الإشتراك في القائمة البريدية

ما بين مخالب الروس وزئير الناتو!

التاريخ والوقت : الثلاثاء, 27 مارس 2018

مي الشريف 

عادت إلى الساحة مجددًا الصراعات ما بين الشرق والغرب، ممثلة بروسيا وحلفائها من جهة، والقوى الغربية ممثلة بحلف الناتو من جهة أخرى، لتعيد بنا الذاكرة إلى الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة. ورغم سقوط الاتحاد السوفيتي سنة ١٩٩١م، فإن الطموح الروسي برز مؤخرًا، ليسترجع هيمنة وقوة السوفيت في أفضل أيامها. وهناك أسباب عدة لصعود الدولة الروسية، منها اقتصادية (العوائد النفطية الضخمة من الإنتاج الروسي وبالذات في سنوات الأسعار القياسية للنفط)، وأسباب سياسية، منها تهاون الإدارة الأميركية السابقة وقادة أوروبا في اتخاذ قرارات جادة في قضيتين رئيستين هما: الحرب السورية وأزمة شبه جزيرة القرم، اللتان كانتا فرصتين ثمينتين لفلاديمير بوتين لتنفيذ خطط استراتيجية مدروسة لبسط الهيمنة الروسية وفرضها كقوة عسكرية ودبلوماسية إقليميًا ودوليًا. وفي غضون سنوات، نجحت روسيا في فرض هيمنتها على أراضٍ ومياه ذات أهمية استراتيجية كبيرة. ومما ساهم بشكل فعال في الصعود الروسي، هو انتهاز فرصة الفراغ القيادي الذي تخلت عنه أميركا مع استراتيجية الرئيس السابق باراك أوباما الخارجية، التي تعتمد على انسحاب الولايات المتحدة الأميركية من مناطق الصراع البعيدة عن مصالحها؛ مما أنتج فراغًا قياديًا قامت موسكو بملئه لتوسعة هيمنتها الدولية وانتشال روسيا من حالة الجمود التي عاشتها منذ التسعينيات.

كانت فرصة بوتين الأولى في التدخل في الحرب السورية، وقد بدأها بتدخل سياسي لحماية حليفه نظام الأسد تمثّل في استخدام حق الفيتو مرات عدة ضد أي إجماع أممي لإدانة نظام الأسد. فنجح بوتين في نصب بلاده كطرف دبلوماسي ثابت لأي مباحثات سياسية تتعلق بالوضع السوري، وأعقب ذلك تدخل عسكري مباشر من القوات الروسية كان له الأثر الكبير والسريع في استعادة الحليف الأسد لسيطرته على بعض المناطق السورية المهمة. ولكن الإنجاز الأهم الذي تحقق من التدخل الروسي في الأزمة السورية، هو تعزيز القوة البحرية الروسية في البحر الأبيض المتوسط، الذي لم تكن موجودة فيه منذ زمن طويل، فسهل لها أحقية تحرك سفنها العسكرية في البحر الأبيض المتوسط وصولاً إلى المحيط الأطلسي. قامت روسيا على أثره، في الآونة الأخيرة، بعقد شراكات هامة في السواحل الإفريقية المطلة على الأبيض المتوسط، فاهتمت بتعزيز وجود دبلوماسي استخباراتي في الصراع الليبي، وهذا يعد مكسبًا استراتيجيًا هامًا جدًا، إذ إنه حتى عام ٢٠١٠م، لم تكن دول شمال إفريقيا تسمح للسفن الروسية بالتزود بالوقود على موانئها عندما كانت الهيمنة الأميركية مسيطرة على تلك الدول. ويتصاعد الطموح الروسي لهيمنة بحرية في البحر المتوسط، فهناك مباحثات ومحاولات لإنشاء قواعد بحرية وتسهيلات جوية لدى بعض الدول المتوسطية وفي مقدّمتها مصر، بالإضافة إلى مشاورات أخرى جنوبًا مع السودان حول مشاريع روسية على البحر الأحمر. هذه المكاسب الاستراتيجية الروسية جاءت على حساب السيطرة المطلقة السابقة لأساطيل الناتو في البحر المتوسط.

أمَّا الفرصة الثانية في سلسلة توسع النفوذ الروسي، فقد تمثّلت بما يعرف بأزمة جزيرة شبه القرم. القرم شبه جزيرة تقع في جنوب أوكرانيا وتتمتع بحكم ذاتي. ففي أوائل عام ٢٠١٤م، قامت الإدارة الروسية بضم شبه الجزيرة بخطوات هادئة ومدروسة لجأ الروس للتسلل إلى الجزيرة وطرح استفتاء مفاجئ انتهى إلى أن ٩٦.٧٧ بالمئة من سكان شبه الجزيرة، قد وافقوا على الانضمام إلى روسيا، ليعلن برلمان القرم استقلاله عن أوكرانيا والانضمام إلى روسيا. فانتهت عملية ضم شبه جزيرة القرم إلى السيادة الروسية بسرعة قبل أن يستوعب العالم الخارجي أنها قد بدأت أصلاً! فلم يترك بوتين لقادة أوروبا والولايات المتحدة، المساحة والوقت لاتخاذ أي إجراء لدعم الحكومة الأوكرانية في الحفاظ على سيادة ووحدة أراضيها أسوة بما تمَّ من تدخل أقوى وأكثر جرأة في الأزمة الجورجية عام ٢٠٠٨م عندما قطع حلف الناتو على موسكو الطرق لتحقيق أي هيمنة عسكرية روسية. واقتصرت الإجراءات في القضية الأوكرانية على فرض عقوبات اقتصادية على روسيا. تكمن أهمية شبه جزيرة القرم لدى الروس في تعزيز أسطولها البحري العسكري، وكونها ممرًا إلى البحر الأسود الذي مكّنها من فتح خط بحري لسفنها الحربية، وأن تتقدم البحر الأبيض المتوسط وصولاً إلى المحيط الأطلسي. ومن جهة أخرى اقتصادية، أصبح لروسيا الحق في امتلاك حقول الغاز البحرية هناك، التي يمكن من خلالها تعزيز الاقتصاد الروسي وتجاوز أي مفعول للعقوبات الاقتصادية التي أعلنها المعسكر الغربي بعد الأزمة.

هذا التوسع البحري جاء تحقيقًا لاستراتيجية تمَّ اعتمادها بعد توقيع الرئيس الروسي على العقيدة العسكرية المعدلة في عام 2014، التي اعتبرت “حلف شمال الأطلسي” (NATO)، ومن ثم تمَّ إضافة الولايات المتحدة، كأبرز الأخطار التي يجب على روسيا مواجهتها. ولعل حادثة إسقاط الطائرة الروسية من قبل الدفاعات الجوية التركية ووقوف حلف الناتو مع تركيا كونها عضوًا في الحلف في مواجهة أي رد عسكري روسي، تبين للروس حدودية موقفها. ولهذا، فإن روسيا لمّحت أكثر من مرة لبناء “حلف عسكري” يشمل دولاً عربية، بالإضافة إلى إيران، وربَّما إسرائيل؛ لتحجيم أي دور للناتو مستقبلاً في المنطقة. ومع تزايد القوة الروسية، أدرك قادة “حلف الأطلسي” حاجتهم لخطة استراتيجية سريعة المفعول لبتر هذا الطموح الروسي وإعادة نفوذه إلى داخل الحدود الروسية. وبسبب هذه المعطيات، فإنه يسهل تفسير تصاعد ردة فعل الدول الغربية بقيادة بريطانيا تجاه حادثة اغتيال الجاسوس الروسي، وما لحقها من تبعات دبلوماسية وسياسية من دول أخرى أغلبها في حلف الناتو.

أمَّا من ناحية العلاقات السعودية الروسية، فقد كان الاتحاد السوفيتي أول دولة غير عربية تعترف بالدولة السعودية، وتقيم معها علاقات دبلوماسية كاملة. لكن ظلتا متباعدتين سياسيًا بسبب الاختلاف الإيديولوجي التام. وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي اتسمت العلاقات السياسية والتجارية السعودية الروسية بتقارب بطيء لينمو في السنوات الأخيرة وبشكل متسارع، فحققت بعض الشراكات الاقتصادية والتجارية لتتوج بزيارة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان التاريخية إلى روسيا في أكتوبر الماضي. هذه الزيارة أخذت أبعادًا سياسية كبيرة، أهمها اهتمام الحلفاء التقليديين للمملكة، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة، بتصحيح بعض المواقف السياسية والاستراتيجية بشكل جوهري بما يخدم المملكة العربية السعودية كاتخاذ خطوات جدية لإلغاء الاتفاق النووي الإيراني. وبعد التبعات الدولية والمقاطعة الأوروبية والأميركية لروسيا، فمن البديهي أن يقوم فلاديمير بوتين بالارتباط أكثر مع الدول العربية. ومن المتوقع أن تحول الحكومة السعودية هذه الفرصة لتحقيق أعلى مكاسب سياسية ممكنة عبر استخدام “الحليف المنتظر” كورقة ضغط مع الحلفاء التقليديين، أو الوصول إلى تسويات سياسية مع الروس تخدم المصالح السعودية في المنطقة كالحرب في سوريا، أو الحرب في اليمن، أو كبح جماح التمدد الإيراني.

كاتبة وباحثة سعودية*

@ReaderRiy