ضمان حرية التنقل قد يجعل العالم أكثر ثراءً بقدر 73 تريليون دولار

التاريخ والوقت : الخميس, 10 يناير 2019

ترجمة: أريج الحواس 

 

من المتوقع أن يصاحب حرية التنقل عدة مخاطر، ولكن المكاسب ستجعل كلَّ من يعترض على هذه الفكرة يحاول جادًا أن يجعل ذلك ممكنًا.

تخطَّى عالِم الاقتصاد ورقة نقدية من فئة المئة دولار ملقاة في الشارع، عندها سأل صديقه: “ألم ترَ المال؟” ردَّ عالِم الاقتصاد: “اعتقدت أنني رأيت شيئًا ما عندما كنت ماشيًا، على الأرجح أنني تخيلت ذلك، لو كان هنالك بالفعل مئة دولار ملقاة في الشارع، فلا بدَّ أن شخصًا ما قد أخذها مسبَّقًا”.

إن كان الشيء رائعًا جدًا إلى درجة عدم تصديق حدوثه، فمن الأرجح أنه في الواقع غير حقيقي. وعلى الرغم من ذلك، قد يكون في بعض الأحيان حقيقيًّا بالفعل؛ إذ يقول “مايكل كليمنز” وهو عالم اقتصاد في مركز التنمية العالمية في واشنطن، وهو مركز أبحاث يهتم بمكافحة الفقر، إن هنالك “مئات الدولارات ملقاة في الطرقات”، مشيرًا إلى الآثار الإيجابية لوجود المهاجرين على الاقتصاد، وأن إقرار سياسة الحدود المفتوحة بين البلدان قد يجعل العالم أغنى مرتين مما هو عليه الآن.

عندما ينتقل العاملون من دولة فقيرة إلى أخرى غنية، يصبحون أكثر إنتاجية؛ إذ يمكنهم – بشكل مفاجئ – الانضمام إلى سوق عمل ذي رأس مال وفير، وشركات ذات كفاءة عالية، ونظام قانوني يمكن الاعتماد عليه. فإن الذين اعتادوا كسب قوت يومهم عن طريق مجرفة خشبية يستخدمونها في الحفر، يبدؤون باستخدام جرارات آلية عندما ينتقلون لدولة غنية، والذين صنعوا الطوب بأيديهم، يبدؤون العمل بالرافعات والحفارات الآلية، والحلاقون – أيضًا – يجدون عملاء أغنياء بوسعهم إعطاء (البقشيش) بسخاء.

ويقول “براين كابلن” و”فيبول نيك” في فصل (قضية الحدود المفتوحة): “تشكل الأيدي العاملة سلعة قيّمة جدًا، ولكن لا يتم استغلالها بفضل أنظمة الهجرة الصارمة”. فعلى سبيل المثال، الأيدي العاملة القادمة من المكسيك إلى الولايات المتحدة تحصل على دخل أكثر من 150%، والأيدي العاملة النيجيرية قد يصل دخلها إلى 1000%.

ويكملان قائلين: “جعل الأيدي العاملة النيجيرية تبقى في نيجيريا ليس له أي معنى اقتصادي، تمامًا كجعل المزارعين يزرعون في القارة القطبية الجنوبية، حيث لا شيء غير الجليد”، وبالإضافة إلى ذلك، لا تُعدُّ الفوائد غير الاقتصادية المتعلقة بالهجرة ذات أهمية أقل؛ لأن هجرة المواطن النيجيري إلى الولايات المتحدة ستحميه من اضطهاد مجموعة “بوكو حرام” الإرهابية.

وفي الحقيقة، المكاسب التي يمكن تحقيقها من الحدود المفتوحة، تُعدُّ أكثر من مكاسب التجارة الحرة بصورتها الكاملة أو المساعدات الخارجية للدول النامية. وعلى الرغم من ذلك، يُتعامل مع هذه الفكرة كخيال لا يمكن تحقيقه، إذ في العديد من الدول 10% فقط من السكان يرحبون بفكرة الحدود المفتوحة، ولا سيَّما أنها فاشلة سياسيًا، وذلك في عصر يوجد فيه الرئيس دونالد ترمب، ورغبة الشعب البريطاني في الخروج من الاتحاد الأوروبي (بريكسيت)، ومع ذلك، يجب على المرء أن يتساءل: إن كانت الحدود مفتوحة فعلًا.. فما الذي سيحدث؟!

ويجب التوضيح أنه عندما يُشار “بالحدود المفتوحة” لا يُقصد بذلك عدم وضع حدود بين الدول وإلغاء مفهوم الدولة القومية، وإنما إمكانية انتقال شعوب العالم بين الدول الأخرى لإيجاد فرصة عمل؛ فالهجرة تبدو فكرة أخَّاذة؛ لأن بعض الدول تُدار بشكل جيد، ودول أخرى على عكس ذلك.

تحصل الطبقة العاملة في الدول الغنية على دخل أكثر من الذين يعملون في الدول الفقيرة، ويرجع ذلك جزئيًا إلى التعليم الأفضل، ولكن غالبًا بسبب كونهم يعيشون في مجتمعات قد أُنشئ فيها على مرِّ السنين، مؤسسات تعزز الازدهار والسلام. ولذلك من الصعب نقل المؤسسات الكندية المتطورة إلى كومبوديا، ولكن أن تنتقل عائلة كومبودية إلى كندا أمر سهل جدًا؛ فمن أسرع الطرق للقضاء على الفقر المدقع، هو مساعدة الذين يعيشون في تلك الأوضاع على الانتقال منها للدول الغنية.

ويتساءل المرء – إن فُتحت الحدود – كم يبلغ عدد الذين سيقومون بلمِّ كل ما يمتلكونه وشد الرحيل لدولة أخرى؟!

قدَّرت مؤسسة “غالوب” في 2013 أن عدد المهاجرين بصفة دائمة – إن سنحت لهم الفرصة – سيبلغ نحو 630 مليون شخص، أي قرابة 13% من التعداد السكاني للعالم، وأكثر من هذا العدد سيهاجرون بشكل مؤقت، ومن هؤلاء 138 مليون شخص سيجعلون الولايات المتحدة مستقرًّا لهم، و42 مليونًا في بريطانيا، و29 مليونًا في المملكة العربية السعودية.

وقد يكون العدد المذكور في الاستطلاع مبالغًا فيه؛ فالأشخاص لا يحققون دائمًا ما يقولون أنهم سيفعلونه؛ فترك المرء وطنه يتطلب الشجاعة وسهولة التكيف؛ فعندما يقرر الشخص مغادرة وطنه، يحتم عليه توديع كل ما هو مألوف، كالأشخاص والعادات وحتى طعام الجدَّة الشهي؛ فلذلك الكثير من الأشخاص يفضلون عدم التضحية بكل ذلك، حتى إن كان في أمر هجرتهم عوائد مادية كبيرة.

وعلى سبيل المثال، أجور العاملين في ألمانيا هو ضعف ما يتلقاه العاملون في اليونان، وعلى الرغم من أن كلتا الدولتين تقبع في الاتحاد الأوروبي الذي يتيح لمواطنيه حرية التنقل بين الدول؛ فإن 150,000 ألف مواطن يوناني فقط انتقلوا إلى ألمانيا من 11 مليون نسمة منذ أن بدأت الأزمة الاقتصادية اليونانية في 2010. من الممكن أن يكون الطقس البارد في المدن الألمانية وندرة استخدام اللغة اليونانية هناك، هي أحد أسباب عدم قيام الكثير من اليونانيين للهجرة. وعند النظر – أيضًا – في سماح الولايات المتحدة لمواطني ميكرونيسيا بالعيش والعمل من غير تأشيرة، ووجود الدخل بزيادة أكثر من عشرين ضعفًا من الذي يتقاضونه في بلادهم؛ نجد بقاء ثلثي مواطني ميكرونيسيا في بلادهم.

ويجب الإشارة إلى أنه من الممكن أن تؤدي سياسة الحدود المفتوحة إلى تدفق الكثير من الشعوب؛ لوجود فجوة أوسع بين الدول الغنية والفقيرة في أنحاء العالم من الدول الغنية، والأقل ثراء في أوروبا.

ويبدأ ذلك عن طريق هجرة أول شخص من دولة “أ” إلى دولة “ب”، إذ يصل غالبًا إلى مكان لا تستخدم فيه لغته ولا نظام حياته. على سبيل المثال، الطريقة الصحيحة في عمل المعكرونة. ولكن يجد الشخص الثاني الذي يقرر الهجرة للدولة نفسها، ويكون على الأرجح متجهًا لأحد أقاربه، أكثر سرعة وسهولة في الاستقرار، ويذاع بعد ذلك بين الناس في دولة “أ” أن هنالك عيشًا أفضل في دولة “ب”، حينها يصل المهاجر رقم 1000 ويجد حيًّا كاملًا من أبناء جنسه.

ولهذا السبب، قد تكون توقعات “غالوب” أقل من الواقع. يوجد في العالم 1.4 مليار شخص غني، وبالمقابل يوجد 6 مليارات شخص ليسوا أغنياء؛ فليس من المستحيل هجرة الشعوب خلال العقود المقبلة إن لم تكن هنالك عوائق قانونية لقيامهم بذلك؛ واستنادًا إلى ذلك ستتغير حينها الدول الغنية بشكل غير مُتنبأ به.

ولا يمانع الناخبون – إجمالاً – قليلاً من الهجرة، ولكنهم يعبرون عن قلقهم بأن الحدود المفتوحة بلا قيود ستجعلهم أقلية بين الأجانب، وأن العيش سيصعب، وأن المهاجرين سيشكلون تهديدًا للنظام السياسي الذي بفضله أصبحت دولتهم تستحق الهجرة إليها، وهم قلقون – أيضًا – بأن تساهم الهجرة الجماعية في رفع معدل الجريمة والإرهاب، وانخفاض أجور السكان المحليين الذي يعد عبئًا لا يطاق لدول الرفاهية، وما تسببه الهجرة – أيضًا – من إحداث اختلال ثقافي كبير.

أسئلة مفتوحة 

هل سيجلب المهاجرون الفوضى والدمار معهم، ولا سيَّما إن كانوا من سوريا التي دُمرت بالحروب، ومن غواتيمالا التي تعاني من أزمة العصابات، ومن الكونغو المضطربة؟ يمكن تفهم الخوف من ذلك، ولا سيَّما عندما يحاول السياسيون الذين يتبنون وجهات نظر مضادة لفكرة الهجرة، أن ينشروا الخوف بين الناس، ولكن لا يوجد إلا الدليل الحدسي لذلك الادعاء، الذي لا يمكن الاعتماد عليه. ومن المؤكد أن يرتكب بعض المهاجرين الجرائم أو الأعمال الإرهابية، ولكن في دولة كالولايات المتحدة احتمال سجن المواطنين المولودين خارجها أقل من الذين ولدوا فيها. ومن الأرجح قيام المهاجرين بجرائم أكثر من المحليين في بعض الدول الأوروبية كالسويد، ولكن يرجع ذلك لكون معظم المهاجرين ذكورًا ومن فئة الشباب. وقد توصلت دراسة متخصصة في تدفق المهاجرين للبلدان، بدأت من عام 1970 إلى 2000 بين 145 دولة قام بها باحثون من جامعة “وارويك”، إلى أن الهجرة قد تقلل من الأعمال الإرهابية؛ ويرجع السبب لكون الهجرة تساعد في النمو الاقتصادي.

وهل تترك الهجرة واسعة النطاق السكان المحليين أسوأ حالاً اقتصاديًا؟ في الواقع لم تكن الهجرة سببًا في ذلك حتى الآن! على النقيض تمامًا، يفوق المهاجرون المواطنين الأصليين في أنهم يأتون بأفكار جديدة ينشئون بها مشروعهم الخاص، الذي يستطيعون من خلاله توظيف السكان المحليين! بالإضافة لكون المهاجرين لا يستهلكون الموارد المالية العامة كالمحليين، إلا إذا وضعت قوانين تمنع من عملهم، كطالبي اللجوء في بريطانيا. وقد يخفّض وجود العديد من المهاجرين الذين يمكنهم العمل أجور العاملين المحليين، ولكن يأتي المهاجرون بعدة مهارات متنوعة تفيد سوق العمل بشكل فعّال؛ فيقوم الأطباء والمهندسون الأجانب بسد النقص، والمهاجرون الذين لا يمتلكون مهارات تساعدهم في الانخراط في سوق العمل، يقومون بدورهم في العناية بالأطفال وكبار السن، وبذلك يتوجه السكان المحليون لوظائف أكثر ربحًا.

وهل تسبب الحدود المفتوحة الازدحام المفرط؟ قد يكون ذلك ممكنًا، ولا سيَّما في المدن الكبرى كـ”لندن”، ولكن تستطيع معظم مدن البلاد الغربية التوسع وإنشاء مبانٍ شاهقة لتستوعب الكثير. والجدير بالذكر أن تدفق المهاجرين قد يجعل العالم أقل ازدحامًا؛ لينخفض معدل الخصوبة العالي بين المهاجرين؛ ليصل إلى نفس معدل سكان الدولة المضيفة.

وهل ستغير الهجرة ثقافة وسياسة البلدان الغنية؟ بلا شك! انظر للتغيير الإيجابي الذي طرأ على الولايات المتحدة، حيث ازداد السكان من 5 ملايين نسمة، معظمهم من ذوي البشرة البيضاء، في عام 1800 إلى أن أصبح اليوم 320 مليون نسمة من مختلف الأعراق والأجناس. وعلى الرغم من ذلك، لا يمكن الجزم بأن الهجرة واسعة النطاق ستكون حميدة كليًا؛ لاحتمال جلب المهاجرين الجدد من الدول غير الليبرالية، عادات غير مرحب بها، كالفساد السياسي وعدم احترام وجهات النظر المختلفة – وإن أتى منهم الكثير – قد يمكنهم ترشيح حكومة إسلامية، أو أيضًا حكومة تقف في صفهم في رفع الضرائب على المواطنين المحليين.

التركيز على الهدف 

سيكون هنالك – بلا شك – عدة مخاطر عند فتح الحدود من غير سن سياسات مناسبة لاستيعاب العدد الهائل من المهاجرين..

بيد أن هنالك طرقًا عدة لتجنبها والتخفيف منها.

وإن كانت المخاوف من أن الأصوات الانتخابية للمهاجرين يومًا ما، ستفوق السكان المحليين وبذلك تنتخب حكومة غير مناسبة للمحلين؛ فهنالك عدة حلول لهذه المعضلة، كعدم السماح للمهاجرين بالتصويت في الانتخابات لخمس سنوات أو عشر سنوات، أو عدم السماح لهم بالتصويت للأبد. قد يبدو ذلك قاسيًا، ولكنه في الحقيقة أرحم من عدم السماح لهم بالقدوم! وإن كانت المخاوف – أيضًا – من أن المهاجرين لن يساهموا اقتصاديًا بشكل مباشر؛ فيمكن ببساطة فرض رسوم أعلى على تأشيرات الدخول أو فرض ضرائب إضافية عليهم، أو تقييد حصولهم على الإعانات الاجتماعية، وقد تستخدم تلك الإجراءات – أيضًا – للحد من الهجرة واسعة النطاق والمفاجئة.

قد تبدو تلك الإجراءات تمييزية، وهي كذلك بالفعل، ولكن على الرغم من ذلك؛ فهي تبدو أفضل من الوضع الراهن للمهاجرين الذي يتطلب دفع آلاف الدولارات لمهربي البشر، ويعملون بعد دخولهم للدولة بشكل غير قانوني في الخفاء ويكونون دائمًا معرضين للترحيل المفاجئ. فيوجد اليوم الملايين من المهاجرين الذين يعملون في دول الخليج العربي وليست لديهم حقوق سياسية، ومع ذلك، ما زالوا يرغبون في الهجرة للخليج من دون أن يرغمهم أحد.

ويلاحظ السيد كابلان أن: “الحدود المفتوحة قد تجعل الأجانب أغنى بتريلونات الدولارات”. إذًا، على الناخب الرصين حتى إن لم يكترث للرعاية الاجتماعية للأجانب، أن لا يقول “لا أهتم إن استغل الأجنبي سياسة الحدود المفتوحة بجني الثروات، وإنما يجب عليه القول إن كانت هنالك تريليونات من الدولارات، فكيف إذًا يحصل مواطنو بلدي على جزء منها؟! تستخدم الحكومات الحديثة الضرائب بشكل روتيني لتوزيعها بدءًا من الشباب إلى كبار السن، ومن الأغنياء إلى الفقراء؛ فلماذا لا تُستخدم نفس السياسة لتوزيع الثروات من الأجانب للمواطنين الأصليين؟” فإن كان ضمان حرية التنقل قد يجعل العالم أكثر ثراءً بمقدار 73 تريليون دولارًا، فألا يجب على الليبراليين أن يستعدوا للقيام بتسويات سياسية كبيرة لتحقيق ذلك؟!

 

[email protected]

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

نص المقال الأصلي: جريدة “ذا إيكونومست”

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر