هجوم بولتون على المحكمة الجنائية قد يأتي بنتائج عكسية

التاريخ والوقت : الثلاثاء, 9 أكتوبر 2018

ماكس دو بليزيس

 

استخدم جون بولتون، مستشار الأمن القومي الأميركي، في 10 سبتمبر، أول خطاب رئيسي له منذ التحاقه بالبيت الأبيض، لمهاجمة تحقيق محتمل للمحكمة الدولية بشأن الموظفين الأميركيين في أفغانستان. ويجري التحقيق مع “الوطنيين الأميركيين”، كما يصفهم “بولتون”، بسبب احتمال ارتكابهم التعذيب وسوء المعاملة ضد المحتجزين بين عامي 2003 و 2004 أثناء الغزو الذي قادته الولايات المتحدة.

“بولتون” لديه تاريخ طويل من المعارضة للمحكمة الجنائية الدولية، ورغم أن الولايات المتحدة وقّعت على النظام الأساسي لـ”ميثاق روما” المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية في عهد الرئيس الأسبق بيل كلينتون، فإن بولتون كان “غير موقِّع”، ثم إنه كان وكيلاً لوزارة الخارجية في إدارة جورج دبليو بوش.

وعندما فتحت المحكمة أبوابها، أول مرة عام 2002، ساعد بولتون في تأمين ما وصفه في 10 سبتمبر، باعتباره واحدًا من “إنجازاته الأكثر فخامة”، حوالي 100 اتفاقية ثنائية مع دول أخرى لمنعهم من تسليم الموظفين الأميركيين إلى المحكمة الجنائية. وكثيرًا ما يتم استخدامها للضغط، حيث تهدد الولايات المتحدة بوقف المساعدات العسكرية وغيرها من المساعدات للدول التي رفضت التوقيع.

وفي السنوات الأخيرة من عهد إدارة أوباما، تحسنت العلاقات بين الولايات المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية، وقدمت واشنطن المساعدة والدعم لها، لكن هجوم بولتون يهدف إلى عكس تلك المكاسب – مع اتخاذ تدابير موجهة مباشرة إلى المحكمة وموظفيها.

وتشمل التفاوض على “اتفاقيات ثنائية أكثر إلزامًا لمنع الدول من تسليم الأشخاص الأميركيين للمحكمة الجنائية الدولية”. إلى جانب منع قضاة المحكمة الجنائية الدولية والمدعين العامين من دخول الولايات المتحدة، وفرض عقوبات على أموالهم في النظام المالي الأميركي ومحاكمتهم في المحاكم الجنائية الأميركية (والقيام بنفس الشيء لأي شركة أو دولة تساعد في تحقيق المحكمة الجنائية الدولية بشأن الأميركيين)، بالإضافة إلى ملاحظة ما إذا كانت أي دولة تتعاون مع تحقيقات المحكمة الجنائية الدولية مع الولايات المتحدة وحلفائها، على أن تذكر ذلك التعاون عند تحديد مستويات المساعدات الخارجية الأميركية والمساعدة العسكرية وتبادل المعلومات الاستخبارية.

ويمثل ذلك تهديدًا خطيرًا من شأنه أن يقوّض عمل محكمة مصممة لمقاضاة أسوأ الجرائم في العالم، حيث سيتم منع المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية وقضاتها من دخول الولايات المتحدة لحضور أعمال المحكمة المهمة.

فبعض أعمال المحكمة تأتي بناء على طلب من الولايات المتحدة، وهو ما يمثل مفارقة غريبة. فعلى سبيل المثال: تم إحالة قضيتين من قضايا مجلس الأمن إلى المحكمة الجنائية الدولية، تتعلق إحداهما بالفظائع التي ارتكبت في السودان، والأخرى تتعلق بالجرائم التي ارتكبها معمر القذافي في ليبيا، بدعم من الولايات المتحدة.

أيضًا، تعقد اجتماعات جمعية الدول الأطراف في المحكمة الجنائية الدولية كل سنة في مقر الأمم المتحدة في نيويورك. وقد يتعين عقد تلك الاجتماعات في مكان آخر إذا كان قضاة وموظفو المحكمة الجنائية الدولية معرضين للتهديد بالاعتقال.

وفي حالة التعذيب المحتمل المرتبط بالعمليات في أفغانستان، لم تكن المحكمة الجنائية الدولية تعمل بمبادرة منها في التحقيق. فعلى سبيل المثال: قدّم مركز الحقوق الدستورية “ممثل المجني عليه” إلى المحكمة الجنائية الدولية نيابة عن اثنين من عملائهما، شرقاوي الحاج، وجولد حسن دوران، مع التأكيد على أهمية تحقيق المحكمة الجنائية الدولية للمسؤولين الأميركيين بسبب جرائم خطيرة ناشئة عن ما بعد الاحتجاز والاستجوابات في 11 سبتمبر.

ووفقًا للمركز، فإن كلاً من الحاج ودوران، قد احتجزتهما الـ”سي آي إيه” في مواقع مظلمة، أو أنه “احتجاز بالوكالة” من قبل دول أخرى، وتعرضا للتعذيب.

ورغم أن الولايات المتحدة ليست طرفًا في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، فإن المحكمة تتمتع بالولاية القضائية على مواطني الولايات المتحدة الذين يُزعم أنهم ارتكبوا فظائع في أفغانستان. وتجدر الإشارة إلى أن التحقيق يشمل متابعة أي جرائم ارتكبتها “طالبان” وقوات الأمن الأفغانية خلال الفترة نفسها.

لذلك، فإن أساس مهاجمة عمل المحكمة الجنائية الدولية، بناء على هذا المبدأ مهزوز. وبالتالي، فإن تهديدات “بولتون” تؤثر على عدد من المسائل القانونية الدولية المهمة في المستقبل.

فهي أولاً، قد تكون خطوات انتقامية غير قانونية، نظرًا إلى أن الولايات المتحدة لديها التزامات على منح بعض الامتيازات والحصانات على الأقل للقضاة وغيرهم من موظفي المحكمة الجنائية الدولية بموجب اتفاقية المقر العام للأمم المتحدة لعام 1947 بين الأمم المتحدة والولايات المتحدة، حيث قد تنظر الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية في التدابير المضادة، إمَّا بمفردها أو بشكل جماعي.

وفي هذا الصدد، لن تمر تعليقات “بولتون” حول الاتحاد الأوروبي دون أن يواجهها أحد؛ فهو يقترح أن أوروبا منطقة “عقيدة الحكم العالمي قوية”، حيث قد تتعلم الولايات المتحدة مدى قوة تلك “العقيدة”.

ومع امتناع الولايات المتحدة عن المحكمة الجنائية الدولية، يبقى الأمر بالنسبة لأوروبا وغيرها في قلب نظام العدالة الجنائية الدولي، وبالتالي – كرد فعل لموقف الولايات المتحدة تجاه تغير المناخ – وبناء شبكة من الشراكات مع الآخرين، مثل الدول الفاقدة للتعويض عن فك الارتباط الأميركي.

ولمَّا كان لدى المحكمة الجنائية الدولية العديد من النقاد، ويمكن تحسينها كمؤسسة، فإن خطاب “بولتون” قد يكون له تأثير في حشد الدعم لأول محكمة جنائية دولية دائمة في العالم، في حين قد يكون أمرًا جيدًا بالنسبة للمحكمة التي تحتاج بشدة إلى دعم أعمالها.

وبغض النظر عن مخاوف الدول بشأن المحكمة الجنائية الدولية، فقد تتفوق عليها الرغبة المتبادلة في التصدي للتسلط المتصور من جانب إدارة ترمب، لصالح حكم القانون الدولي.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: كاشام هاوس

 

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر