كندا بين مطرقة المصالح الاقتصادية وسندان الرفض العربي والإسلامي.. قراءة في أبعاد الأزمة السعودية – الكندية

التاريخ والوقت : الإثنين, 6 أغسطس 2018

كندا بين مطرقة المصالح الاقتصادية وسندان الرفض العربي والإسلامي.. قراءة في أبعاد الأزمة السعودية – الكنديةوصلت العلاقات السعودية الكندية إلى مرحلةٍ متأزمةٍ مع إعلان المملكة طرد السفير الكندي وإمهاله 24 ساعة لمغادرة الرياض، وذلك في مقابل تصريحات لوزيرة الخارجية الكندية “كريستيا فريلاند” عبر صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي “تويتر”، حيث حمل التصريح تدخلاً واضحًا في الشؤون الداخلية للمملكة.

وفي مواجهة تصريحات الوزيرة الكندية، انتفضت المملكة للدفاع عن استقلالية سيادتها داخليًا وخارجيًا، وهو ما وضحته شدة اللهجة التي حملها البيان الصادر عن الخارجية السعودية، حيث جاء فيه: “لتعلم كندا وغيرها من الدول أن المملكة أحرص على أبنائها من غيرها، وعليه فإن المملكة تعلن استدعاء سفير خادم الحرمين الشريفين في كندا للتشاور وتعتبر السفير الكندي في المملكة العربية السعودية شخصًا غير مرغوب فيه وعليه مغادرة المملكة خلال الـ(24) ساعة القادمة، كما تعلن تجميد كافة التعاملات التجارية والاستثمارية الجديدة بين المملكة وكندا مع احتفاظها بحقها في اتخاذ إجراءات أخرى”.

ردود الأفعال والتضامن مع المملكة

لم تقتصر ردود الأفعال تجاه الأزمة الراهنة بين الرياض ومونتريال على البيانات الرسمية الصادرة من كلا الجانبين؛ فقد تضامن مع الرياض عدد من الأطراف الإقليمية والدولية، فقد عبّرت البحرين عن تضامنها مع المملكة من خلال بيان رسمي قالت فيه “نتضامن مع السعودية في مواجهة أيّ تدخل خارجي في شؤونها الداخلية وكل مَن يحاول المساس بسيادتها”، كما أكدت البحرين “تأييدها المطلق فيما تتخذه السعودية من إجراءات ردًا على ما صدر عن وزيرة الخارجية الكندية والسفارة الكندية في الرياض، بشأن ما سمته نشطاء المجتمع المدني”.

كما أدان وزير الدولة للشؤون الخارجية بالإمارات، الموقف الكندي قائلاً: “لا يمكن لنا إلا أن نقف مع السعودية في دفاعها عن سيادتها وقوانينها واتخاذها للإجراءات اللازمة في هذا الصدد، ولا يمكن أن نقبل بأن تكون قوانيننا وسيادتنا محل ضغط أو مساومة”.

وأعلن الرئيس الفلسطيني محمود عباس أبو مازن، عن تضامنه مع المملكة، حيث عبّر في تصريحات نشرتها وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا)، عن رفضه وإدانته للتدخل في الشؤون الداخلية للسعودية من أي جهة كانت، معتبرًا ذلك مساسًا بسيادة المملكة على أرضها وشعبها.

أمَّا رابطة العالم الإسلامي، فقد أدانت التدخل الكندي في الشؤون الداخلية للمملكة، حيث جاء بالبيان “ندين ما صدر عن الحكومة الكندية من تدخل سافر في الشؤون الداخلية للسعودية، ونؤكد على أحقية المملكة في اتخاذ ما تراه من موقفٍ حازمٍ تجاه هذا السطو الدبلوماسي الشائن وغير المسبوق”.

وأكدت جامعة الدول العربية في بيان رسمي أن الخلاف الدبلوماسي القائم بين المملكة العربية السعودية وكندا يأتي انعكاسًا لوجود نهج غير إيجابي يشهد توسع بعض الدول في توجيه الانتقادات والإملاءات لدول أخرى فيما يخص شؤونها الداخلية، وعبرت الأمانة العامة لجامعة الدول العربية عن مساندتها لموقف المملكة العربية السعودية في رفض التدخل في شؤونها الداخلية، إعمالًا لميثاق الأمم المتحدة.

وأعلن البرلمان العربي تضامنه التام مع المملكة العربية السعودية فيما اتخذته من قرارات وإجراءات، بشأن ما صدر عن وزيرة الخارجية الكندية والسفارة الكندية في المملكة.

وأعرب الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية الدكتور عبداللطيف بن راشد الزياني عن تأييده التام للإجراءات التي اتخذتها المملكة العربية السعودية مؤكداً استنكاره ورفضه الشديد لما تضمنته تلك التصريحات من ادعاءات غير صحيحة وتجافي الواقع، وتمثل خروجا على الأعراف الدبلوماسية الدولية، وتدخلا سافرا وغير مقبول في الشؤون الداخلية للمملكة العربية السعودية، ومخالفة صريحة لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة.

واعتبر رئيس البرلمان العربي الدكتور مشغل السلمي “أن مثل هذه التصريحات والبيانات الاستفزازية غير المدروسة بحق دولة عربية كبرى لها مكانة عظيمة في نفوس العرب والمسلمين، وتحظى باحترام وتقدير المجتمع الدولي، ولها كامل السيادة على شؤونها الداخلية، تعد سقطة دبلوماسية كبيرة، وتتنافى مع مبدأ احترام سيادة الدول، وعدم جواز التدخل في شؤونها الداخلية، وتتناقض مع حق الدول في حماية أمنها الداخلي باتخاذ إجراءاتها القضائية المتبعة وتطبيق العدالة الجنائية ومبدأ استقلال القضاء”.

حرب التغريدات

لم يقتصر نطاق أزمة تدخل كندا في الشأن السعودي على نطاق التغريدات أو المواقف الرسمية، بل اتسع الأمر ليصل إلى هجمة جماهيرية من خلال التغريدات على موقع “تويتر”؛ فقد انتفض شباب سعوديون ضد ما اعتبروه تدخلاً كنديًا في شؤونهم الداخلية، ورأوا أنه لا يحق لكندا أو غيرها التحدث مع المملكة بهذه اللهجة، وخاصة إذا كانت هذه الدولة منتهكة لحقوق الإنسان، مؤكدين عبر هاشتاق جديد أن “#السعودية_خط_أحمر”.

كما ندد مغردون بالموقف الكندي من خلال وسم “السعودية تطرد السفير الكندي”. وشاع هاشتاق يقول #_إن_السعوديين_يشعرون_بقلق_بالغ_إزاء_كندا” وانتفض مؤيدو الموقف السعودي ضد كندا، حيث كان التركيز على المشاكل والآفات الاجتماعية التي تعاني منها كندا، ولا سيَّما سوء المعاملة التي يلقاها الهنود الحمر، وهم سكان كندا الأصليون، وبخاصة النساء منهم، فيما يعد انتقاصًا أصيلاً لحقوق المواطنين كالفقر ووجود المشردين والمعاملة القائمة على العنصرية.

الطلاب السعوديون في كندا

يمثل الطلاب السعوديون المبتعثون للدراسة في كندا، محورًا مهمًا في مسار العلاقات السعودية الكندية، حيث يتجاوز عددهم 15 ألف طالب سعودي من بينهم 800 من الأطباء والاختصاصيين المقيمين الذين يقدمون الرعاية للمواطنين الكنديين، الأمر الذي يسهم في تنشيط الاقتصاد الكندي داخليًا.

حيث أعلن المتحدث الرسمي لوزارة التعليم مبارك العصيمي عبر حسابه على موقع “تويتر” إيقاف برامج التدريب والابتعاث والزمالة إلى كندا، إنفاذاً للتوجيه السامي الكريم المؤكِّد على موقف المملكة حيال ما صدر عن الحكومة الكندية.

 

الاقتصاد الكندي يتأثر

لم يكن الاقتصاد الكندي بمأمن عن تداعيات الأزمة الكندية، وهو ما تجلى في التأثير السريع الذي تعرض له “الدولار الكندي”، حيث هبط بنسبة يقرب من 0.2% أمام الدولار الأميركي، وذلك عقب قرار المملكة بقطع العلاقات الاقتصادية والاستثمارية مع كندا، وفقًا لوكالة “بلومبرغ” الأميركية.

وكما أوردت صحيفة “المواطن”، فإن متوسط التبادل التجاري السنوي بين كندا والمملكة العربية السعودية، يبلغ نحو 13.4 مليار ريال سنويًا، حيث تأتي واردات السيارات في مقدمة السلع التي تستوردها المملكة بقيمة وصلت إلى نحو 1.6 مليار ريال سنويًا، وتليها الآلات بقيمة 610 ملايين ريال. كما تشير البيانات إلى أن كندا تستأثر بنسبة 1% من إجمالي قيمة صادرات المملكة، حيث بلغت صادرات السعودية إليها عام 2016 نحو 4.9 مليار ريال، وقد احتلت المرتبة 28 من بين الدول التي تصدر لها المملكة، وكانت أهم السلع المصدرة إليها: منتجات معدنية، وخامات معادن، ولدائن ومصنوعاتها، وفواكه، وسجاد.

مستقبل الأزمة

لم تخرج المملكة في قيامها بطرد السفير الكندي عن الأعراف الدولية الرامية للحفاظ على حق الدول في الدفاع عن سيادتها وحماية نفسها من التدخل في شؤونها الداخلية. فالمملكة التي تتمتع بنظام قضائي قوي ومستقل، سعت من خلال تلك الخطوة إلى توجيه رسالة للخارج برفضها التشكيك في نزاهة جهازها القضائي في تعامله مع من تسميهم كندا بـ”نشطاء حقوق الإنسان، والمجتمع المدني”، حيث يستند النظام القضائي السعودي على أسس ومبادئ الشريعة الإسلامية التي تتسم بالعدالة في التعامل مع كافة الجنسيات على أراضي المملكة، وفي هذا السياق يتجه مستقبل تلك الأزمة إلى التضامن الإقليمي والعالمي مع حق المملكة في التمسك بثوابتها.

إلى جانب ذلك يأتي دور العامل الاقتصادي ولغة “المصالح” لتفرض على صانع القرار الكندي، ضرورة التعامل مع تلك الأزمة بمنطق عقلاني؛ فبالنظر إلى أهمية المملكة في هيكل الصادرات الكندية، فإن أية ردة فعل عقابية تتخذها المملكة تجاه كندا من شأنها أن تحدث تأثيرًا مضاعفًا على الاقتصاد الكندي الذي يتأثر بشدة من تداعيات الأزمة الاقتصادية التي يمر بها العالم، أخيرًا، فالمملكة هي ثاني أكبر سوق للصادرات الكندية في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما يضاعف قيمة الخسائر التي يتعرض لها الاقتصاد الكندي في حال اتخاذ المملكة أية إجراءات عقابية تجاهها.

أخيرًا، فإن صانع القرار الكندي بات في مأزقٍ، حيث يجد نفسه بين مطرقة المصالح الاقتصادية المعرضة للمخاطر وسندان الرفض العربي والإسلامي الجامح لموقفه تجاه المملكة، الأمر الذي يدفعه إلى ضرورة مراجعة الموقف الكندي واحترام السيادة الداخلية للدول، وهو ما سوف تثبته الأيام القليلة القادمة.

وحدة الرصد والمتابعة* 

المراجع

  • Saudi Arabia to relocate students from Canada, on
    http://cutt.us/aLWzB
  • السعودية ترفض “الادعاءات الكندية” وتستدعي سفيرها، موقع سكاي نيوز عربية.
    http://cutt.us/eICcK
  • الخلاف السعودي الكندي يشعل حرب التغريدات، موقع روسيا اليوم بالعربي.
    http://cutt.us/azFLk
  • تجميد العلاقات الاقتصادية.. كندا ستخسر المليارات والعملة الكندية تتراجع، صحيفة المواطن. http://cutt.us/nN7bF
  • السعودية توقف كافة برامج ابتعاث الطلاب إلى كندا، موقع البلاد.نت الإخباري.
    http://cutt.us/NFJeR
  • موقع قناة الإخبارية.
    http://alekhbariya.net/
  • موقع سكاي نيوز عربية.
    http://cutt.us/FnvW2
  • 4 إجراءات اتخذتها السعودية ضد كندا، موقع سكاي نيوز.
    http://cutt.us/Wd7uL

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر