نيوزيلندا.. الأزمة وإدارتها

التاريخ والوقت : الأربعاء, 10 أبريل 2019

عبدالله مغرم

 

لسنوات طويلة تتباهى دول مثل أستراليا ونيوزيلندا بأنها دول تستقطب المهاجرين دون النظر إلى العرق أو الديانة، وأنها منفتحة على مختلف الثقافات، وهذا ما سهل تعايش مجتمع نيوزيلندا ذي الأربعة ملايين ونصف تقريبًا برغم انتمائهم إلى 200 عرق وتحدثهم 160 لغة.

في الأزمة، وبرغم بشاعتها، لفت الأنظار الدور الأسطوري الذي لعبته رئيسة الوزراء “جاسيندا أرديرن”، فقد نجحت في تحويل التهديد بتمزيق النسيج الاجتماعي والمخاطرة بسمعة البلد إلى فرصة لتعريف العالم بنيوزيلندا وتوحيد المجتمع والتضامن مع الجالية المسلمة حتى لا تترك فرصة للإعلام للإثارة وللمتطرفين بتوظيف الحدث.

إن أكبر تحديات إدارة أي أزمة أنه لا يوجد نموذج يمكن استنساخه وإعادة استخدامه من أزمات سابقة، فالظروف والبيئة والمؤثرات تختلف في الغالب بين أزمة وأخرى، وفي نفس الوقت لا مجال للانتظار لفترات طويلة كي تتخذ الحكومة قرارًا حول طريقة التعامل مع الأزمة. أمَّا استراتيجية إدارة الأزمة، فقد كانت واضحة منذ البداية بتسمية الأمور بمسمياتها، فالحادث سمي بالإرهابي، وهي رسالة واضحة بأن قتل الأبرياء إرهاب بصرف النظر عن ديانة من اقترف العمل، وعلى الجانب الآخر تقديم إشارات لا تقبل اللبس للجالية المسلمة بأن ما يمسكم يمسنا، نحن أنتم وأنتم نحن، وبهذه الاستراتيجية أغلقت الباب على المتطرفين من اقتراف أعمال أخرى أو عمليات انتقام مضادة.

تمر أي أزمة بمراحل، وأنجح الطرق في التعامل معها يتمثل في تحديدها، ومن ثم عزلها فالتعامل معها. وهذا كان واضحًا في طريقة إدارة الأزمة، حيث عملت رئيسة الوزراء على تحديد سبب الأزمة بشقيه خطاب الكراهية، وتوفر الأسلحة، فعملت بشكل عاجل على استصدار التشريعات لضبط حيازة السلاح، وطالبت بالكشف عن أنشطة اليمين المتطرف، وفي نفس الوقت أظهرت التعاطف مع المسلمين وأبرزت الحكومة قياداتها المسلمة، وساند جهود الحكومة وسائل الإعلام التي لعبت دورًا واضحًا من خلال ارتداء المذيعات للحجاب ونقل أذان الجمعة في رسالة اعتزاز واضحة بوجود جالية مسلمة في نيوزيلندا.

برغم كثرة العمليات الإرهابية التي حدثت حول العالم، لم يتحد العالم ضد الإرهاب كما اتحد في حادثة مسجد النور الإرهابية، وكلمة السر استراتيجية إدارة الأزمة الإعلامية التي اتخذتها الحكومة النيوزيلندية والتي كان لها تأثر كبير في حشد أصوات العقلاء حول العالم من مختلف الأديان والثقافات لنبذ الإرهاب والدعوة للتسامح والتعايش.

 

مستشار إعلامي ومتخصص في الإعلام التفاعلي*

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر