قرار ترمب حول الجولان.. التبعات والمخاطر والحالات المماثلة

التاريخ والوقت : الثلاثاء, 9 أبريل 2019

أثار قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الاعتراف بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان تنديدًا دوليًا ورفضًا عربيًا واسعًا. وانتقدت السعودية والإمارات والبحرينوالكويت، القرار الذي اتخذه ترمب بالاعتراف بضم إسرائيل لهضبة الجولان في عام 1981 وقالت إنها أرض عربية محتلة.

وأعربت المملكة العربية السعودية عن رفضها التام واستنكارها للإعلان الأميركي، وأكدت المملكة على موقفها الثابت والمبدئي من هضبة الجولان وأنها أرض عربية سورية محتلة وفق القرارات الدولية ذات الصلة.

وقالت الدول الأوروبية الأعضاء بمجلس الأمن الدولي، وهي: فرنسا وبريطانيا وألمانيا وبلجيكا وبولندا، إنها لا تعترف بسيادة إسرائيل على الأراضي التي احتلتها منذ يونيو 1967 بما في ذلك مرتفعات الجولان.

كان ترمب قد وقع خلال زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” لواشنطن، أواخر مارس الماضي، مرسومًا يحمل اعترافًا أميركيًا رسميًا بسيادة إسرائيل على الجولان.

رفض عربي وأممي

مجلس الأمن الدولي بحث بدوره قضية هضبة الجولان خلال جلسة طارئة بطلب من دمشق، إذ اقترح السفير الفرنسي “فرنسوا دولاتر”، الذي تترأس بلاده مجلس الأمن في مارس، على الأعضاء الـ14 في المجلس تحويل الجلسة المغلقة التي كانت مقررة مسبقًا لبحث شأن قوّة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في الجولان، إلى جلسة طارئة عامة استجابة للطلب السوري.

وفي ذات السياق، أعلن المتحدث باسم الأمم المتحدة “ستيفان دوجاريك”، أن الوضع القانوني للجولان “لم يتغير” بعد قرار الرئيس الأميركي،وقال خلال مؤتمر صحفي: “بالنسبة للأمين العام أنتونيو جوتيريش، من الواضح أن وضع الجولان لم يتغير. إن سياسة الأمم المتحدة فيما يتعلق بالجولان تأتي من القرارات التي اتخذها مجلس الأمن وهذه السياسة لم تتغير”. وأشار الأمين العام للأمم المتحدة إلى أن قرار ترمب لا قيمة له في الأساس لأن ضم الأراضي بالقوة محظور بموجب القانون الدولي.

وفي سياق متصل، قال محمود عفيفي، المتحدث باسم الجامعة العربية، إن الجامعة خرجت بموقف عربي قوي يتضمن آليات تنفيذية للتعامل مع الإجراء الأميركي، وذلك من خلال اللجوء إلى مجلس الأمن الدولي، والحصول على رأي استشاري من محكمة العدل الدولية، وتكليف الأمين العام بإجراء اتصالات مع الأطراف الدولية للوقوف أمام هذا التحرك الأميركي الإسرائيلي. وأضاف أن هناك خطوات تُتخذ ضد قضية الجولان، مؤكدًا أن الجامعة كان لها أكثر من موقف مدافع عن القضايا العربية خلال الفترات الماضية.

وأعلن الدكتور مشعل بن فهم السلمي، رئيس البرلمان العربي، رفضه القاطع لقرار الرئيس الأميركي، مؤكدًا أن القرار غير القانوني المرفوض والمُدان يُعدُّ باطلاً ولا يترتب عليه أي أثرٍ قانوني، ويؤسس بإملاءٍ وإرادةٍ منفردة لتغيير وضع قانوني قائم للجولان باعتباره أرضًا محتلة، ويُعدُّ خرقًا صارخًا للقانون الدولي وانتهاكًا خطيرًا للاتفاقات الدولية وميثاق الأمم المتحدة، ويُهدد النظام الدولي ويهز أركانه وثوابته، باعتباره تحديًا خطيرًا وغير مسبوق لإرادة كل دول العالم، وتكريسًا للاستيلاء على الأرض بالقوة والاحتلال البغيض، ويزيد من الاحتقان والتوتر وعدم الاستقرار، ويُعرض السلم والأمن في المنطقة والعالم لخطرٍ داهم.

التبعات القانونية

عندما اعتمد المجتمع الدولي ميثاق الأمم المتحدة، كان يحاول تقييد عدد من السلوكيات التي أثبتت زعزعة استقرار النظام الدولي حتى ميثاق الأمم المتحدة وفترة الحرب العالمية الثانية. كان الرقم 1 في تلك القائمة هو ضم الأراضي من خلال استخدام القوة العسكرية أو الغزو العسكري. إنه مبدأ أساسي مضمن في المادة 24 من ميثاق الأمم المتحدة، ينصُّ على أنه لا ينبغي للدول استخدام القوة أو تهديد السلامة الإقليمية والاستقلال السياسي للدول الأخرى. هذا هو المبدأ الذي يستند إليه الكثير من القواعد التي تحكم نظامنا الدولي والتي يمكن القول بأنها تتوتر مع هذا القرار من جانب إدارة ترمب.

وهو المبدأ الذي اعتمد عليه الرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو بوش، كي يوحد العالم لدعم الحرب ضد صدام حسين بعد غزوه واحتلاله للكويت في عام 1990، إذ قال بوش إنه لا يمكنك تغيير الحدود بالقوة.

كان هذا هو السبب وراء حرب الخليج الأولى. وإنه أيضًا السبب وراء اعتراضات الولايات المتحدة على الضم الروسي لشبه جزيرة القرم، والتي كانت نقطة تحول رئيسية في السياسة الخارجية للولايات المتحدة خلال السنوات القليلة الماضية عبر الإدارتين الأخيرتين. إنها تثير تساؤلات حول ما إذا كانت تصرفات إدارة ترمب بشأن مرتفعات الجولان ستضعف من حالة معارضة تلك الأعمال الأخرى.

ومن هذا المنطلق، يفتقر قرار ترمب إلى القيم الأخلاقية وإلى أدنى اعتبار لحقوق الإنسان، وسيكون له تبعات آنية تدعم اليمين الفاشي في دولة الاحتلال، ثم إنه يكرّس التقسيم الفعلي لسوريا التي تسيطر عليها قوى إقليمية ودولية عديدة.

ويشكل هذا القرار أخطر اعتراف منذ وعد بلفور، وسيشكل خطرًا على السلم والأمن في الشرق الأوسط، باعتباره ينتهك القانون الدولي في عدة أمور، أهمها مخالفة مبدأ (عدم استخدام القوة أو شن عدوان على أراضي الغير واقتحامها وضمها)، إذ يؤسس القرار لاعترافات مماثلة، ويزيد أطماع دول قد ترغب في أراضي الغير، وهذا الأمر انتهى منذ عشرينيات القرن الماضي.

كذلك ينتهك القرار حق الشعب السوري في تقرير مصيره، وهو حق مكفول على أرض الجولان التي تشكل جزءًا لا يتجزأ من سوريا، ويطلق القرار يدَ إسرائيل في الجولان، ويفتح الباب لمواصلة استغلال ظروف الحرب في تثبيت سيطرتها على الجولان، عبر إنشاء مزيد من المستوطنات، إذ قامت سابقًا بتهجير 95 بالمئة من سكان الجولان الأصليين، وهدمت 340 قرية، وأقامت 35 مستوطنة، ولدى حكومة الاحتلال سياسة منهجية لتوسيع الاستيطان عبر نيتها استقدام 100 ألف مستوطن، وإسكانهم في الجولان، وإطلاق مشاريع زراعية وسياحية هناك.

سابقة خطيرة

ينظر بعض المراقبين إلى اعتراف ترمب بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان المحتلة على أنها محاولة صارخة للتأثير على الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، إذ حذَّر الخبراء من أنها لا تخدم المصالح الأميركية ويمكن أن تشجع الدول الأخرى على الاستيلاء على الأراضي.

استولت إسرائيل على الجولان من سوريا في حرب الأيام الستة عام 1967 وضمتها إليها عام 1981. لكن هذه الخطوة لم يتم الاعتراف بها دوليًا، وأيد قرار مجلس الأمن رقم 242 “عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالحرب”.

وتأتي هذه الخطوة في الوقت الذي يواجه فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” – الذي تحدث إلى جانب ترمب خلال مؤتمر صحفي أعلن فيه هذه الخطوة – معركة إعادة انتخاب قريبة في 9 أبريل بينما تحوم تحقيقات فساد متعددة حوله.

ليست هذه هي المرة الأولى التي ينفصل فيها ترمب عن المعايير الدولية لدعم المواقف الإسرائيلية. في عام 2017، اعترف الرئيس بالقدس المتنازع عليها كعاصمة لإسرائيل، وسحب في العام الماضي الولايات المتحدة من الصفقة النووية الإيرانية.

لكن تكمن مخاطرة قرار ترمب الأخير في أن يتحول من سابقة خطيرة إلى سياسة متبعة فيما بعد، وهو ما سيكون له أكبر الأثر على السلم العالمي، وربَّما يمهد لاحقًا لحرب عالمية بين أطراف عدة، لا سيَّما مع تنامي مناطق النزاع والنفوذ العالمي بين أقطاب عدة، أقواها بالطبع الولايات المتحدة، لكن لا يمكن تناسي قوة أطراف أخرى بحجم روسيا والصين.

كيف سيكون العالم في حال انتشار هذه السابقة؟

في حين أن الاعتراف بالجولان قد يسجل نقاطًا سياسية لصالح “نتنياهو” ويحشد القاعدة المسيحية الإنجيلية لترمب، إلا أن هناك القليل من المزايا الاستراتيجية أو العسكرية الواضحة. ويقول الخبراء إن المخاطر كثيرة وعالمية.

“حسين إيبش”، أحد كبار الباحثين المقيمين في معهد دول الخليج العربي في واشنطن، قال إن المبدأ الأساسي للنظام الدولي لما بعد الحرب العالمية الثانية هو عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالحرب. وأضاف: “هذا انتهى. وستكون الطبيعة الملزمة لقرارات مجلس الأمن الدولي بما في ذلك القرارات التي صاغتها وصوتت عليها الولايات المتحدة من الماضي”.

الخطر الأكبر من قرار ترمب خطر عالمي وطويل الأجل. إذ من خلال الاعتراف بضم إسرائيل للجولان وإضفاء الشرعية عليه، فإن الولايات المتحدة تدعو فعليًا حيوانات مفترسة دولية أخرى إلى الاستيلاء على ما يريدون.

ثم، بهذا المنطق، كل ما يحتاجون إلى فعله هو التمسك بتلك الأرض لفترة طويلة حتى يمكنهم تسميتها بأنها “حقيقة” وأمر واقع، ومطالبة الدول الأخرى “بالاعتراف بالواقع” من خلال إضفاء الشرعية على الاستيلاء على الأراضي.

حالات مماثلة قد تتذرع بالقرار

تكمن خطورة قرار ترمب في أنه يفتح الطريق أمام حالات مماثلة وقرارات مشابهة، ما يعني نسف وجودية المجتمع والقانون الدوليين، وأن يصبح وجود الأمم المتحدة ومجلس الأمن وعدم وجودهما سواء.

على سبيل المثال، ستلاحظ روسيا التناقض بعد خمس سنوات من الإدانة الغربية بعد ضم شبه جزيرة القرم من أوكرانيا في عام 2014. إن المصادقة الفعالة على مصادرة الأراضي السورية بالقوة ستجعل بالتأكيد من الصعب على الولايات المتحدة الاستمرار في معارضة ضم روسيا لشبه جزيرة القرم في عام 2014.

أو قد تستخدم الصين السابقة لتعزيز قبضتها على بحر الصين الجنوبي.

اعتراف الولايات المتحدة بالجولان يمكن أن يمهد الطريق لليمين الإسرائيلي للضغط من أجل ضم كل الضفة الغربية أو أجزاء منها، وهي خطوة من شأنها أن تقضي فعليًا على فرص إقامة دولة فلسطينية.

ليس الأمر على قمة جدول الأعمال اليميني فحسب، فقد ربط السياسيون الإسرائيليون من اليمين صراحة قضية الجولان بقضية الضفة الغربية. والآن سيؤكد أنصارها أن ترمب قد خفف الطريق وأن الولايات المتحدة ستغض الطرف إذا قفزت إسرائيل فعلاً تلك القفزة.

نتائج متوقعة

1- من المتوقع أن يكون قرار ترمب مجرد محاولة لإنقاذ رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” من الخسارة في المعركة الانتخابية الشرسة التي تنتظره، أي يكون القرار مجرد دعاية انتخابية يتراجع عنها ترمب لاحقًا، في ظل الرفض العربي والدولي للقرار.

2- الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان سيفاقم الهوة بين الولايات المتحدة ودول العالم، وسيسكب مزيدًا من الزيت على علاقة الولايات المتحدة بالعالم العربي، خاصة أن القرار هو الثالث من نوعه ضمن سلسلة قرارات أميركية انحازت لإسرائيل، بعد قرار نقل السفارة ووقف تمويل وكالة الأونروا.

3- ستجد الدول العربية نفسها أمام حل واحد، ألا وهو التصعيد عبر مؤسسات المجتمع الدولي، وهو ما أعلنت عنه الجامعة العربية، باللجوء لمجلس الأمن الدولي، والحصول على رأي استشاري من محكمة العدل الدولية، وتكليف الأمين العام بإجراء اتصالات مع الأطراف الدولية.

4- ينسف قرار ترمب مواثيق الأمم المتحدة، خاصة المادة 24 من ميثاق الأمم المتحدة، التي تنص على أنه لا ينبغي للدول استخدام القوة أو تهديد السلامة الإقليمية والاستقلال السياسي للدول الأخرى. هذا هو المبدأ الذي يستند إليه الكثير من القواعد التي تحكم النظام الدولي والتي يمكن القول بأنها تتوتر مع هذا القرار من جانب إدارة ترمب.

5- من أهم مخاطر قرار ترمب أنه قد يؤسس لاعترافات مماثلة، ويزيد أطماع دول قد ترغب في أراضي الغير، وهذا الأمر انتهى منذ عشرينيات القرن الماضي. وتكمن مخاطرة قرار ترمب في أن يتحول من سابقة خطيرة إلى سياسة متبعة فيما بعد، وهو ما سيكون له أكبر الأثر على السلم العالمي.

6- أيضًا، يجب الانتباه إلى أن القرار ربَّما يمهد لاحقًا لحرب عالمية بين أطراف عدة، مع تنامي مناطق النزاع والنفوذ العالمي بين أقطاب عدة، مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين.. التاريخ يشهد أن الأحداث العظمى (كالحربين العالميتين) بدأت من مستصغر الشرر.

7- الخطر الأكبر من قرار ترمب عالمي وطويل الأجل. والولايات المتحدة تدعو فعليًا حيوانات مفترسة دولية أخرى إلى الاستيلاء على ما يريدون. مثلاً، ستلاحظ روسيا التناقض بعد خمس سنوات من الإدانة الغربية بعد ضم شبه جزيرة القرم من أوكرانيا في عام 2014. وقد تستخدم الصين السابقة لتعزيز قبضتها على بحر الصين الجنوبي.

8- ليست هذه هي المرة الأولى التي ينفصل فيها ترمب عن المعايير الدولية لدعم المواقف الإسرائيلية، خاصة أن قرار ترمب يمهد الطريق لليمين الإسرائيلي للضغط من أجل ضم كل الضفة الغربية أو أجزاء منها.

 

وحدة الدراسات السياسية*

المراجع

1- دول عربية خليجية وأوروبية وإيران ترفض اعتراف واشنطن بسيادة إسرائيل على الجولان – رويترز. http://bit.ly/2K27ymg

2- Trump’s Golan Heights decision is at odds with UN law – PRI.  http://bit.ly/2HVfnbC

3- Trump’s Golan Recognition Puts Scrutiny on Forgotten Occupation – Bloomberg.  https://bloom.bg/2K1dKLk.

4- Trump’s Golan recognition: A dangerous precedent? – DW. http://bit.ly/2CTh19i

5- The Golan Heights: What’s at Stake With Trump’s Recognition – CFR. https://on.cfr.org/2UwyDSm.

6- Trump’s Pointless Provocation on the Golan – The NewYork Times. https://nyti.ms/2YKxAxD

7- الجامعة العربية: لدينا آليات تنفيذ للتعامل مع قرار أميركا تجاه الجولان – الوطن. http://bit.ly/2YJy2fv

8- من أرض الجولان: قرار ترمب غير قانوني والأسد هو السبب – موقع جيرون. http://bit.ly/2OGopJT

9- البرلمان العربي: قرار ترمب بشأن “الجولان” يُهدد النظام الدولي – موقع مبتدأ. http://bit.ly/2UoRDlX

10- لم تخرج بقرار.. ماذا بعد جلسة مجلس الأمن الطارئة بخصوص الجولان؟ الوطن.  http://bit.ly/2OGQvVo

11- وعد بلفور جديد يهدد استقرار الشرق الأوسط.. ترمب يواصل انتهاك القانون الدولي ويعترف بسيادة إسرائيل على الجولان – صدى البلد. http://bit.ly/2FFaLm4

12- الأمم المتحدة: الوضع القانوني للجولان لم يتغير بعد قرار “ترمب” – الوطن. http://bit.ly/2K1KbJz

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر