كيف فشل الإخوان في السودان؟

التاريخ والوقت : السبت, 13 أبريل 2019

طه علي أحمد

 

تُلقي الأحداث الأخيرة التي يشهدها السودان الضوء على تجربة مشروع “الإسلام السياسي” الذي قادته جماعة الإخوان محليًا وإقليميًا.

فقد كان وصول نظام “الإنقاذ” بقيادة عمر حسن البشير إلى السلطة في الخرطوم عام 1989، إحدى محطات هذا المشروع؛ فبعد الانقلاب العسكري الذي قاده حسن الترابي، زعيم الجبهة الإسلامية، وكان أحد كوادرها عمر حسن البشير، الذي قاد البلاد حتى انقلب على الترابي مُشَكِّلاً حزبَ المؤتمر الوطني عام 1994، ويشكل الترابي حزب المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي فيما بعد، وقد رفع البشير نفس الشعارات “الإسلامية”، لكن تلك الشعارات ما كانت إلا سبيلاً لترسيخ حكم البشير، وتأكيد مزاعمه بانضوائه تحت مظلة “مشروع الإسلام السياسي” العالمي الذي يقوده التنظيم الدولي للإخوان، والذي مثَّل وصول حزب العدالة والتنمية في تركيا إحدى الفُرص الذهبية التي عزَّزت وجوده الإقليمي، فكان السند للبشير حتى لحظاته الأخيرة، لتجاوز العزلة الدولية التي واجهها جرَّاء دعم لحركة الإرهاب العالمي، وهي العزلة التي صاحبتها عقوبات اقتصادية أميركية أنهكت الاقتصاد السوادني بما يفوق 50 مليار دولار. ورغم العقوبات الأميركية على السودان، لكن الملاحظ أن من حاول تعليقها من الرؤساء الأميركيين كان “باراك أوباما” الذي لطالما انتهج سياسات داعمة للإخوان خلال سنوات وجوده في السلطة، لكن مع وصول “ترمب” للبيت الأبيض أرجأ تنفيذ قرارات “أوباما” لتقييم سلوك الخرطوم، المدرجة على قائمة الدول الداعمة للإرهاب منذ 1993.

أمام ذلك، وجد البشير ضالته مع طموحات أردوغان الإقليمية، وبخاصة بعد انكسار شوكةِ الإخوان في مصر في 30 يونيو 2011، وكان التنسيق بين أنقرة والخرطوم بلغ ذروته حينما أهدى البشير نظيره التركي جزيرة “سواكن” القريبة من الحدود المصرية في 2018 خلال زيارةٍ لأردوغان استمرت 3 أيام للخرطوم، في ديسمبر 2017 وأخيرًا كانت مشاركة البشير في افتتاح مطار إسطنبول في 29 أكتوبر 2018.

وكان البشير جعل بلاده ملجأً لفلول الإخوان الفارين من مصر بعد انتكاستهم في عام 2013، وهو ما انعكس بشكل واضح على علاقة البشير بجارته الكبرى مصر.

رغم الانتكاسة الأخيرة، إلا أن واقع إخوان السودان يؤكد على أنهم غارقون في بحيرة عميقة من المشكلات خلال السنوات الأخيرة؛ ففي عام 2016 قرر المراقب العام لإخوان السودان حلَّ مجلس الشورى العام، بسبب الخلافات التي نشبت بين عدد من أعصائه الذين طالبوا بتحويل الجماعة لحزب سياسي. إلا أن قرارات المراقب العام لم تُرضِ قيادات التنظيم الدولي للإخوان، وهو ما عبَّر عنه إبراهيم منير، القيادي بالتنظيم الدولي للإخوان، الذي أعلن أن هذه الأحداث ليس لها شأنٌ بإخوان مصر ودعاهم للاحتكام لأطراف محايدة سودانية لحل خلافاتهم، إذ لم يعد للتنظيم الدولي طاقة باحتمال مثل تلك الخلافات في الوقت الذي بات غالبية أعضائه مشتتين بين السجون أو في المنافي، فوصلت العلاقات بينهم إلى مرحلة اللاعودة وفشل كافة مساعي الصُلح فيما بينهم.

بالتوازي مع ذلك، كان منحنى شرعية حزب المؤتمر الوطني متراجعًا على خلفية الأزمة الاقتصادية المتفاقمة؛ حيث بلغ عجز الموازنة ما يزيد عن 5 مليارات دولار، وتنامى أزمة الخبز، والوقود بعد إعلان الدولة رفع الدعم نهائيًا عن القمح وزيادة أسعار الدقيق بأكثر من 200%، كما واصلت العملة السودانية انهيارها أمام الدولار الذي ارتفعت قيمته أمام الجنيه السوداني أكثر من 300%، وتوازى ذلك مع وصول نسبة البطالة لأكثر من 25% وغيرها المشكلات الاقتصادية التي مثَّلت دافعًا مباشرًا لخروج السودانيين خلال الفترة الأخيرة والإصرار على تغيير النظام الذي وصل بالبلاد إلى حافة الهاوية، ومن قبل ذلك انفصال الجنوب في 9 يناير 2011.

يعدُّ سقوط نظام البشير أحد المؤشرات، بل والنتائج المنطقية لانحسار حضور الإسلام السياسي، وتراجع مشروعه إقليميًا وعالميًا بعد هزيمته في مصر 2013 وإخفاقه في تونس وبقية دول ما يُعرف بـ”الربيع العربي”، وأخيرًا انتكاسته في تركيا والتي عبَّرت عنها انتخابات المحليات التي أجريت في 31 مارس الماضي، بل والضربات العسكرية التي يتلقاها “المتطرفون” في ليبيا.

مثَّلت راية “السودان الإسلامي” التي رفعها البشير طوال سنوات حكمه، فزاعة لكافة الفئات السودانية، انعكست بدورها سلبًا على تعميق أزمة الاندماج الوطني عبرت عنها تجربة انفصال الجنوب، ليخسر السودان 28% من مساحته، بالإضافة إلى دعاوى الانفصال التي يرفعها أبناء إقليم دارفور، بالإضافة إلى سيل الأزمات التي أحكمت الخناق على النظام الحاكم لتأتي احتجاجات السودانيين الأخيرة لتطلق عليهم رصاصة الرحمة، ما يقدِّم للسودان فرصة ذهبية جديدة لإعادة النظر بشأن أمنه واستقرار ومستقبل أبنائه.

 

باحث ومحلل سياسي*

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر