عرض دراسة: الحركات الاجتماعية وإيران

التاريخ والوقت : الأربعاء, 10 يناير 2018

لعبت الحركات الاجتماعية دورًا مهمًا في إعادة رسم خارطة جديدة للعالم الحديث، تحديدًا في منطقة الشرق الأوسط، خاصة تلك التي تنتمي الغالبية العظمـى من أعضائها إلى فئة الشباب وكان لها دور بارز في مشهد الحراك السياسي خلال السنوات العشر الأخيرة، فقد جاءت الحركات الاجتماعية بنموذج جديد على الحياة السياسية، ولعبت دورًا هامًا في حياة المجتمع؛ لأنها تأخذ على عاتقها الدفاع عن القضايا الحيوية التي يضج بها الناس، ويعلنون عن قلقهم من تفاقمها وازدياد حدود تأثيرها بالصورة التي يصعب الفكاك من براثنها. ولعل هذا الدور يضع الحركات الاجتماعية في موضع مقلق لكيانات ومراكز مستقرة، وللفاعلين الرئيسيين في الحقل السياسي والاجتماعي. وقد يكون مقبولاً أن تكون هذه الحركات مصدر قلق للحكومات التي تتظاهر ضدها، وإن كان هذا لا يعني السعي الدؤوب لإخراجها من المشهد العام وتهديدها وغلق الأبواب أمام وجودها الفاعل والمؤثر والمفيد في واقع الحال لصنَّاع القرار والمفكرين والمعنيين بالشأن العام.

عرضت الباحثة الإيرانية ناهيد حسيني، في دراستها المعنونة بـ(الحركات الاجتماعية وإيران)، دور الحركات الاجتماعية في إحداث تغيير في المشهد السياسي لأي دولة تنشط فيها، لكنها اكتفت خلال دراستها بأن تتحدث بشكل مقتضب عن الحركات الاجتماعية في الدول التي نشطت فيها وأحدثت تغييرًا، خاصة في دول الشرق الأوسط، ومرورًا بالحركات الاجتماعية الراهنة وقياسها على الحالة الإيرانية.

تناولت الباحثة في مستهل دراستها الأسباب والأهداف التي من شأنها أن توجد هذه الحركات الاجتماعية نفسها، وتنجح في فرض أمر واقع جديد يخدم قضاياها أو مشاكلها التي عجزت الحكومات عن حلها؛ لتقوم تلك الحركات التي تعتمد بشكل أساسي على روح الشباب الثورية بإيجاد حراك منظم في محاولة منهم تغيير الواقع وإيجاد الحلول.

واستعرضت الدراسة، تاريخ الحركات الاجتماعية الجديدة، التي تعود إلى نضالات طلبة جامعة باريس عام 1968، التي سرعان ما حظيت بدعم الحركة النسوية والحركة العمالية والمثقفين الفرنسيين. فهذه الحركة كانت ترمي في البداية إلى تغيير في النظام التعليمي في الجامعة وبادرت إليها مجموعة من الطلبة، إلاّ أنها سرعان ما اجتذبت ملايين الناس من شتى المدن الفرنسية، واستطاعت تحقيق مطالبها خلال بضعة أسابيع.

وبيَّنت الباحثة دور انتشار شبكات الإنترنت في العالم، والاستفادة من شبكات التواصل الاجتماعي الأخرى، حيث لم تعد هناك أية حدود لهذا النمط من النضال، سواء في الدول النامية، أو في الدول المتطورة، مستشهدة في دراستها بحركة الخضر عام 2009 كمثال بارز على هذا النوع من الحركات الاجتماعية في إيران، التي شاركت فيها مجاميع كثيرة يجمعها هدف مشترك، وشقت طريقها بشكل عفوي وبدون أي قيادة مستفيدة من شبكات التواصل الاجتماعي؛ أي أنها حركة اندلعت بسبب تجاهل حقوق المواطنة. ولكن، واجه الحكم هذه الحركة بالقمع والرعب كي لا تحقق هذه الحركة أهدافها.

وضّحت الدراسة نظريات المنظرين الاجتماعيين، كآلن تورن، وآلبرتو ملوچي، ومانوئيل كاستلز، المتعلقة بالحركات الاجتماعية الجديدة، وقام كلُّ باحث بالخوض في مضمون ومعنى هذه الظاهرة الاجتماعية ضمن أشكالها المتنوعة والمتغيرة، إلا أنَّ ما كتبه مانوئيل كاستلز هو الأقرب إلى ظروف وخصائص النموذج الإيراني من وجهة نظر الباحثة، حيث ارتكز كاستلز في دراسته على أن البحث والجدل حول الهوية الجمعية، هو الوظيفة الأساسية للحركات الاجتماعية، ويتحدث عن القدرة التي تتمتع بها الاتصالات في القرية العالمية، ففي كتابه المعنون (شبكات الغضب والأمل: الحركات الاجتماعية في عصر الإنترنت)، يعتبر كاستلز أن حركة الخضر، هي حركة اجتماعية جديدة، ولكن ما اجتذبته هي الحوادث التي جرت في تونس ومصر، وبدليل غير معروف يولي أهمية أقل لحركة الخضر.

وعرضت الباحثة في جزء آخر من دراستها، تحليلاً لإخفاقات ونجاحات الحركات الاجتماعية الجديدة، حيث أكدت أنها لا تستطيع أن تجزم بالاستناد إلى الحوادث التي كانت شاهدة على الحركات الاجتماعية في الدول التي كانت شاهدة عليها، بأن هذه الحركات قد أخفقت أو أصابها النجاح، فمثل هذه التصورات هي أمر نسبي يحتاج إلى بيانات وتحليل دقيق، فهناك حركات اجتماعية تضمنت عناصر الحرية والديمقراطية وحقوق المواطنة. ومثل هذه الحركات كانت موجودة، وتبرز الآن من جديد في ظروف خاصة، أي يجب أن لا ننظر إلى هذه الحركات ظرفيًا، بل النظر إليها وتحليلها كعملية، وضربت مثالاً على الأحداث الأخيرة في إيران، وحركة “لا للحجاب”، وحركة “مليون إمضاء”، وحركة “تعليم النساء”، التي نشطت جميعها في إطار الحركة النسوية وشكلت – في مجملها – حركة اجتماعية واعية تطرح مطالب سياسية معينة بأساليب وطرق سلمية، موضحة أنها لو أخفقت في تحقيق شعارها وأهدافها، فلا يجب أن نتصور أنها قد انتهت تمامًا.

وبالجملة تأتي أهمية الدراسة في استعراضها للمراحل المختلفة للحركات الاجتماعية الجديدة، بداية بمرحلتها الأولى من تحديد وتشخيص المشكلة إلى أن تتبلور في الأذهان وتتحول إلى سؤال جدي وتبرز كمشكلة عامة، وصولاً إلى مرحلة الاحتجاج والانتفاضة، وأهم مظهر لها هو التجمعات في الشوارع للمطالبة بإيجاد الحلول من خلال شعارات تطلق في أماكن الاعتصام لتصل في النهاية إلى المواجهة مع المحتجين مع عدم إغفال أهمية شبكات التواصل الاجتماعي التي تعدُّ العمود الفقري للاتصال وتعبئة القوى بين المحتجين، وعاملاً مهمًا من عوامل نجاح الثورة، وقد أخذت مثال الثورة المصرية على ذلك، وكيف كانت مواقع التواصل الاجتماعي عاملاً مهمًا من عوامل نجاح الثورة.

وختمت الباحثة دراستها بالحراك الشعبي الإيراني الراهن، حيث إن الشعب الإيراني لا يزال على يقين بأن الإصلاح والتغييرات التدريجية في القيادة الحاكمة، هي الطريق الوحيد لإجراء تغييرات إيجابية، لكن أساليب نضال الشعب الإيراني قد تغيرت وأصبحت في حالة حركية دائمة، وإن عدم إدراك هذا الواقع، سيدفع إلى الوراء في المسعى لتحقيق التغييرات من أجل تحقيق الإصلاحات. فالزلزال الذي هزّ “كرمنشاه”، وعدم اهتمام الحكام بمصيبة الشعب، أدَّيا إلى إثارة غضب أفراد الشعب؛ وزاد الطين بلة حجم البطالة، وحرمان الشعب من الحريات الفردية، وعدم المبالاة تجاه مطالب المحرومين والعمال، وتجاهل نهب المال العام، وزيادة نفقات الحرس الثوري والمؤسسات الدينية، واستمرار المساعدات السنوية المليارية التي تقدمها الحكومة الإيرانية إلى اليمن وسوريا وحزب الله في لبنان، كلُّ ذلك أدى إلى تصاعد مشاعر النقمة ضد النظام في أوساط الشعب الإيراني.

وحدة المتابعة والرصد*

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر