عواقب التراجع في النمو الاقتصادي العالمي

التاريخ والوقت : الخميس, 10 يناير 2019

ديفيد دابيس

 

تتعامل الحكومات مع الديون والنمو المتباطئ، وينطوي ذلك على العديد من المخاطر العالمية المعروفة وغير المعروفة، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى مضاعفات عديدة. ويرى “مايك جاغر” أن المرء عليه أن يتمتع بالمهارة في التنبؤ بالمتغيرات الاقتصادية أولاً. فقد أنهى الاقتصاد الأميركي هذا العام بتراجع في انخفاض معدلات البطالة والتضخم، ووصول معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 3%، فضلاً عن ارتفاع ملحوظ ومتقلب في سوق الأسهم خلال الفترة التي أعقبت عام 2016، وحتى الوقت الراهن. وعلى الرغم من تنامي أرباح الشركات، فإن المستثمرين ينتابهم القلق بشأن المتغيرات التي يصعب التنبؤ بها، كما يشير “جاغر”.

باختصار، هناك العديد من المخاطر المتوقعة وغير المعروفة، في حين يرى معظم الاقتصاديين أن النمو في الولايات المتحدة اقتربمن 3% خلال عام 2018، فإن قلة منهم سيستبعد الركود الاقتصادي قدر الإمكان، إن لم يكن ممكنًا حدوث ذلك بحلول عام 2020. وفي الواقع، يتوقع أربعة من خمسة من كبار المسؤولين الماليين من الشركات الكبرى، حدوث ركود بحلول عام 2020. وبالمثل، توَّقع صندوق النقد الدولي أن ينمو الاقتصاد العالمي بنسبة 3.7% عام 2018 والعام الحالي أيضًا.لكن التوقعات لا تزال ضعيفة، إذ يعتمد الأمر على عدم وجود صدمات كبيرة.

ويبدو أنه من المرجح أن تمتد الحرب التجارية ويتوسع نطاقها. فإذا تنامى نطاقها فعلاً، فسوف يؤدي ذلك إلى تباطؤ في النمو في كل من الولايات المتحدة والصين، وكذلك البلدان التي تنخرط في دور مهم في المبادلات التجارية. ويرجع هذا إلى أن الرسوم الجمركية تتشابه إلى حد بعيد مع زيادة أسعار النفط في بلد يستورد ذلك المورد الحيوي، مما يخلق ضغوطًا في الأسعار في الوقت الذي يتراجع فيه النشاط الاقتصادي. فالنفط لا يستجيب إلى حد بعيد للأسعار في المدى القصير، إذ يستغرق الأمر وقتًا أطول بكثير من القيام بعملية خفض درجة الحرارة أو دفع مقدار أقل.

فأي تغيير بجميع المنتجات المرتبطة بالنفط أو استخداماته، يترتب عليه زيادة في التكاليف والأعباء المعيشية على الأفراد.. فالناس لديهم قدرة أقل على الإنفاق بعد أن يدفعوا ثمن النفط حينما ترتفع تكلفته. في حين أن الواردات من الصين قد تكون أكثر استجابة من حيث السعر، إلا أن الإنتاج في مكان آخر يستغرق وقتًا أطول. فالاضطراب يؤثر على المزارعين الأميركيين والمصدِّرين الآخرين على النشاط الاقتصادي، في حين تزيد تكلفة الواردات. فالنشاط الاقتصادي يتباطأ حتى مع ارتفاع الأسعار؛ ومن ثَمَّ ينبغي على بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، الذي يعاني من مأزق، أن يقرر هل سيُخَفِّض أسعار الفائدة ، أو يسمح بزيادة التضخم ، أو يرفعه بما يزيد البطالة.

فالحرب التجارية وحدها لن تكون مصدرًا لقلق كبير؛ إذ تبلغ نسبة التجارة بين الولايات المتحدة والصين 3% إلى 4% من الناتج المحلي الإجمالي. وحتى مع تطبيقات التعريفات، فإن التأثير الناتج لا يمثل سوى بضعة أعشار من النمو المفقود. ومع ذلك، يتباطأ النمو في الصين في الوقت الذي تعاني من الديون المعدومة في نظامها الائتماني؛ ذلك أن الانخفاض الحاد في النمو، وهو احتمال حقيقي على الرغم من قدرة الصين على زيادة نمو الائتمان مرة أخرى، من شأنه أن يضاعف تفاقم مشاكلها الطويلة الأجل، وذلك مع وجود الكثير من العقارات الفارغة ومعدلات بطالة مرتفعة، لذا أصبحت الصين في وضع أضعف مما كانت عليه قبل بضع سنوات.

فالكثير من الأسواق الناشئة تُصَدِّر إلى الصين، ما يعني أن ضعف الطلب على المواد الخام يضر بمعدلات النمو لديها. ويأتي ذلك في الوقت الذي تشهد فيه الأسواق الناشئة ضغوطًا؛ فقد اقترضت العديد من الحكومات أو الشركات المحلية الدولار الأميركي في وقت كانت فيه أسعار الفائدة منخفضة، والآن يتمتع الدولار بوضع أفضل مع ارتفاع أسعار الفائدة، وهو ما ينعكس على القدرة على السداد الذي يشكل عبئًا ثقيلاً. إذ يظهر صندوق النقد الدولي أن الصين ستنمو بمعدل يصل إلى 6% أو أكثر قليلاً خلال الفترة من 2019 إلى 2021 ، ولكن لا يفترض ذلك حدوث أي خلل كبير. ويعتمد تحسين النمو المتوقع في أميركا اللاتينية وإفريقيا على هذا الافتراض.

وبطبيعة الحال، هناك حالة من عدم اليقين العام بالنسبة لأوروبا، ولا سيَّما في ظل عملية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في إطار ما يعرف بـ”بريكسيت” Brexit، واحتجاجات السترات الصفراء في فرنسا، وحالة عدم اليقين السياسي التي تمر بها ألمانيا. فإذا فشل “اليورو” أو واجه اقتصاد رئيسي مثل إيطاليا، ارتفاع أسعار الفائدة التي تخلق مشاكل شبيهة بحالة اليونان، يصبح حينها من غير المؤكد ما إذا كان البنك المركزي الأوروبي سيقوم مرة أخرى “بفعل كل ما يتطلبه الأمر”، وتوسيع عمليات شراء السندات الحكومية؟ وكذلك ما إذا كانت ألمانيا ستستخدم حق النقض أم لا؟ ذلك أن أعضاء الائتلاف الإيطالي، غير المعتادين على ممارسة الحكم، يناضلون من أجل التوصل إلى تسوية حتى مع بعضهم البعض. وبالنظر إلى حجم اقتصاد إيطاليا والديون الملقاة على كاهله التي تحتفظ بها العديد من بنوك اليورو، فإن تراجع الدين العام سيكون له تأثير انكماشي كبير على إقراض البنوك الأوروبية واقتصاد الاتحاد الأوروبي ككل. فالحل الواضح إذًا هو ضخ المزيد من المال، لكن هذا الأمر ربَّما لا يحدث. وعلى النقيض من ذلك، فإن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، سيكون ذا تأثير رهيب بالنسبة للمملكة المتحدة إذا جرى بطريقة غير منظمة، ولكن الأمر لن يكون كارثيًا بالنسبة للاتحاد الأوروبي؛ إذ يظهر صندوق النقد الدولي أن النمو في الاتحاد الأوروبي سينخفض من 2.7% عام 2017 إلى 1.8% بحلول عام 2020، وهو ما ينطوي على قدر من التفاؤل.

بجانب ذلك، يتوقع الاقتصاديون أن يتباطأ الاقتصاد الأميركي بدرجة عالية إذا لم يكن قد بلغ 2.5% أو نحو ذلك في عام 2019، وربَّما يصل إلى أقل من 2% فيما بعد. ويعكس ذلك تباطؤ نمو الإنتاجية وقوة العمل المستقرة مع تراجع المواليدوتوقعهم بعدم حدوث أي خلل كبير بسبب أي إشكاليات تواجه الحكومة أو حتى حدوث أزمة دستورية. ومع ذلك، هناك تداعيات تترتب على التخفيض الضريبي، أي مع تنامي الإنفاق، وهو ما يتوقف على بلوغ حالة التوظيف درجة أعلى. وقد تشهد الحكومة عجزًا بقيمة تريليون دولار في حالة زيادة الإيرادات. ثم إن عوائد سندات الخزينة طويلة الأجل قد انخفضت في الوقت الراهن، مما يشير إلى تباطؤ النمو؛ وقد يؤدي هذا إلى انخفاض أسعار الفائدة على السندات قصيرة الأجل وضعف وضع الدولار، وهو ما يُعدُّ أمرًا مثيرًا للسخرية، إذ يميل إلى زيادة تكاليف الاقتراض، خاصة في حالة العجز الضخم. فارتفاع أسعار الفائدة طويلة الأجل – التي عادة لا يسيطر عليها الاحتياطي الفيدرالي – سيضر بقطاع الإسكان والسيارات وبعض الاستثمارات الأخرى؛ ذلك أن رفع العجز في حد ذاته، يجعل القروض لإصلاح البنية التحتية أكثر تكلفة. وعلى هذا، فإن خفض “الحيز المالي”، الذي يُعدُّ في جوهره ذا مرونة في الاستجابة للأحداث السلبية مع السياسة المالية، إنما ينطوي على حالة من عدم اليقين الحقيقي بما يؤثر على الاستثمار.

وعند التفكير في النمو الاقتصادي ينبغي أن نأخذ في اعتبارنا الأبعاد التجارية، فالاستثمارات الجديدة يجب أن يتم توجيهها بكثافة، وهو ما قد يكون أسهل مع التقنيات الجديدة التي توفر العمل بما يمكن أن يضاعف من تلك الاستثمارات في غضون عام أو أقل. فعلى سبيل المثال: أثرت حالة عدم اليقين بخروج بريطانيا Brexitعلى الاستثمار في المملكة المتحدة. وقد كان أحد أسباب عدم نجاح محاولة دونالد ترمب، في تشجيع الاستثمار في مجال “الفحم”، هو حالة “عدم اليقين” بشأن فرض ضريبة الكربون المحتملة أو أي تنظيم مماثل. فقد فكر في الاستثمار في أوروبا مع سلسلة المشاكل الوجودية التي يعاني منها الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة، نتيجة لعدم قدرتها على تنفيذ سياسة مالية مستدامة أو إصلاح البنية التحتية. لذا، يفضل رجال الأعمال والمستثمرون الميل نحو الحذر أو الخوف من تجربة الإفلاس؛ وهو ما يفسر التحذير من انخفاض في نمو الإنتاجية. ففي الولايات المتحدة، كان نمو إنتاجية العمال أقل من 1% سنويًا منذ عام 2010. ومع النمو المتباطئ في عدد العمال وبطء النمو في الإنتاج لكل عامل ومستويات الاستثمار المتدنية، فإنه ليس من المستغرب أن يتباطأ النمو العام.

إن الاتجاه التصاعدي للعديد من المشكلات التي تواجه الاقتصاد العالمي، مثل: الهجرة وتغير المناخ، يرتبط بالقابلية على التحسن في الأوضاع السياسية، وهو ما يعقّد إمكانية التوقعات بهذه السياسات؛ إذ يجب على النخب السياسية أن تجد طريقة كي تكون أكثر صدقًا مع الناخبين، وأن تقنعهم بأن ما هو ضروري معقول؛ وهو ما يتطلب الإنصات لأصوات الناخبين، وكذلك إلقاء المزيد من الخطب، إذ يمكن معالجة هذه التحديات معًا.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر؛ أوراسيا ريفيو

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر