هاشتاق (تمام).. وديمقراطية أردوغان الزائفة

التاريخ والوقت : الجمعة, 11 مايو 2018

في ظل ازدياد الغضب الشعبي والعالمي ضد أردوغان، بسبب ممارساته غير الديمقراطية، ورغبته في فرض نفوذه ونفوذ دولته عالميًا على حساب حرية شعبه، وقبل فترة وجيزة من انطلاق الانتخابات التركية، دشّن مجموعة من الأتراك هاشتاقًا على موقع التواصل الاجتماعي “تويتر” تحت اسم tamamالذي يعني (حسنًا)، إلا أنه يعني أيضًا (كفاية)، وذلك بعدإدلاء أردوغان بخطاب قال فيه إنه سينصاع لرغبة شعبه إذا ما طالبوه بالتنحي.

ويبدو أن أردوغان الذي قال “إذا قال لي الشعب ارحل فسوف أرحل”، لم يدرك أن السحر سوف ينقلب على الساحر، وتجتاح كلمة (تمام) – بمعناها الثاني – مواقع التواصل لتطالب برحيله وتبرز معاناة شعبه وعدم تقبلهم لوجوده على سدة الحكم(1) . ولعل تصدّر الهاشتاق لقائمة “الأكثر بحثًا” على موقع “تويتر” وتحوله إلى العالمية بدلاً من المحلية عقب ساعات من تدشينه، يبرز بوضوح معاناة الأتراك من حكم رجب طيب. ولعل ما كتبه أحد المشاركين: “نحن نريد الديمقراطية، لذلك نقول كفاية لأردوغان، من فضلك اترك منصبك، فعلت أشياء مجنونة لبلدنا وشعبنا، كفاية”. يبرز ذلك – أيضًا – أن أردوغان الموجود في السلطة منذ 15 عامًا الذي تولى رئاسة الوزراء في 2003 ومن بعدها الرئاسة في 2014، والذي يتشدق بالديمقراطية، يعاني شعبه من غيابها.(2)

قبضة باطشة

ويبدو أن شعار أردوغان الذي انقلب ضده، قد كشف عن الأوضاع الداخلية في تركيا ومعاناة الأتراك من غياب الديمقراطية التي يُنصّب رئيسهم نفسه زعيمًا لها، فتارة يتشدق بممارستها، وتارة أخرى يطالب غيره بممارستها. ولعل ما فعله أردوغان بعد محاولة الانقلاب (المزعومة) التي حدثت، أخيرًا، وهجمته البوليسية الباطشة، وحبس العديد من الموظفين والمعلمين ومختلف طوائف الشعب، بزعم صلتهم بمحاولة الانقلاب، قد كشف القناع عن ديمقراطية أردوغان الزائفة التي أثبتت الوقائع والممارسات عكسها.

وبينما ينتظر أردوغان الانتخابات القادمة المزمع عقدها بعد عدة أسابيع، أكد مراقبون صعوبة إجراء انتخابات حرة نزيهة في تركيا في تلك الفترة، بسبب غياب الديمقراطية، ووجود حالة الطوارئ في البلاد؛ فالحديث ممنوع والتجمعات مثله، وانتقاد الحكومة يمثل خطرًا جسيمًا.

فالسلطات التركية قد فرضت حالة الطوارئ بعد محاولة الانقلاب في يوليو قبل عامين، وشنّت هجمة شرسة على البلاد، وهو ما دفع الأمم المتحدة للقول إنه تمَّ اعتقال أكثر من 160 ألف شخص وإقالة عدد مماثل لهم على إثرها. وبات جليًا أن أردوغان المتشدق بالديمقراطية، قد استغل تلك المحاولة الفاشلة، أو (المزعومة) لإحكام قبضته على البلاد، وقص أظافر من يرى فيهم تهديدًا لحكمه(3). وبدا واضحًا أن الحكومة التركية تسيء استخدام الصلاحيات الواسعة التي تسمح بها حالة الطوارئ للتضييق على المجتمع المدني وإسكات الأصوات التركية الناقدة.

وبدلًا من أن تعمل الحكومة التركية على تحسين صورتها، إلا أنها تُضاعف من جرعة إجراءاتها القمعية مع اقتراب الانتخابات، وتتمادى في التضييق على الأحزاب المعارضة، فاعتقلت مسؤولاً في حزب الخير المعارض، يدعى “كريم توراكليك”، بتهمة الترويج لجماعة “فتح الله جولن” عبر منصات التواصل الاجتماعي، وهو ما نراه مثيرًا للدهشة والاستغراب؛ إذ إن الحزب يمثل اتجاهًا جديدًا في التيار القومي ويعارض الاتجاه الديني، الذي تمثله جماعة “غولن” الذي تتهمه السلطات التركية بالضلوع في محاولة الانقلاب.(4)

التضييق على السلطة الرابعة

ولم يسلم الصحفيون – أيضًا – من بطش أردوغان بزعم محاولة الانقلاب، إذ أمر بإغلاق العديد من المؤسسات الصحفية، وحبس أكثر من 170 صحفيًا؛ وهو ما دفع جنين أولمانسيك، الخبيرة في شؤون أوروبا وآسيا الوسطى لدى منظمة العفو الألمانية، للقول إن حرية الصحافة في تركيا مكبلة بالقيود تقريبًا منذ نحو عامين.

وتحت وطأة مطاردة الصحفيين وفصلهم من عملهم وإيداعهم في السجون، يمكننا القول إن الإعلام والصحافة في تركيا يشهدان في الفترات الأخيرة حالة أشبه بـ”الانقلاب”، لكنه هذه المرة على حرية الرأي والتعبير، الأمر الذي نستدل عليه مما أعلنته “جمعية الصحفيين الأتراك” عن كون عام 2014 عامًا أسود على الصحافة في تركيا، مستندة في ذلك إلى العديد من الممارسات القمعية لنظام أردوغان ضد السلطة الرابعة، والتي تشمل: الحظر، والمراقبة، والفصل، وإغلاق المؤسسات الصحفية.

ولعل ما كشفته دراسة أجرتها نقابة الصحفيين في تركيا أن 981 صحفيًا طردوا من عملهم خلال النصف الأول من 2014، واضطر 56 شخصًا يعملون في الصحافة إلى الاستقالة من مناصبهم لأسباب مختلفة، وفقد عشرات المراسلين والعديد من الكتاب وظائفهم؛ يُمثل أدلة دامغة وواضحة على تضييق أردوغان على الصحافة والإعلام اللذين يمثلان “ترمومترًا” لقياس مؤشرات تطبيق الديمقراطية والتمتع بالحريات.

وما يؤكد حديثنا – أيضًا – هو ما ذكره تقرير صادر عن منظمة “فريدم هاوس” الأميركية خلال السنوات الخمس الماضية، وتأكيده أن تركيا تأتي في المرتبة الثالثة ضمن أكثر الدول سرعة في التراجع في حرية الصحافة، الأمر الذي يجعلنا نتنبأ أن الإعلام التركي سيظل يشهد تراجعًا في ظل استمرار حزب “العدالة والتنمية” في صدارة المشهد.(4)

التمييز ضد المرأة

وإن كانت قبضة أردوغان قد طالت جميع الأتراك، فالمرأة التركية – أيضًا – لم تسلم منها، إذ تعاني تمييزًا سلبيًا ولا تحصل على حقوقها مقارنة بالرجال، وهو ما يتضح مما قاله أردوغان في خطاب له قبل عامين حين وصف النساء اللاتي لسن أمهات بالـ”ناقصات”؛ وذلك على الرغم من كونه قد حث – من قبل – الأمهات على إنجاب ثلاثة أطفال على الأقل، واعتبر تنظيم النسل “خيانة”.

وإذا نظرنا إلى مؤشر عدم المساواة بين الجنسين، فسنجد أن تركيا تحتل المركز 130 من أصل 144 بلدًا، ويستند هذا المؤشر الذي يعتمده المنتدى الاقتصادي العالمي، على مدى إمكانية الوصول إلى الخدمات الصحية، والتعليم، والتمكين السياسي والاقتصادي، بيد أن 40% من التركيات يعانين من الاعتداء الجسدي، وتموت نحو 300 – 400 امرأة في العام جراء ذلك. وتشير إحصاءات رسمية إلى أن الإبلاغ عن العنف المنزلي، قد ازداد بنسبة 1400 في المئة ما بين عامي 2003 و2010؛ وهو ما يؤكده قول الناشطة “فريدة ايرالب” إن إبقاء النساء حبيسات المنازل هو عامل بارز في ازدياد العنف الأسري.

“ومن الجلي أن حقيقة عدم امتلاك النساء الحرية الاقتصادية، هي واحدة من الأسباب الرئيسية لعدم تمكنهن من التخلص من العنف في حياتهن. إنهن يجبرن على البقاء مع أزواج عنيفين لأنهن معتمدات اقتصاديًا عليهم(6).”

وفي الوقت ذاته تظل عمالة المرأة في تركيا ضمن أسوأ النسب، وقد تفاقمت بسبب انتشار الأمية بين الفتيات، حيث تتسرب واحدة من كل ثماني فتيات من المدرسة بسبب مشروع زواج تقليدي في سن مبكرة(7).

وبعد سرد كل تلك الوقائع، ما لنا إلا أن نتنبأ بأن الحكومة التركية من المؤكد أن تواجه هاشتاق (تمام) بإجراءات قمعية أشد، وقبضة أكثر بطشًا، ومصادرة أكبر للحريات وحقوق الإنسان؛ إذ من الواضح أنها لا تعلم القوة التي باتت لا يستهان بها لمواقع التواصل الاجتماعي في تغيير مسار الرؤساء والحكام وإسقاط أنظمة عدة.

وإذا بات هاشتاق (تمام) متصدرًا للمشهد، فإننا نتوقع سيناريوهين، أولهما:اتجاه الحكومة التركية للمزيد من الإجراءات القمعية وإلقاء القبض على متداولي الهاشتاق والمطالبين برحيل نظام أردوغان، والاستمرار في سياستها غير المتوازنة تجاه التعامل مع المعارضين ومحاولة إسكات كل الأصوات المخالفة لها.

السيناريو الثاني: هو إعادة إنتاج لمظاهرات “تقسيم” وتجسيد حي للمظاهرة الإلكترونية وانتقالها من مواقع التواصل للأراضي التركية والمطالبة برحيل أردوغان عن سدة الحكم قبل إجراء الانتخابات المزمع عقدها بعد فترة وجيزة.

وفي الأخير، فإن السحر قد انقلب على الساحر، وبات شعار أردوغان أكبر مهدد له، وكشف هاشتاق (تمام) عن تشدقه الزائف بالديمقراطية ومعاناة شعبه من غيابها. فمن الواضح أن نظامه يستغل سلطاته في التضييق على الحريات، واستغل محاولة الانقلاب الأخيرة لتشديد قبضته. لذا، فإننا نتوقع تمادي نظام أردوغان في إجراءاته القمعية، أو انتقال المظاهرة الإلكترونية لأراضي إسطنبول لتعيد للأذهان احتجاجات تقسيم التي قابلها أردوغان بالقوة الباطشة.

وحدة الدراسات السياسية*

المراجع  

tamam- 1.. هاشتاق جديد يجتاح تركيا لمطالبة أردوغان بالتنحي، صدى البلد. https://goo.gl/oPGttS

2 – الأتراك لأردوغان على تويتر‏:‏ كفاية هاشتاق تمام ينتقل من المحلية إلى العالمية، الأهرام المسائي.https://bit.ly/2KcDuQ6

3 – ممارسات أردوغان تفقده تأييد الأتراك وإجراء انتخابات نزيهة أمر مستحيل، وكالة أنباء هاوار.https://goo.gl/6KXM85

4 – تركيا تضيق الخناق على حزب المرأة الحديدية، أخبار الخليج.https://goo.gl/cdsP77

5 – في يومها العالمي.. تركيا زنزانة للصحفيين وتميم جلادهم، مبتدأ.

https://goo.gl/syb1bm

6 – “تقليد تركي” بخصوص النساء يعيق تقدم البلاد، بي بي سي عربي.https://goo.gl/141e8A

7 – أضواء على حقوق المرأة التركية، المرجع السابق.https://goo.gl/gvZHVu

 

 

 

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر