هل تتأثر قناة السويس بممر القطب الشمالي؟

التاريخ والوقت : الخميس, 20 سبتمبر 2018

مع ازدياد الحديث حول فكرة تطوير الممر الشمالي البحري، وتسارع وتيرة ذوبان الثلج وانخفاض الجليد البحري به مع تعاظم ظاهرة الاحتباس الحراري العالمي، ازداد الاهتمام العالمي باستغلال الموارد الطبيعية للقطب الشمالي، ومن بينها استخدامه كطريق ملاحي يوفر الكثير من الوقت، وهو الطريق الذي يتوقع أن يكون منافسًا لقناة السويس خلال العقدين المقبلين، وبخاصة بعدما قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إن معظم دول آسيا والمحيط الهادئ مهتمة بتعزيز تطوير “الممر الشمالي البحري”، وهو ما اتضح من قوله إنه من الضروري بلوغ الهدف الاستراتيجي الرئيسي في أقرب وقت، وهو البدء بإنتاج مجموعة كاملة من السفن ذات الحمولة المتوسطة والكبيرة والمعدات البحرية، القادرة على عبور الممر الشمالي البحري(1).

الفكرة ليست وليدة اللحظة

يبدو أن الحديث حول هذا الأمر ليس وليدة اللحظة، إنَّما امتد لسنوات ماضية، حيث إنه في عام 2013 أبحرت سفينة شحن دنماركية باتجاه الممر الشمالي الغربي الذي يربط بين المحيط الأطلسي والمحيط الهادئ في منطقة القطب الشمالي شمال كندا، وقالت المصادر الإعلامية الدولية التي تناقلت الحدث التاريخي – حينذاك – إنها المرة الأولى في تاريخ البشرية تنجح فيها سفينة شحن باجتياز المعبر الشمالي الغربي(2).

 ليس هذا فحسب، فإن الصين أعلنت في عام 2016 عن نيتها إطلاق دعوات لشركات الملاحة لاستخدام الممر الشمالي الغربي عبر القطب الشمالي لتقليل مدة الرحلات البحرية بين المحيطين الأطلسي والهادئ، وهو ما يسمى “طريق بحر الشمال”، والربط بين المحيطين الهادئ والأطلسي. واللافت في الأمر، أن ذلك الطريق كان مغلقًا منذ سنوات بسبب الجليد الذي كساه بشكل كامل، ولكن في أغسطس 2013، وبفعل التغيرات المناخية وظاهرة الاحتباس الحراري التي باتت تهدد العالم، مرت أول سفينة شحن صينية عبر ذلك الطريق إلى أوروبا(3).

فضلاً عن حديث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في 2017 وقوله إن معظم دول آسيا والمحيط الهادئ مهتمة بتعزيز تطوير “الممر الشمالي البحري”، باعتباره أمرًا بالغ الأهمية لها ولروسيا أيضًا، وذلك خلال احتفاله بالشروع في بناء أربع سفن مخصصة للجليد، وتأكيده على ضرورة بلوغ الهدف الاستراتيجي في أقرب وقت، وهو البدء بإنتاج مجموعة كاملة من السفن ذات الحمولة المتوسطة والكبيرة والمعدات البحرية، لتمهيد عبورها الممر الشمالي البحري.

 

القناة أم الممر؟

قد يبدو الحديث عن العلاقة أو المقارنة بين قناة السويس والقطب الشمالي، أمرًا غريبًا، لكنه بات واقعيًا، فمستقبل القناة أصبح – لسوء الحظ – رهنًا بالتغيّر المناخي الذي ساعد أول مرة على فتح طريق بحري عبر المياه القطبية الشمالية بين أوروبا وآسيا. فقناة السويس التي اكتسبت أهميتها عالميًا بسبب أنها اختصرت المسافة بين أوروبا وآسيا، وجعلت السفن غير مضطرة للدوران حول القارة الإفريقية، يمكن أن تصبح مهددة إذا ما تمَّ – بالفعل – تدشين الممر، مع أن الحقائق الأساسية حول هذا الممر، تشير إلى أنه صالح للملاحة المشروطة لمدة شهر واحد على الأكثر خلال فصل الصيف، وسيظل كذلك لفترة قد تصل إلى نصف قرن ارتباطًا بمعدل ذوبان الجليد.. لكن يمكننا المقارنة بين القناة والممر في عدة نقاط متمثلة في:

–  معايير الأمن والسلامة:

من الواضح أن قناة السويس سيكون لها الأفضلية على حساب الممر الجديد – حتى الآن – فإذا أردنا الحديث حول معايير الأمن والسلامة، فسنجد أن المقارنة تصب في صالح القناة. غير أنَّه على الرغم من الفارق الكبير في معايير الأمن والسلامة بين ذلك الممر وبين قناة السويس، فإن الصين لم تتراجع عن دعوة سفن الشحن للمرور عبره، متجاهلة ما يمكن أن تواجهه من مشكلات بسبب غياب البنية التحتية والأضرار التي قد يحدثها الجليد للسفن والطقس المتقلب.

–  التكاليف:

من جهة التكاليف، فإنه من المتوقع أن تكون تكاليف الممر أقلَّ من نظيرتها في القناة، إذ ترى جهات عدة أن هذا الممر إذا ما تمَّ إنشاؤه وافتتاحه للملاحة، فسيوفر الكثير من التكاليف على السفن التجارية؛ لأن الرحلة بين الصين وهولندا تستغرق 33 يومًا عبر الطريق الجديد، وتستغرق 48 يومًا عبر قناة السويس مع فارق المخاطر التي تفوق ذلك التوفير، والتي ربَّما تواجهها السفن عند المرور من طريق القطب الشمالي.

–  المدة الزمنية:

إذا انتقلنا للحديث حول المدة الزمنية، فسنجد أنه من المرجح أن يوفر الممر وقتًا للسفن المارة خلاله، وهو ما أشارت إليه شبكة “بي بي سي” البريطانية. فعلى سبيل المثال: تكون الرحلة البحرية من “شنغهاي” إلى ميناء “هامبورج” الألماني عبر الممر الشمالي الغربي، أقصر بـ2800 ميل بحري عن الطريق المار عبر قناة السويس(4).

ومن المؤشرات السابقة، يتضح أن الممر القطبي ليس بديلاً لقناة السويس، وإنما هو جزء من مشروع استراتيجي للاستفادة من موارد القارة القطبية الشمالية، باعتبار أن ذوبان الجليد أتاح فرصة ذهبية لاستكشاف الموارد؛ وهو ما يغري القوى العالمية بالحضور إلى تلك المنطقة. ولعل ذلك الأمر يتضح من عدد السفن التي استخدمت الممر في عام 2015 والبالغ 50 سفينة، أي أقل من عدد السفن التي تعبر قناة السويس في يوم واحد(5).

دوافع دولية

كل المؤشرات تشير إلى أن عدة دول ترى أنه ثمة منفعة ستعود عليها من وراء افتتاح الممر. فهناك من يقول إن روسيا تبحث عن توسيع نفوذها ووجودها العسكري في منطقة القطب الشمالى، في إطار حربها المستمرة مع الولايات المتحدة، وأنها تفكر منذ فترة في إيجاد ممر مستمر في تلك المنطقة، وهذا لن يتحقق إلا بتنمية المنطقة، وإنشاء ممر تستفيد منه اقتصاديًا يضمن لها الوجود، واتضح هذا الأمر من حديث رئيس الوزراء الروسي دميتري مدفيديف، أن بلاده ستواصل تنمية الممر الشمالي، وذلك بغرض توفير طريق لسفن الشحن عبر القطب الشمالي، وستعمل – أيضًا – على إنشاء مراكز لوجيستية في تلك المنطقة(6).

ويبدو أنه ليست موسكو وحدها التي ترى منفعة لها من وراء افتتاح الممر.. فالصين – أيضًا – ترى أنه من الضروري أن تبادر للبحث عن خطوط ملاحة جديدة، ولعل مكانتها التجارية المتقدمة تدفعها نحو ذلك؛ وهو ما نستدل عليه من حديث أحد دبلوماسييها حول أن مصر نقطة لا مفر منها، وأنه لا يعتقد أن الملاحة في القطب الشمالي ستكون بديلة لقناة السويس، إلا أن الشركات الصينية تبحث عن خطوط ملاحية جديدة، بالإضافة إلى ما أعلنته صحيفة الصين اليومية في عام 2016، أن الحكومة الصينية ستحث شركات الملاحة على استخدام الممر الشمالي الغربي المار عبر القطب الشمالي، الذي فتح بفضل التغيّر المناخي، لتقليل الزمن الذي تستغرقه الرحلات البحرية بين المحيطين الأطلسي والهادئ(7).

توقعات مستقبلية 

– يبدو أن الممر الجديد سيلفت العديد من الأنظار التي كانت موجهة لقناة السويس، إلا أنه لن يكون بديلاً كاملاً لها. فمن حيث البنية التحتية، فإنه لا مقارنة حقيقة بين الممر وبين القناة.

–  من المرجح ألا يؤثر الممر بدرجة كبيرة على قناة السويس، إذ إن القناة ليست في مجال للتأثر، والدليل على ذلك أن الصين حينما طرحت مبادرة “الحزام والطريق”، أو “طريق الحرير”، فإنها تعتمد بشكل كبير على قناة السويس لوصول منتجاتها إلى إفريقيا.

–  الشركات الصينية ترنو إلى أن يكون لها وجود في مخطط تنمية محور قناة السويس. فإذا كان الصينيون لديهم أدنى شك في أن قناة السويس ستفقد ميزتها الاستراتيجية، فما كانت لتخاطر بضخ استثمارات بالمليارات بها.

–  من المؤكد أن تطوير تلك المنطقة وإنشاء الممر بكامل قواه سيستغرق مدة ليست بالقصيرة. كما أنه يحتاج إلى تكاليف باهظة نعتقد أن دول العالم ليست جاهزة لتحملها في تلك الفترة، خاصة أن ذلك متزامن مع أزمة اقتصادية في العديد من دول العالم.

–  من غير المستبعد – أيضًا – أن تقف التغيرات المناخية عائقًا أمام إكمال المشروع. فكما ذكرنا آنفًا، فإنه من الحقائق الأساسية حول هذا الممر، أنه صالح للملاحة المشروطة لمدة شهر واحد على الأكثر خلال فصل الصيف.

وحدة الدراسات الاقتصادية*

المراجع

1- الملاحة عبر القطب الشمالي وتأثيرها على قناة السويس. اليوم السابع.

https://bit.ly/2Me9io8

2- العلاقة بين قناة السويس والقطب الشمالي إلى الواجهة مجددًا. وكالة معًا الإخبارية.

https://bit.ly/2Qko3Jf

3- ممر القطب الشمالي نذير شؤم لقناة السويس. بوابة فيتو.

https://bit.ly/2Qh5qGe

4- المرجع السابق.

5- الحقيقة والمبالغات في ممر القطب الشمالي. جريدة الحياة.

https://bit.ly/2QhVVXg

6- روسيا تعتزم مواصلة تنمية الممر الشمالي للملاحة. روسيا اليوم.

https://bit.ly/2oYP1K5

7- الملاحة عبر القطب الشمالي وتأثيرها على قناة السويس. مرجع سابق.

https://bit.ly/2x18Rbg

 

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر