الإشتراك في القائمة البريدية

 مساءلة “فيسبوك” ومستقبل منصات التواصل الاجتماعي

التاريخ والوقت : الأربعاء, 11 أبريل 2018

دخلت فضيحة “كامبريدج أناليتيكا” التي تسببت في تسريب معلومات عشرات الملايين من مستخدمي “فيسبوك”، منحنى جديدًا من الخطورة على الشركة التي تربعت على عرش مواقع التواصل الاجتماعي، في أعقاب جلسة استماع لمؤسسها مارك زوكربيرغ، أمام لجنة مشتركة من أعضاء الكونغرس الأميركي، تعتبر واحدة من الإجراءات النادرة، أو الفريدة التي تتعرض لها الشركة في واحدة من الأزمات العاصفة التي تهدد مستقبلها.

الجلسة التي حضرها عضو مؤسس واحد لشركة “فيسبوك” أمام نحو نصف عدد السيناتورات للولايات المتحدة الأميركية، تطرح العديد من التساؤلات التي لا تزال غامضة حول مستقبل الأزمة والشركة معًا، ومدى تماس تلك الأزمة مع ملفات سياسية وأمنيّة للولايات المتحدة الأميركية يُمكن للشركة أن تدخل طرفًا فيها، بالإضافة إلى مواقع التواصل الاجتماعي التي ستتأثر جراء تلك الأزمة، ودلالات التساؤلات التي تراوحت في مجملها بين إدانة طرف واعتذار آخر أقرّ بخطئه، من أن تصيغ أية إجراءات مرتقبة ضد تلك الشركات وفي مقدمتها “فيسبوك”.(1)

دلالات المساءلة

في المجمل تحمل المساءلة دلالات عديدة، كونها تجعل تلك الشركات دائمًا أمام طائلة المساءلة والتحقيق، وصولاً إلى المحاكمة حال ثبت تعمد الإضرار بالأمن العام لبعض الدول.

ويمكن قراءة المساءلة التي فرضت اهتمامًا عالميًا واسعًا في النقاط التالية:

أولاً: تُظهر عملية المساءلة التي تابعها الملايين ونقلتها وسائل الإعلام الدولية، رسالة إلى شركات التواصل الاجتماعي التي باتت تقود الرأي العام، إن لم يكن تجييشه تجاه فكرة أو رأي وموقف معين، وهو ما يعني أن الأمور يجب أن تسير وفق ضوابط وتقييدات تمنع الإضرار بالأمن القومي للدول.

ثانيًا: اعترف مارك زوكربيرغ بخطئه وتكرار الاعتذار أمام المساءلة ووسائل الإعلام والغرف المغلقة، يشير بوضوح إلى أنّ ثمة إجراءات يمكن أن تتخذها الولايات المتحدة الأميركية تجاه الشركة.

ثالثًا: انطلاقًا من النقطة السابقة، فإن مؤسس “فيسبوك” على ما يبدو لديه من المعلومات ما تجعله يخشى من أية إجراءات تضرُّ بشركته في المستقبل. لكنّ التساؤل الذي يبقى الآن: هل يستطيع مارك نقل هذه المعلومات إلى لجان التحقيق في الفضيحة؟

رابعًا: ظهور مارك زوكربيرغ وحيدًا من دون بقية المؤسسة، أو المشاركين، يمكن أن يشير إلى رغبته في تحمل المسؤولية الشخصية وحده، بالتزامن مع مساحة من الاحتمالية التي ربَّما تعرضه للمساءلة القانونية تضمن بقاء شركته في مكانتها الطبيعية، وهو ما اتضح من قوله “لقد كان خطئي، وأنا آسف، لقد بدأت في “فيسبوك” وأديره، وأنا مسؤول عمَّا يحدث هنا”.(2)

خامسًا: يبدو أن مارك زوكربيرغ استعان بخبراء متخصصين لإعداد مجموعة من الإجابات النموذجية للأسئلة المتوقعة، حتى لا يتسبب في مزيد من المشكلات لشركته، وهو ما ظهر من ردود باتت في أغلبها دبلوماسية وتقتصر مساحة النقاش؛ لعدم الوقوع في مزيد من الأزمات، خاصة في ظلوقت صعب تمرُّ به الشركة بسبب أزمة الأخبار الكاذبة واتهامات بالتجسس على مكالمات ورسائل المستخدمين.(3)

تشريعات جديدة وإجراءات صارمة

تشير جلسة المساءلة إلى احتمالية أن تلجأ الولايات المتحدة الأميركية كبداية لدول أخرى – بأقله – إلى إجراءات صارمة تجاه شركات مواقع التواصل الاجتماعي من شأنها أن تُقلّص المساحة الممنوحة إليها فيما يتعلق ببيانات المستخدمين من جهة، وعمليات الانتشار أو الصلاحيات المتاحة لها من جهة أخرى، بالإضافة إلى تشريعات جديدة تضمن فرض مساحة لا بأس بها من حماية الأمن القومي للدول، لا سيَّما أنّ البيانات المسربة، مؤخرًا، جرى استخدامها في استهداف الأميركيين خلال فترة الانتخابات بدعاية سياسية تمَّ تصميمها خصيصًا للتأثير عليهم، وفق ما نقلت تقارير دولية.(4)

يبدو أن الإدارة الأميركية تدرس – الآن – عدة إجراءات وتشريعات جديدة، ربَّما تؤثر على الشركات المنافسة، وذلك بالنظر إلى الإصرار على مساءلة مارك زوكربيرغ، رغم محاولاته السابقة السيطرة على الوضع عبر اعتذار كتبه على حسابه الرسمى بالموقع، ومقابلات تليفزيونية وصحيفة أجراها مع عدد من الصحف والقنوات الأميركية الشهيرة. كما نشر اعتذارًا على صفحة كاملة في عدد من الصحف الورقية المهمة التي تصدر في الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا؛ ما يعني أن ثمة لوائح جديدة من شأنها تقييد قوة الشبكة الاجتماعية العملاقة، والحيلولة دون وقوع ضرر مجتمعي يمكن أن يسببه موقع التواصل، وهو ما مهّدت له تقارير إخبارية دولية.

الطبيعي في مثل هذه المواقف والأزمات التي تطال الأمن القومي بتورط بعض الشركات الخاصة، أن السلطات تضع خطًا فاصلاً يجب على تلك الشركات ألا تتجاوزه، وهو ما يتطلب بطبيعة الحال – أيضًا – تشريعات جديدة لفرض رقابة صارمة، وهو ما بدا من تصريحات البرلماني بيل نيلسون الذي قال إنه “إذا لم يهتم بتجاوزات مواقع التواصل الاجتماعي مثل “فيسبوك”، فلن يأمن أي أميركي على خصوصيته”.(5)

تساؤلات وغموض

القضية مثار الجدل تفتح الباب أمام تساؤلات عديدة تبدو لدى واضعي السياسية في أميركا ودول أوروبية، غامضة حتى الآن، بالنظر إلى انعدام الرؤية بشكل تفصيلي عمَّا يمتلكه مارك زوكربيرغ من معلومات وإن كانت أولية بشأن عمليات الاختراق التي تعرضت لها “فيسبوك”، بالنظر إلى أن آلاف، وإن لم يكن ملايين المصممين والباحثين، استطاعوا خلال الفترة الماضية الوصول إلى بيانات الملايين من مستخدمي “فيسبوك” عبر تطبيقات حديثة؛ وهو ما يعني أن “فيسبوك” لم تحتفظ بأدوات تمكنها من منع حصول هذه التطبيقات على معلومات المستخدمين. كما يمتلك مارك – حاليًا على الأقل – بيانات بشأن عمليات اختراق تعرض له موقعه، فهل بإمكانه إطلاع صانعي القرار على جانب من هذه المعلومات.(6)

كما أن التساؤل الآخر بات حول إمكانية أن يمنح مارك زوكربيرغ، تقارير لسلطات التحقيق، حول عدد المتضررين من تسريب بياناتهم وطبيعة المعلومات المسربة ودرجة تأثيرها – على الأقل – سياسيًا وأمنيًا.

لا شك أن القائمين على شركة “فيسبوك” لديهم من المعلومات ما يجعلهم الأكثر دراية بمدى أهمية أو خطورة البيانات المسربة، بالإضافة إلى قيمة المعلومات التي جمعتها الشركة عن مستخدميها، وكيف يمكن استخدام هذه البيانات. لكن: هل تستجيب الشركة لضغوط الأداء لتلك المعلومات، أو جزء منها لسلطات التحقيق، أو صانعي القرار لتقييم الموقف إزاء الإجراء المرتقب.

تغييرات في “فيسبوك”

في ظل الضغوط التي تتعرض لها “فيسبوك”، فإن توجهًا جديدًا بشأن اعتماد مبدأ “الدفع مقابل الاستخدام” يبدو الأكثر قربًا للتطبيق، وهو ما بدا من تصريحات مارك زوكربيرغ، حين ألمح لأول مرة إلى ما ستؤول إليه منصة التواصل الاجتماعي “فيسبوك” في المستقبل، وترك المجال مفتوحًا أمام احتمال أن تقدم “فيسبوك” خدمة مدفوعة، خلال جلسة المساءلة، حيث قال في جواب عن سؤال للسيناتور رون جونسون، إنه “سيتم – بالتأكيد – أخذ أفكار مثل هذه في الاعتبار”، وذلك في إشارة إلى الخدمة المدفوعة، وهو ما يهدد مستقبل الشركة وطريقة منافستها لمنصات التواصل الاجتماعي الأخرى.

النتائج

في المجمل، فإن جلسة المساءلة التي خضع لها مؤسس موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” مارك زوكربيرغ، أمام لجنة مشتركة من أعضاء الكونغرس الأميركي، تعتبر واحدة من الإجراءات النادرة التي تتعرض لها الشركة، وواحدة من الأزمات العاصفة التي تهدد الشركة، والتي تنذر – أيضًا – بأن ثمة إجراءات مرتقبة تنتظر منصات التواصل الاجتماعي لحماية الأمن القومي للدول.

كما يمكن أن يمثل اعترف مارك زوكربيرغ بخطئه وتكرار الاعتذار أمام المساءلة ووسائل الإعلام والغرف المغلقة، تقليلاً من مساحة التضييق التي ربَّما تتعرض لها الشركة، أو التقليل من التأثيرات السلبية التي تنتظرها الشركة وفق الإجراءات الأميركية المنتظرة.

بالإضافة إلى ذلك، يمكن للأزمة العاصفة بالشركة، أن تجبر مؤسس “فيسبوك” أن يُقدم مرغمًا معلومات سرية وتفاصيل بشأن آليات عمله وبيانات الشركة والمستخدمين وتقارير يمكن أن تساعد متخذي القرار على تقييم الموقف إزاء تماس فضيحة التسريب بالانتخابات الأميركية.

 

المراجع

1- زوكربيرغ يعلن تحمله المسؤولية الكاملة عن التسريبات – روسيا اليوم. http://bit.ly/2GRMZTn

2-زوكربيرغ عن فضيحة فيسبوك: أخطأت.. أنا آسف – العربية.نت.http://bit.ly/2GQmn5d

3- كيف استعد مارك زوكربيرغ للهروب من استجواب الكونجرس – مصراوي. http://bit.ly/2JBjdUJ

4- زوكربيرغ لمجلس الشيوخ: نخوض “سباق تسلح” مع روسيا.. بي بي سي. https://bbc.in/2ECOumG

5- مارك زوكربيرغ أمام الكونجرس.. أسئلة ينتظر العالم من مؤسس فيسبوك الإجابة عليها – اليوم السابع. http://bit.ly/2HqKd8D

6- المصدر السابق.

7- تغيير كبير بفيسبوك.. “الدفع مقابل الاستخدام”.. إرم نيوز. http://bit.ly/2qr2Sci