطورة الجماعة في المقدمات التالية:

أولاً: تنطلق أفكار الجماعة وتحركاتها من منظور أكثر خبثًا من الجماعات الأخرى، حيث تتصدر – وفق رؤيتها – المشهد الوسطي في معالجتها للأمور الفقهية، كما تخلط العمل الإنساني والمجتمعي والخيري في كثير من تحركاتها السياسية، وهو ما يجعل تغلغلها في المجتمعات أكثر قبولاً، لا سيَّما في المجتمعات الفقيرة.

ثانيًا: عدم وجود سياسة خليجية موحدة تجاه الجماعة، يجعل تغلغله مسنودًا على دعم مادي ومعنوي من بعض الأطراف في المنطقة، وهو ما بدا من الموقف القطري إزاء الجماعة.(7)

ثالثًا: تحاول الجماعة التغلغل في مؤسسات الدولة الحكومية والخاصة بالشكل الذي يجعلها تصل إلى كافة الطبقات، وهو ما يجعل فرص إعدادهم لمناصب في تلك المؤسسات أمرًا ورادًا.

رابعًا: العمل السري للجماعة، الذي اعتمدت عليه كثيرًا، يجعلها دون غيرها، واحدة من التنظيمات الأكثر تغلغلاً، بالإضافة إلى القدرات المالية الضخمة التي يمتلكها التنظيم على المستوى الدولي.

إجراءات مرتقبة

ربما تشير تصريحات ولي العهد – أيضًا – إلى إجراءات مرتقبة يمكن للسلطات السعودية القيام بها للتضييق على جماعة الإخوان المسلمين، فيما لخّصها ولي العهد، في 3 خطوات:

الأولى: “محاربة الإرهابيين” وفق مستويين “الإمساك بهم، أو قتلهم”.

الثانية: “محاربة المتطرفين”، وهو ما يعني أنّ ثمة تفرقة بين الإرهابيين والمتطرفين من وجهة نظر الأمير، إذ يمكن للفصيل الثاني أن يعود إلى رشده من خلال عمليات تصحيح أفكار، فيما وصل الفصيل الأول إلى مرحلة اللاعودة، وهو تكفير المجتمع وإعلان الحرب عليه، وهو ما لا يمكن إزاءه أية عمليات تصحيح، وبات قتله أو القبض عليه خيارًا وحيدًا.

الثالثة: هي التشريعات المرتقبة التي تعكف المملكة على سنّها لمواجهة الأفكار المتطرفة، وهو ما ظهر من قول ولي العهد إن “مكافحة التطرف لا تقتصر فقط على محاربة المتطرفين ونشر الحداثة، لكنها تشمل أيضًا التعرف على تلك الجماعات وسن قوانين لمحاربتها وتوضيح المعايير التي نميز من خلالها الإرهابيين”.

نتائج 

1- ظهر من خلال تصريحات ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، مدى فهم السلطات السعودية العميق لأدبيات تنظيم الإخوان المسلمين، كواحدة من التصريحات النادرة لمسؤول عربي، حين أسهب في وصف طبيعة فكر وتحرك الجماعة في المستويات الدعوية، وصولاً إلى تجييش أنصار لهم في الأقطار العربية.

2- وجّه الأمير محمد بن سلمان، إنذارًا شديد الخطورة إلى أوروبا، حين قال بوضوح إن الجماعة تريد تحويل أوروبا إلى عاصمة لهم، وهو ما يشير إلى طلب رسمي للتعاون لمواجهة التنظيم.

3- أظهرت تصريحات ولي العهد، فهمًا أكثر عمقًا – أيضًا – للطرف الثالث، الذي يُمثل جزءًا أسياسيًا من أدبيات عمل وانتشار جماعة الإخوان، وهو الطرف المساعد والمساند الذي – ربَّما – يقترب أو يبتعد أيديولوجيًا من التنظيم.

4- تشير تصريحات ولي العهد، إلى إجراءات مرتقبة يمكن للسلطات السعودية القيام بها للتضييق على جماعة الإخوان المسلمين من بينها إجراءات تشريعية وقضائية ومواجهات أمنية.

وحدة الدراسات السياسية*

المراجع

1- محمد بن سلمان: الإخوان المسلمون أخطر من أي شيء آخر وهدفهم تحويل أوروبا إلى قارة إخوانية، (روسيا اليوم).http://bit.ly/2uWaclU

2- المرجع السابق.

3- ولي العهد السعودي يكشف لـ”أتلانتيك” مثلث الشر إيران والإخوان والإرهاب، (اليوم السابع). http://bit.ly/2H2YRFi

4- السعودية: مكافحة الإرهاب وتعزيز قيم العدالة مسؤولية دولية، (الشرق الأوسط).  http://bit.ly/2GJH2I2

5-التيار السروري هو تنظيم سلفي أنشأه في السعودية والكويت خلال الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي الشيخ محمد سرور زين العابدين، سوري من حوران كان من “الإخوان المسلمين” وانشق عنهم. انظر (إخوان السعودية: أقسامهم ومحاور خطابهم ومكامن خطورتهم)، (الشرق الأوسط).  http://bit.ly/2Jswyia

6- محمد بن سلمان: الإخوان المسلمون أخطر من أي شيء آخر وهدفهم تحويل أوروبا إلى قارة إخوانية، (روسيا اليوم). http://bit.ly/2uWaclU

7-الإخوان والسعودية.. القصة الكاملة (الحلقة السادسة والأخيرة)، (الشرق الأوسط).http://bit.ly/2GIHHd1