ليبيا.. حالة تمزق سياسي ومليارات الدولارات مجمدة

التاريخ والوقت : الخميس, 6 ديسمبر 2018

مارك غيلبرت

 

في خضم بيئة عصيبة يعمل فيها مديرو الأصول ويجابهون فيها أسواق أسهم متراجعة وعائدات شديدة الانخفاض للسندات المرجعية، ربما يبدو التوقيت ملائماً للتفكير في صندوق الثروة السيادية الليبي. كما يتعين على الصندوق كذلك التكيف مع الهجمات التي تشنها ميليشيات ضد العاملين لديه، والادعاءات المتضاربة حول من يملك الأحقية في إدارة الصندوق، وكذلك العقوبات التي تفرضها الأمم المتحدة ضده، والتي جمدت استثمارات الصندوق على مدار السنوات السبع الماضية.

جدير بالذكر أن المؤسسة الليبية للاستثمار أُنشئت منذ عقد مضى، وجاءت على غرار جهود بذلتها دول نفطية أخرى لبناء أموال مدخرة لتأمين الأجيال المستقبلية. ومع هذا، يخضع الجزء الأكبر من أموال المؤسسة الليبية للاستثمار لعقوبات من جانب الأمم المتحدة منذ عام 2011 صممت بهدف حماية ثروات البلاد من النهب.

وجرى تعيين علي محمود حسن رئيساً تنفيذياً ورئيساً للمؤسسة الليبية للاستثمار عام 2017. وتشير الأمم المتحدة من جانبها إلى أن ثمة مؤسسات متوازية ادعت في فترات مختلفة تمثيلها للمؤسسة الليبية للاستثمار، لكن حسن يحظى بدعم حكومة الوفاق الوطني بقيادة رئيس الوزراء فايز السراج، التي تحظى بدورها باعتراف الأمم المتحدة باعتبارها الحكومة الشرعية داخل ليبيا (لم يعطها مجلس النواب الليبي الثقة).

تملك المؤسسة أصولاً بقيمة تقارب 67 مليار دولار، ويتضمن ذلك ما يقرب من 8.5 مليار دولار يجري استثمارها في 84 شركة في أوروبا والولايات المتحدة، بينها شركة «أليانز إيه جي» الألمانية للتأمين و«فودافون غروب» للاتصالات، التي تنتمي للمملكة المتحدة وبنك «يونكريديتو سبا» الإيطالي.

وجرى تحويل الأرباح والعائدات المتعلقة بهذه الاستثمارات، التي تقول المؤسسة الليبية للاستثمار إنها لا تخضع لعقوبات عبر نظام تسوية في بروكسل تديره مؤسسة «يورو كلير» إلى حسابات خاصة بصندوق الثروة السيادية الليبي لدى المؤسسة العربية المصرفية في البحرين. وقد أثار مشرعون يتبعون المعارضة داخل البرلمان البلجيكي تساؤلات في وقت سابق من العام حول ما إذا كان قد أسيئ استغلال هذه الأموال في شراء أسلحة للميليشيات.

خلال الأسابيع الأخيرة، أكدت المؤسسة الليبية للاستثمار أنه «لم تحدث إساءة استخدام للأموال ولم يختف أي منها»، حسبما أخبرني حسن بينما كان يتحدث إليَّ من خلال مترجم في مقابلة جرت بلندن. وقال إن بعض الدخل، الذي أشار إلى أنه مبلغ يصل إلى «بضعة مئات من ملايين الدولارات»، جرى استخدامه في تغطية نفقات إدارية ونفقات تشغيل، بجانب تكلفة اتخاذ تحركات قانونية. وأضاف: «إلا أن طرفاً ثالثاً لم يتلق أموالاً منا».

جدير بالذكر أنه بسبب العقوبات، جاءت عائدات الاستثمارات هزيلة، تراوحت ما بين 1.5 في المائة و2 في المائة العام الماضي. والواضح أن العقوبات التي جمدت الأموال تقيد المساحة المتاحة أمام الصندوق السيادي للمناورة، ما يعني أن 21 مليار دولار محاصرة داخل حسابات إيداع لأجل. ومع بلوغ محفظة الممتلكات من السندات تاريخ استحقاقها خلال السنوات الأخيرة، أصبح من الضروري تحويل العائدات إلى الحسابات النقدية التابعة للصندوق.

قياساً بالدولار، تعتبر معدلات الفائدة على النقد هزيلة للغاية. وقياساً باليورو، فإن سياسة معدلات الفائدة السلبية التي لا تزال سارية من جانب البنك المركزي الأوروبي تعني أن الصندوق يدفع أموالاً مقابل الاحتفاظ بأمواله داخل حسابات في بلجيكا، وفي الوقت ذاته تحظر العقوبات على الصندوق مبادلة العملات.

من جانبه، ذكر حسن أنه في ظل الظروف المثالية، فإنه لن يكون هناك أكثر من 10 في المائة من أصول الصندوق في صورة أموال نقدية. ويفضل حسن شراء سندات خزانة أميركية باعتبارها بديلاً حاضراً منخفض المخاطرة.

يذكر أن المؤسسة الليبية للاستثمار عضو في المنتدى الدولي لصناديق الثروة السيادية، الذي يمثل ما يزيد عن 30 صندوقاً سيادياً وافقت على الالتزام بما يطلق عليه «مبادئ سانتياغو»، التي توضح أفضل الممارسات للحوكمة وإدارة المخاطر. من جانبه، أقر حسن أن الصندوق الذي يترأسه يقدم أداءً رديئاً في الوقت الراهن مقارنة بنظرائه فيما يتعلق بالالتزام بهذه الإرشادات، وبحاجة لتحسين أدائه.

ومن المقرر أن تتمثل الخطوة التالية أمام الصندوق السيادي الليبي في الاستعانة بمؤسسة مستقلة كي تتولى فحص حسابات وسجلات على مدار سنوات عدة، وإعداد دراسة تدقيق حسابي كامل يمكن تقديمها إلى الأمم المتحدة. وقال حسن إن أمامه مجموعة من العروض من شركات محاسبة يدرسها لاختيار الأفضل منها، ويتوقع أن يتخذ القرار النهائي في وقت قريب، وبالتالي يصبح تقرير المراجعة الحسابية جاهزاً بحلول منتصف العام المقبل. جدير بالذكر أن شركة «برايس ووتر هاوس كوبرز» (تعرف اختصاراً باسم «بي دبليو سي») عملت لحساب الصندوق فيما مضى.

من ناحية أخرى، شاركت المؤسسة الليبية للاستثمار في الكثير من الدعاوى القضائية رفيعة المستوى. وقد خسرت قضية أمام «غولدمان ساكس آند كو» عام 2016 بعد اتهامها الشركة الأميركية بدفع الصندوق نحو الاتجار في المشتقات، ما أدى لخسارته 1.2 مليار دولار. أما بنك «سوسيتيه جنرال إس إيه»، فقد دفع أكثر من 1.7 مليار دولار لتسوية اتهامات له بتقديم رشاوى لمسؤولين ليبيين. في سبتمبر (أيلول)، تقدمت المؤسسة الليبية للاستثمار بدعوى قضائية ضد «جيه بي مورغان تشيس آند كو» في لندن، مدعية أن البنك دفع أكثر عن 6 ملايين دولار رشاوى للفوز بصفقة سندات بقيمة 200 مليون دولار منذ أكثر من عقد مضى.

ومع استمرار حالة التمزق السياسي داخل ليبيا، ربما يكون من المبكر للغاية بالنسبة للأمم المتحدة الإقدام على رفع العقوبات عن المؤسسة الليبية للاستثمار. وقد عقدت قمة في إيطاليا في وقت سابق من العام بهدف تمهيد الطريق أمام إجراء انتخابات وطنية عام 2019، لكن القمة لم تحرز تقدماً يذكر، رغم أنها شهدت لقاءً غير رسمي بين السراج وخليفة حفتر، القائد العسكري الذي يسيطر على شرق ليبيا.

ومع هذا، يبقى بمقدور الأمم المتحدة البدء في إعداد المؤسسة الليبية للاستثمار للاستقلال مستقبلاً من خلال السماح لها باستثمار عائدات الأوراق المالية التي تبلغ أجل الاستحقاق بحرية. وإذا ما التزمت المؤسسة بوعدها تقديم حسابات جرى تدقيقها حسابياً على نحو كامل، فإنه ينبغي منحها الحرية لاستثمار عائدات سندات بقيمة تقارب 1.5 مليار دولار ستحصل على عائدات باستمرار على امتداد السنوات التالية ـ خطوة صغيرة، لكنها مهمة نحو تطبيع عمل الصندوق السيادي.

 

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط بالاتفاق مع بلومبيرغ

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر