ظل الإعلام: ما المهم؟

التاريخ والوقت : السبت, 25 أغسطس 2018

إيمانويل فراومان

 

إن تسليط وسائل الإعلام الضوء على موضوعات وشخصيات معينة، يأتي بشكل انتقائي في المقام الأول؛ إذ ينظر إلى شخص ما بقدر من الأهمية، ثم العمل على إبرازه، بينما يتم تجاهل آخرين بوسائل الإعلام، وحتى أولئك الذين يستمتعون بالأضواء يغرقون في غياهب النسيان ليحل محلهم آخرون.

ربَّما يتساءل المرءُ: لِمَ يعدُّ هذا الأمر ذا شأن؟ لكن المثير أكثر أن نتساءل: “لماذا يعتبر شيء ما ذا صلة بهذا الشأن بالأساس؟ فمعايير الاختيار التي يعتمدها صانعو القرار، تأتي بناء على ما يعتبرونه هامًا، وهو ما يرتبط بخلفيتهم الأيديولوجية.

وبشكل مثير، عندما نتحدث مع أشخاص من خلفيات مختلفة، حيث غالبًا ما يواجه المرء بمثال، حتى من قبل الخريجين الجدد، أن قضية “فوكوشيما” قد تمَّ حلها؛ لأنه تمَّ تسليط الضوء عليها إعلاميًا. لكن: لماذا ذلك؟ يشعر الكثيرون بأنهم يستمدون معارفهم وخبراتهم من وسائل الإعلام التي يتابعونها، لذا فهم يميلون إلى الاعتقاد، عندما لا يقرؤون أو يتابعون القضية بأنها ربَّما تمَّ القضاء عليها بشكل كامل.

ويظل السؤال قائمًا: لماذا يقع الأفراد في هذه المغالطة؟ هنا يمكن القول بأن الأمر يرتبط بقوة الصورة وتوجهات الأفراد نحو تصديق ما يرونه بأعينهم فقط؛ فخلال التغطية وتسليط الضوء على موضوعات وأشخاص معينين، يتم إنشاء ما يمكن تسميته بـ”ظل الأضواء الإعلامية”.

ربَّما يقول البعض إن “وسائل الإعلام تسلط الضوء فقط على ما يلجأ إليه الناس في محاولة لمواجهة الجمهور به، مما يزيد من الضغط على صانعي القرار لإيجاد حلول للمشكلات؛ لذا فمن الجيد أن يكون هناك ضوء إعلامي”. لكن، إذا كان ذلك هو السبب وراء تركيز وسائل الإعلام على بعض القضايا مع تجاهل أخرى، فلماذا لا تغطي قضايا مهمة مثل كارثة “فوكوشيما” النووية يوميًا للحفاظ على تركيز الناس عليها؟ من الواضح هنا، أن وسائل الإعلام لديها موضوعاتها المفضلة التي تهتم بنشرها، في حين يتم إهمال الكثير من القضايا الملحة، أو حتى إنها تكون محظورة بالأساس.

لنتخذ من قضية “فوكوشيما” مثالاً، وهي كارثة نووية تمَّ تسليط الضوء عليها بشكل ملحوظ مع تأثير عالمي على البيئة وقضايا الغذاء كمثال لما يحدث في العديد من المجالات بما في ذلك السياسة. فمن الواضح أن البعض  ربَّما يسلط الضوء عليهمفي وسائل الإعلام يومًا بعد يوم، كالسياسيين والخبراء، بآرائهم القيمة، التي يتم التعامل معها كحقائق موثقة حيث تحوز اهتمام وسائل الإعلام يوميًا. وبالتأكيد، فإن الجميع ينشغل بها باستثناء تلك الشخصيات التي تتطور بما يكفي لفهم تلك الأمور، فيما يفرض عليهم بذل جهود إضافية لمزيد من الفهم العميق.

فالقادة يقعون في قلب دائرة الضوء الإعلامي، لكن لا مشكلة في ذلك، إذا كانوا سيعملون على حل مشاكل الناس، لكن الأمر هنا لا يقتصر على إشكالية القادة فقط، رغم أنهم لا يستحوذون على معظم اهتمام وسائل الإعلام، إذ يبدو أنهم فقط يعالجون المشاكل بطريقة مبهمة في محاولة لتمييز أنفسهم ومن معهم، في حين يتم استخدام وسائل الإعلام في تشويه سمعة من يهتم بقضايا الناس من أنصار الخطاب الشعبوي. حيث يرى السياسيون أن هؤلاء الشعبويين هم المشكلة وليس قضايا الناس ذاتها.

وبشكل عام، فإن أولئك الذين يهتمون بالآخرين فقط في أجنداتهم الخاصة، يتحققون من موقفهم، فيما يعتبرونه أشبه بالأيديولوجية، حيث لا يركزون على عرض الآراء الأخرى، حيث يرونها أشبه بالدعاية الكاذبة التي تأتي من قبيل المؤامرة.

هنا يثار التساؤل حول العلاقة بين فقدان السلطة في المؤسسة والتشويه المبالغ فيه لآراء الآخرين. والحقيقة أنه لن يكون هناك الكثير من الدافعية للتشهير إذا لم تكن المؤسسة في سلطتها المعلنة متذبذبة ومحددة بشدة بسبب المعلومات المتناقضة التي تعرض على عملاء المؤسسة المتزايدين.

إن أولئك الذين يتعرضون لتلك الادعاءات والأخبار الخاصة بالآخرين يوميًا، يقعون تحت دائرة التزوير التي تحدث عنها الفيلسوف النمساوي البريطاني السير “كارل بوبر” حول المعرفة من أجل التقدم العلمي، وهو ما يقدم حتى يومنا هذا على مضض داخل العلم نفسه، حيث إن مراجعة الحالات المشابهة ليست كافية.

وسواء كان الأمر يتصل بالعلوم التجريبية، أو السياسة، أو حتى وسائل الإعلام، فإن أولئك الذين يتعاملون مع تلك الادعاءات، يشتركون في واقع معين من الحياة مع وجهات نظر وآراء ومشاكل معينة، بناء على معتقدات مشتركة يتفقون عليها. ويدعو بعض السياسيين والخبراء إلى بعض اللقاءات النقاشية لعرض بعض أشكال الواقع الذي يبدو متناقضًا بشكل واضح، إذ نادرًا ما يقدمون الدعوة لأولئك الذين ينتقدونهم.

ويستند ذلك الواقع المتجانس على الكشف الذاتي، وذلك في تناقض واضح مع مبدأ التزوير الذي تحدث عنه “كارل بوبر”، بمجرد تقديمه إلى المجتمع العلمي لمواجهة مبدأ “التحقق المتجذر” في العلم، حيث لا يزال الكثيرون يحاولون إثبات أبحاثهم الخاصة بدون السعي لإيجاد طرق جادة للتعرف على أخطائهم.

وبصورة أكثر دقة، فإن أولئك الموجودين في وسائل الإعلام، الذين دعوتهم النخب الإعلامية، نادرًا ما يتواصلون مع الناس. ولكن بدلاً من ذلك، فإن الذين بالكاد يحصلون على أي ضوء إعلامي، يشتركون في واقع الحياة ويستحوذون على معظم اهتمام وسائل الإعلام، عبر خلق مناخ مجتمعي، ولا سيَّما في ظل انفصال النخبة عن الناس.

لذا، فإن نحو 5% من متابعي وسائل الإعلام يهتمون بالسياسة العالمية التي تتحدث عن وسائل الإعلام، بينما يكاد 95% يستفيدون من العولمة بما ينعكس على أولئك الذين يستفيدون من معظم وسائل الإعلام بنسبة 5%، في حين يروجون صورة زائفة مفادها أن الناس لا يستفيدون من العولمة.

وحتى لا نفترض نية المراوغة من هؤلاء القادة والخبراء، يمكن تحديد التأثير الناتج عن الأخبار التي يتم ترويجها على نفسية هؤلاء القادة والخبراء والنخب في الإعلام؛ إذ لا يتعرضون لأشخاص خارج نطاق تلك الادعاءات، لكن يبقى من الأهمية بمكان التحقق من صحة آرائهم وادعاءاتهم وبياناتهم الخاصة على مستوى الطبقات الاجتماعية التي ينتمون إليها.

ورغم المستويات التعليمية للأفراد والنجاحات التي حققوها، فإن عدم قدرتهم على تبني آفكار الآخرين وآرائهم، والاعتماد على ادعاءات غيرهم، ومن ثَمَّ فهم حقائق حياة الآخرين، يكشف عن مدى الحساسية المفقودة، وكذلك ضرورة الاستعداد للتفكير بطرق غير تقليدية، حيث يتم تسليط الضوء على “الجهل المتجذر” في الأشخاص.

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: آسيا تايمز

 

 

 

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر