ما يمكن لمباريات “السوبر بول” أن تعلمنا بشأن السياسة الخارجية

التاريخ والوقت : الأحد, 10 فبراير 2019

نازينين بارما، وبرنت دوربن، وستيفن ويبر

 

إن أول درسٍ يتعلمه الطلاب في دراستهم للعلاقات الدولية، هو أن الدول تتنافس بقوة على السلطة والمكانة. أمَّا الدرس الثاني، فهو أن الدول تحاول – أيضًا – التعاون من خلال القواعد والمعايير المتعارف عليها. إذ إن إيجاد التوازن الصحيح بين المنافسة والتعاون، يمثل الجدل الرئيس حول السياسة الخارجية في الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

أمَّا اليوم، فإن أجندة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فتنطوي على تهديد لهذه القواعد، حيث يهاجم الرئيس المؤسسات القائمة على التعاون. وفي الوقت نفسه، يؤكد منتقدوه الحاجة إلى دعم ما يسمى بـ”النظام العالمي الليبرالي”، الذي يضم مؤسسات مثل “حلف الناتو”.

لكن في عالم لم تعد فيه القيادة الأميركية في مأمن، فقد حان الوقت لأن يتوقف المنظرون عن إعادة هذا الجدل. إذ يمكن للسياسة الخارجية الأميركية العثور على أفكارٍ جديدةٍ في مناحٍ مثيرة للدهشة، بما فيها مباريات الـ”سوبر بول”، المعروفة في المجتمع الأميركي.

وكما تشير قناة “إن إف إل” NFL، فإن قواعد اللعبة ستتغير، بل يجب أن تتغير هذه القواعد؛ فبدلاً من التعامل مع القواعد الثابتة، فإنه من المتعين هو تغيير هذه القواعد من أجل تعزيز حالة التنافس بين الدول، وليس مجرد تقييدها. ذلك أن ما يهم أكثر هو تحسين جودة اللعبة وكفاءتها، وجعل الجميع يقبلون بأن التنافس أمر شرعي ومقبول، بل ومطلوب أيضًا. ففي عام 1968 حل اتحاد كرة القدم الأميركي محل “لجنة القواعد” التي تشكلت عام 1923 مع “لجنة المنافسات”، ولم يكن الفرق ينطوي على مجرد دلالات؛ فبدلاً من محاولة الحفاظ على التقاليد الموروثة التي تحكم قواعد اللعبة، فإن هذه اللجنة التي اُستحدثت جعلت من اللعبة ميدانًا للتنافس. وعلى سبيل المثال، فقد تمَّ تغيير القواعد من أجل حماية اللاعبين عندما يكونون عرضة للخطر. ولعل آخر هذه القواعد تمثَّل في حظر لبس الخوذة على مجموعة معينة من اللاعبين، وتمَّ اعتماد سقفٍ للرواتب وقواعد للنظام تقوم على مضاعفة التحديات التي تواجه الفِرَق في طريقها للفوز.

إن مثل هذه التغييرات من شأنها أن تشجع على الابتكار، وتقود إلى ما يشبه حلقات “سوبر بول” الناجحة، وهو ما يتمثل في دعم وانتشار الابتكارات الناجحة، مثل خيار “التمرير السريع”، كما أن النجاح المستمر يدفع نحو دراسة مستمرة وجهود ومساعٍ لتعزيز روح الاختراع. وفي حالات الفِرَق ذات المستوى المتواضع، وإن كان المتنافسون الدائمون مثل فريق “نيو إنجلاند باتريوتس” New Englan Patriots قد يهيمنون فترة من الوقت، فإن الفرق الأخرى تدرك أن المدرب والتدريب الصحيح والفريق الجيد يمكن أن يجعلهم في موضع المنافسة، كما لا يمكن للفائزين تغيير قواعد اللعبة ببساطة بغرض تعزيز هيمنتهم.

وعلى النقيض تمامًا في ميدان السياسة الدولية، نجد أنه حتى في إطار المؤسسات “الليبرالية”، فإن الفائزين يكون بإمكانهم تحديد طريقة اللعب؛ فمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يمنح الدول الخمس الكبار حق النقض (الفيتو) على قرارات الأمم المتحدة المهمة، وهي الدول التي خرجت بجيوشها قوية من الحرب العالمية الثانية. وكذلك، هناك إمكانية النظر في القواعد التي تحكم قادة البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي الذي يهيمن عليه الغرب وفي مقدمته الولايات المتحدة، ومن ثمَّ، فإن تغيير قواعد اللعب بهذه الطريقة من شأنه أن يقوِّض شرعية النظام العالمي، مما يدفع بعض الدول إلى اختيار نهج أقل تحررًا، وأقل ملاءمة لسياسة الولايات المتحدة.

وبالنظر إلى ما يشبه “لجنة المنافسات” في حالة النظام الدولي حاليًا، نجد أن الأمر لن يقتصر على الحفاظ على القواعد الحالية للعبة، بل ينطوي ذلك على إجراء تغييرات لصالح النظام، حيث يتم حماية البلدان الضعيفة عن طريق دمج مجموعة من المخاطر والمسؤوليات العالمية لموازنة الآثار غير المتساوية للتغييرات التي تطرأ على بيئة التنافس. وربَّما يتم تعويض بعض المزايا التي اكتسبها بعض البلدان من خلال الجغرافيا أو الاستعمار عن طريق منح بعض الدول الأقل قوة تصويتًا أكبر في إطار المؤسسات الدولية. ويمكن أن يؤدي ذلك – أيضًا – إلى تعزيز الابتكار عن طريق إعادة صياغة حقوق الملكية الفكرية على المستوى العالمي والحد من الحماية للتقدم التكنولوجي. وفي كلتا الحالتين، يكون الهدف هو خلق مجال ذات مساحة أكبر وعلى درجة أكبر من الشرعية.

وبطبيعة الحال، فإن أصحاب المصلحة في ميدان السياسة الدولية يفكرون بطريقة مختلفة عمَّا تذهب إليه قناة “إن إف إل” NFL، إذ إن مثل هذه النماذج تبدو خيالية في عالم يعتقد فيه الكثيرون أن تلك النماذج تبدو حقيقية. وهو ما يشير إلى حدود المقارنة مع اتحاد كرة القدم الأميركي الذي يُعدُّ في المحصلة النهائية أشبه بـ”كارتل” يديره أصحاب المليارات الذين لديهم حوافز لمواصلة تحسين أوضاع اللعبة بما يمكنهم من كسب المزيد من المال، إلا أنه من الصعب تحديد الأهداف المشتركة في السياسة الدولية.

لكن الطريقة التي تُمنح بها الجوائز في إطار منافسات اتحاد كرة القدم الأميركي، في ضوء هذه القواعد، يمكنها أن تقدم درسًا مهمًا للسياسة الخارجية. أمَّا في ميدان كرة القدم، وعلى مستوى الاحتراف، فلن يكون الفائزون اليوم – بالضرورة – هم الرابحون في الغد، ما لم يتمكنوا من إعادة ابتكار أنفسهم للتقدم ولو خطوة واحدة، وهو ما يعزز كلاً من التقدم والشرعية.

وأخيرًا، فإذا كانت الولايات المتحدة راغبة في البقاء كقوة عالمية، فإنه من المتعين على دول أخرى أن تدرك أنها تستطيع المنافسة تحت قيادتها. وهو ما يعني تجاوز الجدل الجاري بشأن شعار “أميركا أولاً” في مقابل “النظام الليبرالي”. وبخلاف ذلك، ربَّما وجد القادة الأميركيون أنفسهم على الهامش، بل ربَّما وجدوا أنفسهم يتدارسون كتابًا قديمًا في الوقت الذي يعمل باقي العالم على خلق نظامٍ جديدٍ بقواعد جديدة.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: جريدة واشنطن بوست

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر