طريق سنغافورة إلى “نهر التايمز” يمر عبر الخليج

التاريخ والوقت : الأربعاء, 3 أبريل 2019

فيصل اليافعي

 

إنها قصة اتفاقيتين للتجارة الحرة؛ إحداهما بين الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي، وقد ظلت معطلة وفي حالة جمود، وكان التفاوض بشأنها استغرق نحو 20 عامًا، دون أي قرار يبدو في الأفق. أمَّا الأخرى، فإنها بين سنغافورة ودول مجلس التعاون الخليجي، وقد أبرمت عام 2013، وهي أول اتفاقية تجارة حرة يتم توقيعها بين دول مجلس التعاون ودولة من خارج إطار الشرق الأوسط.

وبعد مغادرة بريطانيا للاتحاد الأوروبي – سواء كان ذلك في نهاية مارس أو بعد تأخيره لمدة قصيرة – ستحتاج لندن إلى تحديد الوجهة أو البلد الذي تريد العمل معه على أن تكون تلك الوجهة خالية من القيود القارية.

ونجد أحد النماذج، وهو سنغافورة، ينخفض فيه مستوى الضرائب، فضلاً عن وجود ترتيبات محدودة للتجارة الحرة، وهذا ما يعكس رؤية أنصار خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، التي من المحتمل أن تتحقق بدرجة كبيرة في حال خروج بريطانيا بدون اتفاق.

تسعى المملكة المتحدة لأكثر من مجرد تغيير علاقتها بالاتحاد الأوروبي، حتى لا تصبح مثل سنغافورة عرضة للمخاطر الدائمة، ما يعني تغيير الكثير من الأوضاع الداخلية بالمملكة المتحدة ذاتها. وبالتالي، فإن الاختبار الأول لهذه العملية سوف يأتي عبر منطقة الخليج العربي.

عادة ما يُنظر إلى مسألة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي باعتبارها فرصة لتقييم الأمور ورؤيتها من منظور مختلف. أمَّا في منطقة الخليج العربي، فإن أفضل ما يمكن أن تقوم به المملكة المتحدة هو الأمر نفسه؛ ففي بعض النواحي ينبغي أن تكون اتفاقية التجارة الحرة مع الدول الأعضاء بمجلس التعاون الخليجي واحدة من أسهل الاتفاقيات التي دخلت فيها المملكة المتحدة، ذلك أن العوائق أمام التجارة منخفضة بالفعل، وأن التعريفات الجمركية تصل إلى 5% تقريبًا. ثم إن اتفاقيات التعاون بين دول مجلس التعاون الخليجي وسنغافورة، جعلت كل الواردات تقريبًا خالية من التعريفة الجمركية، لذلك فإن هناك مجالاً لتحسن الأوضاع.

وفي العام الذي أعقب استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، احتفل وزير التجارة الدولية البريطاني بحقيقة أن الشركات البريطانية تُصَدِّر أكثر من 30 مليار جنيه إسترليني (39.4 مليار دولار أميركي)، من السلع والخدمات إلى دول مجلس التعاون الخليجي سنويًا. ويُذكر أن أكثر صادرات بريطانيا توجه إلى الصين في المقام الأول. ومنذ ذلك الحين شهدت حركة التبادل التجاري مع دول مجلس التعاون الخليجي نموًا ملحوظًا. فالإمارات العربية المتحدة والمملكة المتحدة، تستهدفان الوصول بالتجارة بينهما إلى 25 مليار جنيه إسترليني بحلول عام 2020، وفي الوقت نفسه تحرص الاقتصادات الرئيسة الأخرى بدول مجلس التعاون الخليجي، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية على توسيع نطاق وارداتها من المملكة المتحدة واستثماراتها بها.

ونظرًا لأن دول مجلس التعاون الخليجي تتطلع إلى التنويع بعيدًا عن المواد الهيدروكربونية، سيسعى الكثيرون إلى توسيع قطاعات التعليم والرعاية الصحية والخدمات المالية. وهي القطاعات التي تتميز فيها الخدمات البريطانية بالقوة، وتوفر فرصةً كبيرةً لمزيد من التعاون.

وعلى الجانب الآخر يثار التساؤل: ماذا يريد الخليج من المملكة المتحدة؟ إن الجواب المختصر، يكمن في “الاستقرار والاستمرارية”. ففي الوقت الحالي، تركز معظم التجارة بين الجانبين على مبيعات النفط والغاز والدفاع. لكن اتفاقية التجارة الحرة لن تشمل الدفاع، ذلك أنه عادة ما يختلف الأمر بين حكومة وأخرى، لذلك فإنه من وجهة نظر مجلس التعاون الخليجي، فإن استمرار العلاقات السياسية الجيدة يعتبر أمرًا أساسيًا.

والأمر نفسه ينطبق على الاستقرار، إذ يتم استثمار صناديق الثروة السيادية بكثافة في سوق العقارات في المملكة المتحدة؛ لذلك يمكن أن يكون لانخفاض الأسعار أو التقلبات في سعر الصرف تأثير كبير. ومع ذلك، فإن هذه الأمور تعتبر خارج نطاق اتفاقية التجارة الحرة. لكن هناك مشكلات أخرى مثل الدخول بدون تأشيرة التي يطلبها مجلس التعاون الخليجي.

وفي الواقع، فإن ما يريده مجلس التعاون الخليجي من المملكة المتحدة ليس تجارة أكثر، بل هي سياسة أقل.

وقد كانت الموضوعات العالقة في مفاوضات التجارة الحرة للاتحاد الأوروبي تتعلق بالسياسة في المقام الأول؛ إذ تريد دول مجلس التعاون الخليجي التجارة مع الاتحاد الأوروبي دون ما تعتبره تدخلًا غير ضروري في السياسة الداخلية لدول المجلس. ثم إن هناك شكوكًا متبادلة بين الجانبين؛ إذ ترى الدول الخليجية أن البنود التي يركز عليها الاتحاد الأوروبي حول أوضاع حقوق الإنسان، إنما هي وسيلة للتدخل في الشؤون الداخلية في البلاد مستقبلاً.

إذًا، إن إبرام صفقة للتجارة الحرة يعني تغيير طريقة عمل المملكة المتحدة، وإسقاط القضايا السياسية والتركيز على التجارة البحتة. وهذا هو بالتحديد ما يريده أنصار خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وهو ما تفضله الدول الخليجية أيضًا. ولكن من وجهة نظر المملكة المتحدة، فإن ذلك يعني تغيير الطريقة التي تفاوضت بها بريطانيا على عقود سابقة؛ ذلك أن تغيير طريقة عرضه على الأطراف الأخرى بشأن شروط التجارة الثنائية، إنما ينطوي على تغيير في علاقتها مع نفسها.

يبقى أن نرى إن كانت رؤية سنغافورة هي التي تتطلب الدعم البريطاني أم لا. فقد قام نجاح سنغافورة على ثقافة سياسية واجتماعية محددة جدًا، وهي ثقافة تتضمن جوانب قد يفضلها الجمهور البريطاني مثل (الضرائب المنخفضة)، بينما هناك جوانب أخرى لا يريدها الجمهور بالتأكيد مثل (انخفاض الإنفاق العام في دولة تركز على الخدمات الصحية)، وكذلك هناك أمور لا تستطيع بريطانيا ببساطة تكرارها حتى لو أرادت مثل (عدد السكان المتواضع لدى سنغافورة الذي يصل إلى خمسة ملايين ونصف، وكذلك المجتمع المترابط لديها).

ومن ثَمَّ، فإذا كان بإمكان بريطانيا فعل ذلك، فقد تصبح بالفعل مثل سنغافورة، وهو ما يعني أن دول الخليج ستكون هي الاختبار الرئيسي الأول. فقد تمَّ إبرام اتفاقية التجارة الحرة مع دول مجلس التعاون الخليجي بسرعة، وأصبحت الصفقات الأكثر تعقيدًا مع الدول الأقل استعدادًا أمرًا سهلاً.

لكن مع الفشل في التوصل إلى اتفاق بشأن الخروج من الاتحاد الأوروبي، أو حتى تبيُّن رفض الغالبية لتكرار تلك التجربة على نهر التايمز، فإن كل شيء سوف يصبح أكثر صعوبة. ومن ثَمَّ، فإن بريطانيا بخروجها من الاتحاد الأوروبي يمكن أن تصبح سنغافورة التالية وتجد نفسها عالقة شرق السويس.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: آسيا تايمز

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر