شبه دولة.. كتاب يروي القصة الكاملة لتنظيم “داعش”

التاريخ والوقت : الثلاثاء, 16 أكتوبر 2018

 

مع توالي الهزائم التي يتكبدها تنظيم “داعش” الإرهابي، ومع المزيد من الانحسار الذي بات عليه التنظيم الأخطر والأكثر دموية في القرن العشرين، راحت دوائر الفكر والبحث تتناول السيرورة التاريخية لمثل هذه التنظيمات المتطرفة، التي جاءت في إطار المؤامرة التي يتم نسجها لهدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط؛ فلم تكن نشأة تنظيم “داعش” الإرهابي وظهوره بمعزل عن التكالب الاستعماري والمخططات الأجنبية التي تتبناها القوى الهدامة التي تستهدف النيل من أمن المنطقة.

في هذا السياق، باتت قصة تنظيم “داعش” موضوعًا ثريًا لأعمال المنظرين والمفكرين، سواء في العالم العربي أو خارجه، وذلك بهدف فهم ديناميات مثل ذلك التنظيم. وأحد أهم هذه الأعمال النقدية كان كتاب (شبه دولة: القصة الكاملة لداعش) للمفكر المصري، والباحث في علم الاجتماع السياسي، الدكتور عمار علي حسن، الذي تناول بالسرد والتحليل الكثير من الجوانب المتصلة بتنظيم “داعش” منذ نشأته وآليات عمله وتفاعلاته الخارجية.

ينطلق المؤلف من فرضية أن تنظيم “داعش” نشأ وتطور ضمن سياق اجتماعي وظرف تاريخي أثر فيه تأثيرًا واضحًا، بل إن هذا العامل هو الأساس في تطور ذلك التنظيم، الذي استفاد من اضطراب الأوضاع في العراق بعد الغزو الأميركي، وحل الجيش العراقي وحزب البعث، وظهور الخلاف الطائفي بين السنة والشيعة، والعرقي بين العرب والأكراد.

ومن ثَمَّ فقد استفاد تنظيم “داعش” الإرهابي من الاضطراب العميق الذي ترتب على تحول الأحداث في سوريا من انتفاضة شعبية إلى حرب أهلية، ثم مواجهة طائفية طاحنة بدأت بالشحن الإعلامي وانتهت بالتقاتل على الأرض، فصراع إقليمي ودولي على النفوذ والمصالح المادية فتح كل الجبهات والإمكانيات على القتال، استفاد “داعش” من تناقضاته إلى حد بعيد وعميق. فالذين عملوا على إسقاط نظام الأسد، ساعدوا كل الحركات والأطراف والجماعات والميليشيات التي تقاتل ضده، ومنها “داعش”. وبالتالي يعيد “داعش” في أول مراحله إلى الأذهان، ظاهرة الأفغان العرب، الذين رفضت بلدانهم استقبالهم بعد مشاركتهم بموافقتها، في القتال ضد الاتحاد السوفييتي المنهار، فساحوا في الأرض؛ حيث ذهب الكثيرون منهم إلى الصومال واليمن والسودان ودول آسيا الإسلامية. فالنواة الأساسية تكونت من مقاتلين هاجروا إلى العراق بعد سقوط طالبان، وكونوا تنظيمًا يزيد مقاتلوه على اثني عشر ألفًا، شكلوا بداية قوية لجيش دولة العراق الإسلامية التي مثلت دفعة قوية نحو إنشاء ما يسمى “الدولة الإسلامية في العراق والشام”.

بجانب ما سبق، ينظر المؤلف إلى تنظيم “داعش” في ضوء القانون الذي جرى على التنظيمات الجهادية منذ سبعينيات القرن العشرين وحتى الآن، وهو قدرته على إحلال قيادة جديدة محل قيادة قديمة قتلت أو انشقت. ومن المؤكد أن الخطر الداهم الذي يحدق بتلك التنظيمات، إلى جانب طبيعتها المعسكرة، وكذلك التصورات الدينية التي تفرض الإمارة وطاعة القيادة، تساعدها على عملية الإحلال تلك بسهولة، وفي زمن أسرع مما يتخذه الأمر في هذه الجماعات والحركات الاجتماعية والمدنية، أو حتى الجماعات الدينية المسيسة التي تعمل بشكل علني، أو الجمعيات الدينية الخيرية.

ومن ثَمَّ لا يعد “داعش” (دولة) بالمعنى الشرعي والقانوني المتعارف عليه وفق القانون الدولي، وتصورات وإدراكات وتاريخ الدول، ولا عند الأغلبية الكاسحة من خبراء العلوم السياسية والحركات الدينية. لكن “الدواعش” لا يشغلهم عدم اعتراف كل هؤلاء بهم، ولا يطمحون أو يتطلعون أو حتى يسعون إلى أي اعتراف بهم، أو بـ”دولتهم”.

أوضاع النساء في تنظيم “داعش”

يبحث المؤلف في جوانب الفئات الثانوية بتنظيم “داعش” الإرهابي، التي تعاظم حضورها في المشهد خلال الفترة الأخيرة، التي شهدت تراجع نفوذ التنظيم في المناطق التي يسيطر عليها؛ إذ تعرض لسلسلة من الهزائم بفضل الضربات الكثيفة التي وجهها له التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب. وفي هذا السياق، جاء تركيز “داعش” على النساء كسبيل لمواجهة ذلك المأزق، ولا سيما أنه لم يرق له في أولى مراحلة أن يضم نساء بين صفوفه، وإن كان قد طلب من كل متعاطفة معه أن تجلس أمام حاسوبها، وتتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، وتنقر على “الكيبورد” ما أمكنها كي تجذب للتنظيم زبائن جددًا، أو تنخرط في عملية جمع تبرعات لـ”المجاهدين”، وحض الرجال، بل تحريضهم، على الانضمام إلى صفوفهم. وكان “داعش” يرى في البداية، أن النساء لا قبل لهن بالحرب، لكنه سرعان ما غير رأيه هذا، لا سيَّما حين تمكن من أرض شاسعة وفرض عليها سلطانه، فأطلق دعوات لاستقطاب طبيبات وممرضات ومهندسات ومدرسات، ثم مقاتلات، لهن وظيفة في القتال والعمليات الإرهابية، ربَّما لا يقوم بها رجال بالإتقان نفسه.

ومع توالي الأيام صار وجود النساء في صفوف “داعش” لافتًا، وفتح بابًا عريضًا لتساؤلات حول البلاد التي انحدرن منها، وخلفياتهن الطبقية والثقافية والدينية والأسباب التي جعلتهن يتركن بلادهن، ويحزمن أمتعتهن ذاهبات إلى أرض “داعش” التي يسكن الخطر كل شبر فيها. في هذه الأرض يعيش النساء حياة مختلفة عن تلك التي يعيشها غيرهن في بلاد أخرى، لعل ما ورد في وثيقة المرأة في ظل الدولة الإسلامية: “بيان ودراسة حالة” التي عثرت عليها القوات المدعومة من الولايات المتحدة في المناطق التي يسيطر عليها التنظيم في العراق وسوريا، توضح بجلاء كيف تعيش “الداعشيات”. ويُعتقد أن هذه الوثيقة من إعداد القسم الإعلامي في كتيبة الخنساء، وهي فصيل عسكري نسوي في التنظيم، ومن ثَمَّ فهي الأكثر تعبيرًا عن حال النساء تحت حكم “داعش”. وقد هاجمت الوثيقة المفاهيم الخاصة بحقوق الإنسان عامة، وحقوق المرأة خاصة، لا سيَّما تلك المتعلقة بالمساواة بين الجنسين، واعتبرتها مفاهيم أنتجها الغرب، ولا تتماشى مع شرع الإسلام ونهجه.

استراتيجية “الذئاب المنفردة”

باتت استراتيجية “الذئاب المنفردة” تمثل آلية تنتهجها المنظمات الإرهابية بغية ارتكاب اعتداءات دون أن تتورط فيها بشكل مباشر، وتفضي في غالب الأحيان إلى عمليات دموية، وقد يكون لها أثر تحفيزي ودعائي يرمي – بالأساس – إلى استقطاب المزيد من الأشخاص الذين يستهويهم “الفكر الجهادي”، وقد تؤثر – بالفعل – في سياسات بعض الدول حيال التعامل مع “داعش”.

وينظر الكاتب إلى مصطلح “الذئاب المنفردة” في إطار ما أفرزته المؤسسات الأمنية الغربية من خلال تفسيرها لبعض الحوادث الإرهابية التي تقع هناك. وعدم توصل أجهزة الأمن إلى فاعل حقيقي لها، أو توصلها، ثم تأكدها من غياب أي صلات تنظيمية أو إدارية أو مالية بين الفاعل وبين قيادات التنظيم الموجود في منطقة “الدولة الإسلامية” على أجزاء من أرض العراق وسوريا. وقد تمَّ التمهيد لهذا الاصطلاح من أيام مواجهة تنظيم القاعدة، وتحديدًا عقب ضرب التنظيم بشدة على أرض أفغانستان، وإزاحة حركة طالبان التي كانت تحتضنه عن الحكم. فوقتها تمَّ الحديث في كثير من الأدبيات السياسية والأمنية عن تحول القاعدة من تنظيم إلى فكرة، بمعنى أن الصلاتالتنظيمية المباشرة بين قادة القاعدة وقواعده في مختلف الدول صارت واهية جدًا، أو انعدمت تمامًا، لكن الأفكار التي لا سلطان عليها، ساحت في الأرض، وصار هناك من يعتنقها في أماكن عدة، وبوسعه أن يكمل الطريق الذي رسم قادة القاعدة معالمه. وقبل “داعش”، طالما خرج قادة القاعدة ببيانات وتصريحات عقب بعض الحوادث الإرهابية المتفرقة، ينسبونها إليها، ويؤكدون أن مرتكبها، أو مرتكبيها، تابعون للتنظيم.

يخلص المؤلف إلى أن تنظيم “داعش” أدخل الحدود التي رسمتها اتفاقية سايكس – بيكو، والتي نشأت على أساسها دول عربية عدة في الهلال الخصيب والشام وشبه الجزيرة العربية، إلى مرحلة جديدة، حين انطلق نحو إنجاز ما يسميه مشروع “الخلافة” الذي يقوم في ذهن قادة التنظيم على إسقاط الدولة الوطنية في العالم العربي والإسلامي، وتذويب الحدود والعودة إلى جغرافيا الإمبراطورية الإسلامية التي كانت تمتد من غانا في غرب إفريقيا، إلى وادي فرغانة في آسيا الوسطى. لكن – عمليًا – لم يتحقق مشروع “داعش” الوهمي، فزمن الإمبراطوريات التي كانت تقوم على الفتح والإجبار والقسر قد ولَّى، كما ولَّى بعدها زمن الاستعمار التقليدي. لكن، ما يفعله التنظيم الإرهابي سيؤدي في الواقع إلى تفكيك الدول الموجودة بالفعل، ليرسم الدم بعدها حدود دويلات جديدة تقوم على أنقاضها، وفق أسس عرقية وطائفية وأيديولوجية دينية، بحيث قد ينتهي أمر “داعش” إن بقي – أصلاً – على قيد الحياة فترة طويلة، إلى إمارة متطرفة صغيرة محشورة بين دويلات من المؤكد أنها ستناصبها العداء ليستمر القتل والخراب.

لهذا، يبدو “داعش” مكملاً لمشروع سايكس – بيكو، وبشكل أكثر سوءًا، إذ إن الدم والفوضي هذه المرة أكبر، كما أن التشظي سيكون أبعد، والاضطراب يستمر زمنًا أطول. فيتعجب المؤلف من أولئك الذين يعتقدون أن التنظيم الإرهابي سيلغي سايكس – بيكو، وهو مطلب ظل القوميون العرب يتحدثون عنه زمنًا طويلاً، لكنهم أرادوا الإلغاء من أجل “وطن عربي واحد” يمتد من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي، وليس دويلات وكيانات هشة مثلما سينتهي مشروع “داعش” إن قُدِّر له أن يستمر بعض الوقت.

 

 

معلومات الكتاب

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر