لماذا ينضم شباب أوروبيون إلى “داعش”؟

التاريخ والوقت : الإثنين, 11 مارس 2019

 

أصبحت مسألة انضمام عناصر أوروبية إلى تنظيم “داعش” موضوعًا مثيرًا للنقاش؛ فالشائع هو انضمام عناصر عربية، ومن بلدان إسلامية إلى التنظيمات الإرهابية لأسباب تتعلق بالموقف من الدين. في حين لو تأملنا ظاهرة “الجهاد الإسلامي” من جذورها لعلمنا وجود العناصر الأوروبية منذ البداية، وبدقة أكثر منذ بزوغ الجهاديين، الذين تذرعوا بالدفاع عن حقوق المسلمين في العيش آمنين، وهو ما دفع عناصر أوروبية للدخول والتعاطف مع الخطاب الموجه إليهم.

في الواقع أن هؤلاء الأوروبيين المنضمين لا يتمتعون بقدر كبير من اهتمام صانعي السياسات الأوروبية، مع تزايد أعداد الشباب الأوروبي المنضمين للتنظيم الإرهابي، وبخاصة من بريطانيا وفرنسا وألمانيا. وفي الوقت ذاته وجَّه التنظيم دفة هجماته ناحية الغرب، وهو ما دعا بريطانيا لرفع درجة الاستعداد إلى مستوى شديد الخطورة، فـ”داعش” يستهدف أوروبا، ولكن ليس كما هو متصور يتجه فقط نحو بلاد ما يسمى بـ”الربيع العربي”، بل إنه شنَّ عددًا من الهجمات فيها.

في هذا السياق تأتي دراسة الدكتور محمود عبدالله، وهو باحث مصري، حول ظاهرة انضمام الشباب الأوروبيين إلى تنظيم “داعش”، بغرض التعرف على الجوانب المتصلة بتلك الظاهرة ومحاولة الإجابة عن التساؤلات المتصلة بها، إذ يتساءل البعض: لماذا ينضم الشباب الأوروبي إلى تنظيم يبدو مختلفًا مع البيئة التي ينشؤون فيها دينيًا، فضلاً عن حالة الرفاهية التي يحيا عليها الأوروبيون؟ ففي يونيو 2013 قُبض على عدد من أعضائه في العراق وأدينوا بمحاولتهم تهريب أسلحة كيميائية لكندا وأميركا وأوروبا، فيما كان “مهدي نموش” المواطن الفرنسي والمحارب العائد لبلده، الذي أصاب برصاصه ثلاثة من المدنيين في المتحف اليهودي ببروكسيل في مايو 2014، كان يحمل أسلحة مرسومة عليها علم “داعش” حينما تمَّ القبض عليه.

يذهب الكاتب إلى أن الانشغال بانجذاب الشباب إلى الصراعات الدائرة، بدأ باكرًا في الحرب البوسنية (1992-1995)، والحرب الشيشانية الأولى (1994-1996)، والانتفاضة (2000-2005)، والحرب الأفغانية التي بدأت عام 2001، والصراع الدائر شمال “مالي” منذ عام 2003.

وفي هذا ينطلق الكاتب في دراسته للإجابة عن تساؤل محوري، وهو: لماذا ينضم الشباب الأوروبي لـ”داعش”؟ وبناء على هذا السؤال الجوهري، تأتي أسئلة أخرى عديدة، مثل: ما أنماط هؤلاء المحاربين؟ ومن أين جاؤوا بالتحديد؟ وما أصولهم الطبقية؟ وكيف انضموا إلى التنظيم؟ وما حجمهم بالنسبة للتنظيم ككل؟ وما احتمالات عودتهم لبلادهم؟ وكيف ستتعامل الدول الأوروبية معهم حال عودتهم؟

لقد اتصلت ظاهرة الإرهاب بإشكالية مفاهيمية باعتبار “الإرهاب” واحدًا من المفاهيم الإشكالية، ويتداخل مع غيره من المفاهيم ذات الصلة بالفعل الإجرامي الموجه للأفراد أو للمؤسسات. هذا الالتباس لا يقف عند حدود استيعاب المفهوم والتعريف به، بل تتصل بالتفسيرات التي تسعى لتوثيق علاقاته بغيره من أشكال العنف الممكنة، بتحديد الأسباب والعوامل الحاكمة له، وفهم علاقته بغيره من الظواهر المتاخمة والمعارضة والمتناقضة معه في تشكيلة الأفعال الإنسانية المتنوعة، ولعل هذا يترك أثره في طريقة التعاطي معه، وفي وضع الحلول الناجزة للقضاء عليه.

وقد تبنى الباحثون في حقل دراسة الإرهاب النظرية الثقافية، التي تحيل العمل الإرهابي إلى كل التمثيلات والتصورات والأخيلة، والتي يتربى عليها الأفراد في طفولتهم، ذلك أن ترسيخ الهوية الوطنية يتم عبر تهيئة الأفراد باستعداد نفسي لتقبل صورة لذواتهم كأبطال أقوياء، يحصلون على مبتغاهم عنوة.

وقد يذهب طرف ثانٍ إلى تفسير ظاهرة الإرهاب بعامل الاقتصاد؛ على أساس أن هناك ظروفًا تؤدي إلى تبني السلوك العنيف تجاه الدولة وأفرادها كحلٍ جذري للاحتياج والحصول على لقمة العيش، وأن أفرادها يلتحقون بهذا النوع من التنظيمات. وأيضًا هناك التفسير البيئي الذي يلجأ إليه الباحثون من أجل ربط الظاهرة ببيئات منتجة له. وهناك أيضًا التفسير المؤسسي الذي يذهب إلى أن أصل التطرف في عنصرية المؤسسات الأوروبية والغربية وانحيازها الواضح للون الأبيض، فالنظام الاجتماعي هو نظام عنصري يعطي الأولوية للأبيض على حساب السود وغيرهم من ذوي البشرة الملونة.

بجانب ذلك، هناك التفسير التربوي الذي يرى أن الأفراد ينشؤون داخل المؤسسات التربوية الرسمية على العنف، بحيث يكون العنف جزءًا رئيسًا في عملية التربية، وجزءًا من تصورات الهوية النوعية، فالرجولة تتطلب القوة البدنية، بينما الأنوثة تتميز بالرقة والنعومة، وجزءًا من عملية التدريس بتكريس العقاب المادي، علاوة على ترسيخ القيم الأبوية، كالطاعة العمياء، والحض على الحفظ والنقل والاستنساخ، والقيم الأبوية المحفزة للعنف. وهكذا تتباين التحليلات التي تتناول الأسباب المنشئة للعنف ما بين أسباب اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية.

الحركات المتطرفة في أوروبا

شهدت أوروبا الغربية بعض الحركات النشطة من اليمين المتطرف أكثر من أي منطقة أخرى في العالم، فخلال الحرب الباردة نشأت مجموعات تدعم الوضع القائم في بلادها وتدافع عن المصالح الوطنية، ومعظمها قامت كرد فعل على نجاحات الجماعات الثورية اليسارية، فظهرت لمنعها؛ لأنها باتت مهددة للوضع السياسي القائم. وتلقت هذه الحركة اليمينية الدعم من قطاعات المجتمع التي خافت على مكتسباتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، أو لأن أوضاعهم الاجتماعية قد باتت مهددة بسبب الإصلاحات الحكومية، أو التحريض الشيوعي عليهم، أو تدافع الهجرات.

ويرى الكاتب أن الحركات المتطرفة تميزت بعدد من السمات، سواء من اليمين أو من اليسار؛ إذ تعتمد هذه الحركات على نسق فكري ثنائي، تتحرك في إطاره تصورات حول رؤية المتطرف لذاته، وحول الخصم المستهدف، وحول الضحايا.

أنماط الجهاديين الأوروبيين

يميز الكاتب بين نوعين أساسيين من الجهاديين: الأول من أصل عربي، أي أبناء الجاليات من الجيلين الثاني والثالث، تربى داخل أسرة عربية، وورث عنهم الدين والعادات والتقاليد. والثاني هم المتحولون من المسيحية إلى الإسلام من أبناء الجيلين الثاني والثالث أيضًا. والملحوظ أن النمط الثاني هو نتاج طبيعي لجهود النمط الأول.

لقد تعددت آليات التطرف، فأولها الشعور بالهامشية والاستبعاد، إذ تبين السير الذاتية لبعض المتطرفين ما تعرضوا له من ظروف جعلتهم يشعرون بالرغبة في الانتقام والبحث عن بديل لتحقيق الذات، ذلك أن التمييز والإساءة يتسببان في الغضب الذي يتحول إلى كراهية ورغبة في الرد والانتقام. ومن هذه الحالات الأرامل السود اللواتي قمن بعمليات إرهابية في روسيا، انتقامًا لاعتداء الأمن الروسي على أزواجهن، وحال “ريتشارد ريد” الفتى الأسود الذي لم يستطع العثور على جماعة مرجعية يجد ذاته فيها، ووجدها في انضمامه إلى الجماعات الإرهابية في أفغانستان. وكذلك حال “ديفيد سينكلير” الموظف في شركة حاسب آلي، الذي تحوَّل للإسلام وتعرَّض للطرد من عمله بسبب إسلامه، فسافر إلى البوسنة للحرب ضد الصرب وكرواتيا.

وقد يكون الدافع من زاوية ثانية، هو تلك الرغبة في الدفاع عن المسلمين الذين يتعرضون لاضطهاد؛ إذ يستغل المروجون للجهاد صورة المسلمين المعذبين في الشيشان وفلسطين والبلقان. ومن أمثلة هؤلاء: “ليونيل دامونت”، و”ديفيد فالات”، و”إريك بريننجر”، الذين شاركوا في الشيشان، ردًا على ما تعرضت له المسلمات من تعذيب واغتصاب وسجن. وهناك آلية ثالثة، وهي الوقوع في المنحدر الزلق، الذي يتحول فيه الأوروبي إلى مسلم على أيدي أفراد من الجهاديين، ثم يتدرج دوره من القيام بأعمال هامشية حتى الوصول إلى الأوضاع القيادية، مثل حالتي “ديفيد كورتيللر”، و”إيراهيم جانكراسكي”. أمَّا الآلية الرابعة، فهي قوة المحبة، إذ يتم اختيار الأعضاء من الأقارب هربًا من المراقبة الأمنية.

سياسات الإدماج الأوروبية

يُلاحظ على سياسة “التذويب” الكلي للهوية التي تتبعها الدول الأوروبية، أنها تتطلب التوجه نحو توحيد القومية للقطر الواحد، بحيث تذوب كل الهويات في هوية واحدة، وتستبعد أي محاولة للتعبير عن التعدد الثقافي. هذا النموذج ينتج في نهاية الأمر مفهومًا مختلفًا للعلمانية كأسلوب حياة. وفي هذه الحالة تصبح العلمانية هي الفصل المطلق بين الدين والسياسة، ولا يكون لرأس المال الديني وصنَّاعه، أي دور في الحياة السياسية وبنائها. وهو النموذج المعتمد في بلدان أوروبية كفرنسا، وانعكس دوره في بعض الدول العربية كتونس.. فهذا النموذج لا يسمح بوجود أحزاب دينية أو على أساس ومرجعية دينية.

وفي مقابل هذا النموذج يأتي مفهوم التعددية الثقافية، وفيه يمكن للأقليات التعبير عن خصوصياتها الثقافية بحرية، بحيث تستطيع أن تمارس شعائرها وتعلن هويتها. ويستند هذا النموذج إلى تصور الديمقراطية بوصفها وسيلة لإنتاج التعددية وتأكيدها، وإبراز حق الاختلاف. وبناء على ذلك، تتبنى الدولة تصورًا للعلمانية، يسمح للتعبير الديني بأن يجد مكانًا له في السياق العام، كما هو الحال في إنجلترا والولايات المتحدة الأميركية. ففي إنجلترا تسهر الحكومة على توفير الآليات التي تضمن نوعًا من العلاقات السلسة بين مختلف الأقليات الدينية والعرقية والثقافية، مثل تشجيع إنشاء المدارس التي تسمح بالحفاظ على الثقافة الأصلية لهذه الأقليات، وتفوِّض من أجل ذلك الجمعيات والهيئات الدينية التابعة للأقليات، والسهر على وضع برامج التعليم ومراقبته بها، وتقدم الدعم المالي اللازم. ورغم هذه التسهيلات التي تقدمها الحكومات البريطانية لا يزال عدد المدارس التي تقوم بتدريس الثقافة العربية والإسلامية محدودًا.

طرق الجذب والتجنيد

يتبع “داعش” سُبُلاً عديدة لجذب المقاتلين الجدد، فهو يستخدم حزمة كاملة من وسائل الاتصال الاجتماعي، مثل: “تويتر”، و”فيسبوك”، و”تامبلر” و”يوتيوب”، و”سكاي بي”، و”جوجل بلاس”، ليوجه دعايته لمجتمع الإنترنت العالمي، ويصدر مجلة إلكترونية (مجلة دابق) بلغات عديدة، ولديه قنوات تلفزيونية، وصفحات عديدة على الشبكة، بل ويبث مقاطع فيديو عالية الدقة، وصفها أحد المراسلين بأنها سلسلة أفلام تشابه في جودتها جودة أفلام هوليود، وأطلق عليها التنظيم “صليل الصوارم”، التي يرصد فيها كل المعارك والانتصارات والإعدامات التي يقوم بها، وتظهر فيها الأسلحة والمعدات والتقنيات والكاميرات والسيارات الحديثة.

ويستخدم التنظيم الصورة بأعلى تقنية ممكنة وبجودة عالية، إذ تعتمد المجلة التي تصدر عن التنظيم أسلوبًا جذابًا من حيث المستوى البصري، وبرزت القدرة التحريرية في اختيار عدد الصفحات وحجم القطع. وكذلك استخدام الآليات الرقمية الحديثة الذي يساعد على جذب الأفراد الذين لديهم استعداد للتطرف، والبقاء على مقربة من المقاتلين، ليصبحوا على دراية فتنشأ جراء ذلك خبرة مشتركة؛ ولذلك يكون هناك حرص للتوثيق اليومي للسيرة الذاتية.

ويشير الكاتب إلى أن استخدام الجهاديين “الميديا” كان موضع اهتمام، إذ قبل هجمات الحادي عشر من سبتمبر، سخَّر تنظيم القاعدة والجماعات المرتبطة به وسائل الإعلام الجديدة لنشر رسائلهم تحت الرقابة المشددة، وشمل ذلك إنتاج أشرطة فيديو للدعاية بجودة عالية، من خلال شركات إعلامية، مثل: السحاب، وأهل الملاحم. في حين كانت المنتديات التي يعتمد عليها في نشر هذه الأشرطة مقيدة بكلمة سر، مثل: “منتدى أنصار المجاهدين”، و”الإخلاص”، و”الفالوجة”، و”الشموخ”. لكن مع ظهور “تويتر” خلال السنوات الأخيرة تغير الحال، فظهر معه ما يسمى بـ”حسابات الناشرين” الذين ينقلون المعلومات من ساحة المعارك مباشرة.

وقد خلصت الدراسة إلى التأكيد على أن انتهاج سياسة عادلة مع الحالات المعرضة لخطر الإرهاب، هو الطريق الأفضل لحماية المجتمع من مخاطره، فهذه الحالات التي لم تعد فقط واقعة في الفترة العمرية الشابة، بل غدت من المراهقين أيضًا. فإجراء حوارات بناءة معهم تتناول مشكلاتهم في أماكن معيشتهم وأماكن عملهم وجامعاتهم ومدارسهم، قد يساعد في اختيار السياسات الملائمة للمواجهة، بما في ذلك إدخالهم في برامج تدريبية تعرِّفهم بمخاطر الإرهاب في الوقت الراهن والمستقبل، وتعيد تركيب طريقتهم في معالجتهم القضايا، وإيضاح تعقد الظواهر البشرية، وتعدد المنظورات المحتملة لها.

 

معلومات الكتاب

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر