قطر.. وجهة عالمية للاتجار بالبشر

التاريخ والوقت : الأربعاء, 2 مايو 2018

في ظل الأنظار المتجهة نحو قطر لاستضافة كأس العالم في 2022، تثار العديد من الأحاديث حول كونها دولة متاجرة بالبشر وغير أمينة عليهم. ففي نوفمبر 2017 صنفت وكالة الاستخبارات الأميركية قطر كوجهة يتعرض فيها العمال لممارسات تقع تحت إطار “الاتجار بالبشر” وتعتبرها كل القوانين والمنظمات الدولية شكلًا من أشكال الجريمة.

وما يعزز من ذلك، ما أوضحته الوكالة – أيضًا – حول تعرض العمال المهاجرين لقطر – بصورة قانونية – للعمل القسري، ويواجهون التأخر في دفع الرواتب؛ إذ قامت الحكومة القطرية بالتحقيق في 11 قضية متعلقة بالاتجار بالبشر، لكنها لم تُدن أي جانٍ، مما يثير لدينا التساؤلات حول حيادية ومصداقية تلك التحقيقات، ومدى التزام قطر بقوانين العمل الدولية، ومستوى تطبيقها على أرض الواقع، ومدى إدراك الحكومة القطرية للمفاهيم المتعلقة بحقوق الإنسان، ومدى تطبيقها في الإمارة التي لطالما سمع العالم مناداتها بضرورة احترام تطبيق حقوق الإنسان، وخاصة في الدول العربية .[1]

ولعل تعريف منظمة العفو الدولي للاتجار بالبشر بكونه انتهاكًا لحقوق الإنسان في السلامة الجسدية والعملية، والكرامة والتحرر من العبودية، وتفنيدها لصوره التي تتمثل في ممارسة الرذيلة والاتجار بالأطفال، وتجارة الأعضاء البشرية، واستعمال القوة والاختطاف، واستغلال الضعف والحاجة، يدفعنا لإلقاء نظرة متفحصة لأوضاع العمالة في قطر، وهو ما دفع وكالة الاستخبارات الأميركية لتصنيفها كوجهة للاتجار بالبشر.[2]

 

أجناس مختلفة.. وأوضاع قاسية

فبالنظر للقانون الأخير الذي أصدرته الدوحة، والذي يمنع أصحاب العمل من إجبار العمال على العمل لأكثر من 10 ساعات يوميًا، سنجد أنه غير مطبق على أرض الواقع؛ وبالعكس، فإن العمال يعانون ظروفًا قسرية ويعانون من التأخر في العمل والإجبار على الاستمرار فيه لساعات طويلة، وهو ما نستدل عليه مما قاله موقع أميركي حول كون أوضاع العمالة المنزلية في قطر سيئة للغاية، وإن الأمر لم يتحسن حتى بعد إصدار الدوحة للقانون الجديد.
بيد أن نص القانون على ضرورة حصول العمال على وجبات طعام وثلاثة أسابيع كإجازة سنوية، يثبت أن ذلك لم يكن مطبقًا من قبل، ويؤكد ما ذكر آنفًا، حول عدم احترام قطر لحقوق الإنسان، على الرغم من أنه من المفترض أنها حقوق دنيا لأي عمالة، ولا تحتاج إلى إصدار تشريع، وهو ما نستدل عليه من التحقيق الذي أجرته “صحيفة الجارديان” في عام 2014، والذي أثبت أن أصحاب العمل القطريين يعرضون العمال لظروف أشبه بظروف العبيد، فهم مجبرون على العمل لمدة 100 ساعة أسبوعيًا وجوازات سفرهم محجوبة.[3]
وهذا لن يبدو غريبًا إذا علمنا أن هذا الأمر مستمد من القانون رقم 1 لعام 2017 الذي يُبقي العمال الأجانب بحاجة إلى طلب إذن مسبق من صاحب العمل لمغادرة البلاد، وهو ما يبرز – أيضًا – عدم حرية العامل في ترك العمل، أو مغادرة البلاد إذا ما تعرض لإساءة.[4]

فالأوضاع المأساوية للعمال الأجانب في قطر، ليست وليدة اللحظة، وليست تلك الفترة فقط هي التي تضطهد فيها قطر العمال الأجانب الموجودين على أراضيها، فالتاريخ لا يكذب، والنظر للوقائع التاريخية سمة هامة من سمات تحليل الأحداث المعاصرة والتنبؤ بما سيحدث في المستقبل. فإذا عدنا لعام 2014، فسنجد أن “الجارديان” البريطانية، قد أشارت إلى وفاة العديد من العمال النيباليين هناك، وجاء التقرير “صادما” حين كشف عن وفاة حالة كل يومين، ومقتل 157 عاملًا في الفترة بين شهري يناير ونوفمبر من هذا العام، بينما قتل 168 عاملًا في الفترة من يناير وحتى نوفمبر 2013.[5]
فقطر التي تنادي بتطبيق مبادئ حقوق الإنسان في الدول العربية، تستغل العمال الأجانب على أراضيها، وخاصة الآسيويين منهم، والعاملين بالحرف اليدوية الذين يتقاضون أجورًا بسيطة، إذ تشترط موافقة صاحب العمل على مغادرة العامل للبلاد، وتجعلهم يعملون في ظروف قاسية ودرجة حرارة تصل إلى 50 درجة. وعلى الرغم من تباين الأجناس والأعراق والألوان بين العمال في قطر، فإن انتهاك الحقوق والذل، قاسم مشترك يجمع بينهم، من العمال في مصافي النفط، إل الفنادق، للمنشآت الكروية والملاعب التي يتم تشييدها لاستضافة كأس العالم 2022.[6]

عاملات المنازل

من أكثر الفئات التي تعاني الأمرين، جراء عملها في قطر، هي “عاملات المنازل”، فإذا نظرنا لأوضاعهن، فسنجد أنهن قد تمَّ استبعادهن بصورة صريحة من قانون العمل، ما جعلهن عرضة لإساءة المعاملة والاستغلال الجسدي والجنسي.[7]
إذ تلقين وعودًا كاذبة بالعمل وتحقيق الآمال في قطر والحصول على رواتب عالية، إلا أنهن وقعن ضحية نظام تمييزي يحرمهن من أشكال الحماية الأساسية، فيتم إجبارهن على العمل لساعات طويلة أسبوعيًا دون الحصول على يوم عطلة، إذ إنهن لا يحصلن على أية راحة، إلا عند الخلود للنوم.
وبالنظر للقانون القطري في هذا الشأن، سنجد أنه لا ينص على فرض حد لعدد ساعات العمل بالنسبة لعاملات المنازل، فضلاً عن كونه لا يشترط على صاحب العمل منحهن يوم عطلة، فضلاً عن تعرضهن للصفع والركل من أعلى السلالم وشد الشعر، وهو ما نستنتج منه الغياب التام لوسائل الحماية لهن، وعزلهن عن الخارج بحكم عملهن داخل منازل أصحاب العمل.[8]

فقطر التي تتشدق بكون قانونها يحترم حقوق العمال، لا تضع حدًا أقصى لعدد ساعات العمل لعاملات المنازل اللاتي يواجهن لفظ “هاربات” عندما يردن ترك العمل لدى مخدوميهن.

عمال كأس العالم .. وحلم المونديال الزائف

إن كان العمال الأجانب وعاملات المنازل يتعرضن لإساءات بالغة، فليس هناك من يتعرض لظروف أصعب من عمال مونديال 2022 الذي تحلم الدوحة باستضافته، وهو ما نستدل عليه من التقارير التي أثبتت أن استضافة قطر لمونديال 2022، قد أتت على عاتق عمال ضعفاء يموتون أثناء تشييد الملاعب، إذ اعتبرت بعض التقارير أن وفاة العديد من هؤلاء العمال يهدد استضافة الدوحة للمونديال،[9] واعتبرت صحيفة” نيويورك تايمز” أن العمال في قطر يتعرضون لعبودية متكاملة الأركان؛ وهو ما بات جليًا من خلال إجبار العامل عند وصوله للدوحة على توقيع عقد براتب أقل من الذي وقع عليه قبل ذهابه لقطر.

ويبدو أنه إذا لم يحدث تدخل دولي، فإن العديد من هؤلاء العمال معرضون للوفاة في أي لحظة، وهذا ما توقعه الاتحاد الكونفدرالي للتجارة الدولية، وحذر من وفاة 4 آلاف عامل قبل المونديال، إذ عمل بعضهم على مدار 148 يومًا دون انقطاع، وكان العامل يستمر في العمل لمدة 14 ساعة في اليوم.

وبينما تتشدق الدوحة بكونها قد حققت خطوات كبيرة نحو تحسين أوضاع العمال، إلا أن منظمة العفو الدولية تقول إنه ما زال هناك أكثر من مليوني عامل يعانون الظروف السيئة.[10]
ولعل وصف صحيفة “واشنطن بوست” قرار (الفيفا) بمنح تنظيم المونديال لقطر، بأنه يمكن أن يسجله التاريخ كواحد من أكثر الأعمال الملوثة لكرة القدم، يثبت لنا التاريخ المعروف للإمارة في سجل انتهاك حقوق البشر، فتعرض العمال للخداع والعمل تحت ظروف قاسية، سيكون الطريق الذي تعبر عليه قطر لتنظيم المونديال، فمنذ فوز الدوحة باستضافته، قيل إنه توفي المئات من العمال أثناء تشييد وتجهيز الملاعب المزمع استضافتها للمباريات، فهم يعيشون في عشش صغيرة متطرفة عن المدينة.[11]

وبات جليًا أن حوالي 4 آلاف عامل، أصبحوا تحت خط الموت لتحقيق الحلم الزائف لقطر، فوجود نحو 15 شخصًا داخل غرفة مبيت واحدة سيئة التهوية، يبرز الأوضاع اللاإنسانية، ويثبت أن الحكومة القطرية لم تدرك بعد أننا في زمن قد انتهت فيه العبودية. ولعل تقرير منظمة العفو الدولية الذي يحمل اسم “الجانب القبيح للرياضة الجميلة”، يثبت – بصورة قاطعة – استغلال الدوحة لعمال المونديال، وأنها تجاوزت الخطوط الحمراء باعتقالها لصحفيين أثناء تغطيتهم مغادرة العمال للملاعب، على الرغم من تأكيد جهات عملهم أن وجودهم كان حياديًا وقانونيًا.[12]

ليس هذا فحسب، إذ كشف تقرير صادر عن “صحيفة ديلي ميل البريطانية” عن استغلال مروع للعمال المهاجرين، وإجبارهم على العمل في ظروف غير آدمية، وتقاضي راتب يقدر بـ57 بنسًا، أي أقل من نصف دولار في الساعة. ولعل وصف “الإندبندنت” البريطانية للعمال في قطر بأنهم “عبيد يبنون قبورًا”، يثبت – بشكل واضح وجلي – تلك الظروف الصعبة التي يعيشونها، إذ إنهم يوعدون برواتب تناهز الـ400 دولار، لكنهم يتقاضون فعليًا 200 دولار ويضطرون إلى دفع رسوم تجاوز الألفي دولار، فضلاً عن تكاليف الطيران للدوحة.[13]

وإذا ما نظرنا – بنظرة مقارنة – لعدد الوفيات من العمال في الأحداث الرياضية السابقة، فسنجد أنه توفي 6 عمال فقط في تنظيم أولمبياد بكين 2008، فيما توفي عاملان فقط في أولمبياد لندن 2012، في حين سجلت الدوحة وفاة 1200 عامل في أول 3 أعوام من بناء ملاعب المونديال.[14]
فانتهاك الدوحة لحقوق العمال الأجانب، ليس الجانب الأوحد لعدم احترام قطر لحقوق الإنسان؛ إذ قامت – مؤخرًا – بسحب الجنسية من عدد كبير من المواطنين القطريين، بيد أن المجتمع المدني القطري يعاني من وجود قوانين سيئة، وجهات غير فاعلة لحماية المواطنين؛ وهو ما نستدل عليه من كون القانون القطري يمنح المؤسسات دورًا في الموافقة على التمويل الخاص بمنظمات المجتمع المدني، ما يجعل المؤسسات الأمنية تتحكم – بالضرورة – في طبيعة عمل المنظمات.
وإجمالاً، فإن تأكيد قطر على كونها تحترم حقوق الإنسان وتشدقها بذلك، واستخدامه كذريعة للتدخل في شؤون جيرانها العرب، أُثبت أنه غير صحيح. فبالرغم من تأكيدات قطر لاحترامها حقوق العمال، فإن التقارير تثبت عكس ذلك، وهو ما يثير توقعات أنه بحلول كأس العالم 2022، سيلفظ العمال أنفاسهم الأخيرة في مواقع العمل، وهذا ما أظهر مطالبات بإعادة النظر في منح الدوحة حق استضافة مونديال 2022، مما أدى لوجود نية لدى الاتحاد الدولي لكرة القدم لسحب تنظيم كأس العالم من قطر ومنحه للولايات المتحدة الأميركية أو بريطانيا، وهو ما ينتظر الإعلان عنه في نهاية مونديال 2018 المزمع إقامته في روسيا 2018.

وحدة الدراسات السياسية*

المراجع
1- في ظل غياب الرقابة وفشل الدوحة بإصلاح نظام وقوانين العمل.. “سي آي إيه” تصنف قطر وجهة للاتجار بالبشر، (الإمارات اليوم). https://goo.gl/EmNTEf
2- ماهية الاتجار بالبشر، (أخبار الخليج). https://goo.gl/16wrDW
3- موقع أميركي: قانون العمالة الجديد لم يحسن أوضاع العمال الأجانب في قطر، (قطريليكس). https://goo.gl/nohpVq
4- منظمة العفو الدولية، قطر 2017/2018. https://goo.gl/3vY2oH
5- العربية.نت، الاستخبارات الأميركية تصنف قطر وجهة للاتجار بالبشر. https://goo.gl/iF75Ef
6- اليوم السابع، العمال الأجانب في قطر.. “مهاجرون بلا أنصار” في “إمارة السخرة”. https://goo.gl/KfEhHn
7- هيومان رايتس ووتش، قطر أحداث عام 2016. https://goo.gl/9x88D7
8- منظمة العفو الدولية، عاملات المنازل الأجنبيات في قطر: حالات صادمة من الخداع والعمل الجبري والعنف. https://goo.gl/nVZqHC
9- وكالة وطن للأنباء، وفاة عمال أجانب في بناء الملاعب يهدد استضافة قطر لمونديال 2022. https://goo.gl/j1pWoY
10- العربية.نت، تقرير دولي: مخالفات كبيرة في أوضاع عمال مونديال قطر. https://goo.gl/KPDdT8
11- العين الرياضية، “كأس العمال”.. فيلم عن معاناة عمال مونديال قطر. https://goo.gl/CW1yq1
12- البيان، حلم قطر في مونديال 2022 يهدد حياة آلاف العمال. https://goo.gl/PTPoq9
13- سكاي نيوز، صحيفة بريطانية: عمال مونديال قطر “عبيد يبنون القبور. https://goo.gl/6LKAZU
14- عمّال “كأس العالم” يتجرّعون كـأس الذل في قطر، (البيان). https://goo.gl/ThwJY9

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر