هل ستصبح تايوان حلقة في “الدومينو” الصينية؟

التاريخ والوقت : الخميس, 29 نوفمبر 2018

يي تشينغ ليان

يتعين على البلد الذي يشعر بالقلق تجاه المحاولات الرامية للتأثير على سياساتها، أن تدرس نجاحها في تنظيم الانتخابات المقبلة، نهاية الأسبوع، في تايوان. فقد شهدت الفترة الأخيرة سباقات انتخابية بين حوالي 11 ألف مرشح على المجالس المحلية الخاصة بالقرى والبلديات بكافة مقاطعات جزيرة تايوان، وهو ما مثَّل مقدمة للانتخابات الرئاسية المقبلة، المقرر إجراؤها في مطلع 2020. وبحسب أحدث الاستطلاعات، بلغ المرشحون الموالون لبكين حوالي 16 من أصل 24 في التنافس الانتخابي.

ورغم نفي الصين تدخلها في العملية الانتخابية، فإنها في السنوات الأخيرة الماضية، كثَّفت جهودها لزعزعة استقرار الحكومة التايوانية بقيادة “الحزب التقدمي الديمقراطي” المؤيد للاستقلال عن الصين، وهو ما أثر كثيرًا على السياحة بالتوازي مع سلسلة من المناورات التي أجرتها بكين وآخرها التهديد بغزو تايوان.

وبالنظر إلى تسارع وتيرة الأحداث خلال الفترة الأخيرة، نجد أن بكين قدمت وعودًا وضمانات بعدم التعدي على تايوان، حتى إنها وعدت بتطوير العلاقات الاقتصادية بين البلدين. لكن فوز “الحزب الديمقراطي التقدمي” بالرئاسة والأغلبية في “المجلس التشريعي الوطني”، من شأنه أن يعيق الطموحات المتنامية لبكين في الجزيرة التايوانية.

وقد أعقب فوز “الحزب الديمقراطي التقدمي” انتصارات مذهلة لحركة “عباد الشمس” Sunflower عام 2014، حينما حاصر الطلاب المجلس التشريعي لمنع التصديق على إحدى المعاهدات التجارية مع الصين. وقد كان الاتفاق الذي تفاوضت بشأنه إدارة الرئيس “ما ينج جيو”، من حزب “الكومينتانغ”، وهو أشد الأحزاب المؤيدة لتايوان، قد سمح لرأس المال الصيني بالتدفق السهل إلى قطاع الخدمات التايواني، وقد خشي المتظاهرون من أن يُعَرِّض ذلك البلاد للخطر، ولا سيَّما على مستوى الاستقلال الاقتصادي؛ فقد نجح اعتصام الطلاب وتمَّ إقصاء المعاهدة عن مسارها.

وفي السياق الانتخابي، ليس من المؤكد ما إذا كانت الصين ستعتمد أية نتائج انتخابية، وخاصة مع استقالة الرئيس “تساي إنغ وون” من منصب رئيس الحزب الديمقراطي. وبشكل جزئي، ترجع الخسائر التي مُنِيَ بها حزبه إلى الشجاعة في معالجة الإصلاحات التي كانت البلاد في أمس الحاجة إليها، رغم كلفتها الباهظة من الناحية السياسية، مثل الخطة التي وضعها “وون” للتخلص التدريجي من برنامج تقاعد موظفي الخدمة المدنية بما له من تكاليف باهظة. وقد صاحب ذلك اعتراض على الاقتراح الخاص بالطاقة النووية الذي لم يكن يحظى بشعبية لدى الشركات الصناعية بتايوان، والتي تعتمد مصانعها على إمدادات الكهرباء بشدة. لكن هزيمة “حزب الشعب الديمقراطي” كشفت عن مدى توغل بكين المتزايد في تايوان، وعلى نحو أكثر تحديدًا، تجلت قدرتها على استغلال نقاط الضعف في مجتمع مفتوح.

ففي صيف 2014 وأثناء زيارة لـ”بورت كيلونغ”، وهي قاعدة بحرية في شمال شرق تايوان، كانت جامعة تايوان الوطنية تدرب ضباط البحرية. وفي أحد المراكز الطلابية تمَّ الترويج للكثير من المنشورات بين طلاب الجامعات في بكين. وقد كان محتوى تلك النشرات ذات طابع سياسي بدرجة كبيرة، حيث استهدف القضاء على التيار المؤيد للوحدة مع بكين من خلال الكثير من القصص التي غلب عليها الطابع الإنساني، حيث أفصح المحتوى العام لتلك النشرات عن رفض قاطع لتلك الفكرة والتأييد الشعبي التام للمنشورات التي تمَّ ترويجها بين طلبة جامعة تايوان الوطنية.

ووفقًا لأحد المعاهد البحثية التابعة لهيئة الإذاعة الوطنية اليابانية NHK، فقد أصبحت التكتلات الإعلامية المؤثرة في تايوان مؤيدة لبكين، حيث تمَّ منح الكثير من المساهمين الرئيسيين، فرص عمل أكبر في السوق الصيني الضخم. حتى إن الصحف الرئيسية ومحطات التلفزيون الكبرى في تايوان، اعتادت تقديم محتوى لا يكاد يختلف عما هو بالصين، حيث ذُكِرَت فيه عبارات المدح المعتادة للصين.

وفي مارس 2013، وصفت صحيفة “التايمز الصينية”، نائب رئيس الوزراء التايواني “ليو ياندونغ” الذي كان يتربع على قمة المؤسسة الإعلامية بالحزب الشيوعي الصيني، وهو واحد من ثلاثة أسماء مهمة بين القادة الجدد، بأنه حجة ونموذج لزعيم جيد مثل الرئيس الصيني “جين جين بينغ”، وغيره من الأمثلة الكثيرة.

كان “جيمس موريارتي”، رئيس مجلس أمناء المعهد الأميركي في تايوان، قد حذر خلال مقابلة له مع محطة “تي في برودكاست ساتلايت” الإخبارية، المحلية والمؤيدة لبكين، من أن الأيادي الخارجية قد تنشر معلومات مزيفة بغرض تضليل الرأي العام للتصويت، وهو ما دفع المحطة إلى حذف المقابلة مع “موريارتي” على الفور من موقع القناة على الإنترنت.

هنا نشير إلى المحادثات التي أجرتها بكين مع العمال التايوانيين، وبخاصة الشباب منهم الذين تعرضوا لركود بشأن الأجور الحقيقية لهم، بعد أن كانت أجورهم الأعلى في مجال صناعة التكنولوجيا المتقدمة المصاحبة لعملية الانفتاح الاقتصادي الصيني خلال عقد الثمانينيات، وهو ما صاحبه اتجاه بكين لاعتماد نموذج الدعم والمعونة التفضيلية للشباب التايواني الراغب في العمل بالصين حتى في مجال تأسيس الشركات الناشئة.

لكن على المستوى الحزبي، فمن بين الأحزاب السياسية التايوانية، تمكنت الصين من تحقيق قدرٍ كبيرٍ من النجاح خلال عقدين من الزمن، إذ إن حزب “الكومينتانغ”، الذي كان ذات يومٍ يمثل الحزب الشيوعي المعارض لـ”شيانغ كاي شيك”، تطور إلى حزب مؤيد بشدة لبكين، بل إنه دعا لإعادة توحيد تايوان وفقًا لشروط الصين. وفي هذا الشهر فقط، تحوَّل “شيك” الذي كان ينظر له طويلاً باعتباره معتدلاً داخل حزب “الكومينتانغ”، من مبدأ “لا للوحدة، ولا للاستقلال، ولا لاستخدام القوة” ليتبنى – حاليًا – منطق أنه “ليس ضد الوحدة”.

ولهذا يرى كثير من التايوانيين أنهم يعتبرون أنفسهم مجرد تايوانيين، أي مجرد أقلية صغيرة تطلق على نفسها اسمًا باللغة الصينية. ومع صعود حزب “الكومينتانغ” – حاليًا – ربَّما تجد الصين نفسها في حاجة إلى التفكير في غزو عسكري، لكن هذه العوامل تشير إلى أنه سيكون ثمة تسلل صيني أكبر في تايوان مسقبلاً. فإذا ما سقطت تايوان وتمَّ احتواؤها من جانب الصين، فإن “هونغ كونغ”، سرعان ما تفقد الحكم الذاتي الذي وعدت به بكين خلال عملية تسليم السلطة عام 1997، ويمكن أن تكون هي الحلقة التالية؛ إذ يمكن أن تصبح مجرد مدينة صينية أخرى قبل أن تنتهي صلاحيتها عام 2047. كما أن الحكومة الصينية ربَّما تستغل الموقف وتضغط على الصينيين المنتشرين حول العالم (الشتات) بدرجة أكبر مما سبق. وعلى وجه الخصوص يمكن لبكين أن تتلاعب بالمهاجرين، أو بأحفادهم الذين انتقلوا إلى الغرب من “تايوان” أو “هونغ كونغ” بعد أن اعتنقت الصين الشيوعية عام 1949، عبر ممارسة الضغط على أيٍ من ذويهم الذين مازالوا يعيشون في “تايوان” أو “هونغ كونغ”.

وبعد الحرب العالمية الثانية كانت الدول الديمقراطية الرأسمالية لديها مخاوف من أن تسقط البلدان الآسيوية الواحدة تلو الأخرى في براثن الشيوعية. لكن نظرية “الدومينو” لم تتحقق، نتيجة يقظة تلك الدول الديمقراطية، إلا أنه من الأفضل أن يبقى الجميع حذرين، وإلا فقد يرون في النهاية تحقق نظرية “الدومينو” الصينية بداية من تايوان.

 

المصدر: نيويورك تايمز

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر