الإشتراك في القائمة البريدية

سائرون.. كيف نجح مقتدى الصدر في هزيمة التغول الإيراني بالعراق؟

التاريخ والوقت : الأحد, 27 مايو 2018

 

ما إن أُعلنت النتيجة الرسمية للانتخابات التشريعية العراقية الأخيرة، حتى حُسم الجدل حولها بحصول “تحالف سائرون” على أكبر عدد من المقاعد البرلمانية، ما يمكن اعتباره الكتلة الفائزة، وهو ما يستدعي إعادة قراءة المشهد العراقي، مع التركيز على “سائرون” كتحالف حسم الجولة الانتخابية، بقيادة رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر. وهذا يستدعي – أيضًا – محاولة الإجابة عن سؤالين في غاية اﻷهمية، ألا وهما: هل ينجح مقتدى الصدر في تلبية مطالب العراقيين بحكومة تحارب الفساد؟ وهل يمكن للصدر أن يتجاهل هادي العامري حليف إيران القوي؟ وقبل أن نحاول الإجابة، ينبغي إعادة النظر في نتيجة الانتخابات، ومآلات تشكيل الحكومة في ضوء هذه النتائج من جانب، والتأثير الدولي والإقليمي على شكل الحكومة المرتقبة من جانب آخر.

 

وكانت النتائج الرسمية التي أعلنتها مفوضية الانتخابات العراقية أخيرًا، قد أظهرت حلول تحالف “سائرون” الذي يجمع الصدريين والحزب الشيوعي وبعض أحزاب التكنوقراط، على أساس مكافحة الفساد، في المرتبة الأولى، في حين حلت كتلة “الفتح” بقيادة هادي العامري، قائد فصائل الحشد الشعبي المدعوم من إيران في المركز الثاني، وتلتها كتلة “تحالف النصر” في المركز الثالث. ومع تأكيد حلول تحالف “سائرون” في المقدمة، بدأ حديث التحالفات مباشرة بعد إعلان النتائج، إذ يتعين على تحالف “سائرون” بقيادة مقتدى الصدر أن يتحالف مع شركاء آخرين، من تيارات مختلفة من أجل تشكيل الحكومة الجديدة، التي يؤكد كثير من المراقبين أنها ستكون مهمة صعبة[1]،وجاءت النتائج باﻷرقام كالتالي:

– تصدر تحالف “سائرون” بـ54 مقعدًا.

– تحالف “الفتح” بزعامة هادي العامري، ويضم فصائل الحشد الشعبي، بـ47 مقعدًا.

– ائتلاف “النصر” بزعامة رئيس الوزراء حيدر العبادي حل ثالثًا بـ42 مقعدًا.

– ائتلاف دولة القانون 26 مقعدًا.

– الحزب الديموقراطي الكردستاني 25 مقعدًا.

– ائتلاف الوطنية 21 مقعدًا.

– تيار الحكمة الوطني 20 مقعدًا.

 

مقتدى الصدر وحكومة تكنوقراط[2]

مقتدى الصدر شاب له من العمر 44 عامًا، يريد حكومة جامعة غير حزبية، وتحالفه مع الشيوعيين وقادة وطنيين علمانيين، يعود إلى سنة 2005. ولعل شعار تحالفه في الانتخابات، يكشف ما يعتبره أولويات، فقد كان عن الفساد والإرهاب[3].كان مقتدى الصدر قد أكد عبر تغريدات له على حسابه في “تويتر”، أن الحكومة القادمة ستكون حكومة من التكنوقراط، مشيرًا إلى أنه لن تكون هناك “خلطة عطار”، في إشارة إلى أن التحالفات القادمة لن تشهد ترضيات لأطراف بعينها.

 

ورغم التفاؤل الذي يبديه مقتدى الصدر، بشأن إمكانية تشكيل سريع للحكومة العراقية القادمة، أو للائتلاف الذي سيشكل تلك الحكومة،فإن الخبرات السابقة تشير إلى أن الأمر ليس باليسير، ففي العادة تدخل الكتل الفائزة في الانتخابات العراقية، في مفاوضات مطولة، من أجل تشكيل حكومة أغلبية، في وقت لا يستبعد فيه أن تشرع كتل منافسة لتحالف “سائرون” من جانبها، في تشكيل تحالفات أخرى في المقابل.

 

وكان مقتدى الصدر، قد قال بعد لقاء جمعه برئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، إن الباب مفتوح أمام كل الكتل والتحالفات السياسية للمشاركة في الحكومة الجديدة، دونما إقصاء لأحد، في وقت يرى فيه مراقبون أن التحالف بين العبادي والصدر، لتشكيل الحكومة المقبلة، بات شبه مؤكد. وفي تغريدة سابقة، كان مقتدى الصدر، قد ألمح إلى القوائم، التي يفضل التحالف معها لتشكيل الحكومة القادمة، وكان من أبرزها تحالف “النصر”، بزعامة رئيس الوزراء حيدر العبادي، وتيار الحكمة برئاسة عمار الحكيم، وائتلاف “الوطنية” بقيادة إياد علاوي، وقد بدا من التغريدة استثناء الصدر لكتلة “الفتح” بزعامة هادي العامري، وائتلاف دولة القانون بزعامة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي.

ووسط حديث التحالفات السياسية في بغداد، تبدو آمال العراقيين معلقة بحكومة جديدة مختلفة عن سابقاتها، تعالج ملفات الفساد التي تراكمت عبر سنوات، وتخرج بالعراقيين من حالة الطائفية التي سيطرت على بلادهم عبر سنوات طويلة، ويبدو زعيم تحالف “سائرون” مقتدى الصدر، متسقًا مع طموحات العراقيين؛ إذ إنه كرر أكثر من مرة، أن الحكومة المرتقبة هي حكومة ستأخذ على عاتقها محاربة الفساد والعمل على الملفات التي تهم حياة المواطنين. وفي ظل كل هذا، لا يمكن إغفال تأثير الاستقطابات الإقليمية والدولية[4]، على شكل الحكومة المرتقبة في العراق؛ إذ إن التوتر الحاصل بين إيران والولايات المتحدة حاليًا، يلقي بظلاله على الاهتمام الإيراني، ببقاء حلفاء طهران المقربين في الحكومة المقبلة، في حين تسعى واشنطن – أيضًا – للتأثير على التحالفات التي ستشكل مثل تلك الحكومة.

  كيف نجح “سائرون” في الانتخابات؟

وباﻷساس تشير نتائج الانتخابات، إلى أن زعيم التيار الصدري، نجح في بناء سلسلة من التحالفات السياسية؛ حيث يتمتع – حاليًا – بدعم جزء لا يستهان به من الشيعة والعراقيين الراغبين في التخفيف من عواقب الأزمة الاقتصادية، والليبراليين، والمثقفين، واليساريين، ونخبة من رجال الأعمال السنة. وخلال لقائه مع بعض زعماء الكتل السياسية الأخرى، كرر زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، مواقفه التي أعلنها قبيل الانتخابات، من أن هدفه هو وصول تكنوقراط احترافيين، لا موالين لأحزاب معينة، إلى مناصب رئيسة في الحكومة بهدف تشكيل مؤسسات الحكم التي تخدم الناس، لا قوى سياسية.

من هو مقتدى الصدر؟

ولكي نعرف أهم أسباب فوز “سائرون” بأكبر عدد من المقاعد، في الاستحقاق الانتخابي بالعراق، يجب أن نعرف من هو مقتدى الصدر، الذي شكل هذا التحالف ودعمه، فالصدر يتمتع بنفوذ كبير في العراق، وهو ما بدا – جليًا – عقب الغزو الأميركي للبلاد عام 2003، وتميزت مواقفه بمعارضة الوجود العسكري الأميركي، وكان جيش المهدي الموالي للصدر، قد خاض معارك ضد القوات الأميركية في النجف والكوت وغيرهما من المدن العراقية. كما اتهم جيش المهدي بعمليات اختطاف وقتل وتعذيب أثناء المواجهات الطائفية التي شهدتها العراق، والتي بلغت ذروتها في عامي 2006 و2007. توارى الصدر فترة عن الأنظار في عام 2006 بعد سفره إلى إيران إثر صدور مذكرة اعتقال ضده في ذلك العام. وكان الصدر، قد أمر بحل جيش المهدي في أغسطس 2008، بعد أن قاد رئيس الوزراء نوري المالكي، حملة عسكرية ضد الميليشيا اختتمت في البصرة في مارس 2008. ولكن الصدر تصالح مع المالكي فيما بعد، وكان له الفضل في حصول المالكي على فترة ولاية ثانية في عام 2010. وشارك التيار الصدري في حكومة المالكي، وحصل على حقائب وزارية عدة عقب انتخابات 2010. وبعد خروج مظاهرات في محافظة الأنبار، غربي العراق، ضد حكومة نوري المالكي في 2013، دعا الصدر أنصاره إلى تأييد الاحتجاجات ضد المالكي ما دامت سلمية.

مسافة مع إيران وعلاقات مع السعودية

الصدر واحد من قادة شيعة عراقيين قلائل، أبقوا مسافة بينهم وبين إيران، وقد دعا الحكومة العراقية، العام الماضي، إلى تفكيك قوات الحشد الشعبي، التي تدعمها إيران، والتي أدت دورًا مهمًا في القتال ضد مسلحي تنظيم “داعش”. كما دعا الرئيس السوري، بشار الأسد إلى “اتخاذ قرار تاريخي بطولي” بالتنحي عن السلطة، ليجنب بلاده المزيد من سفك الدماء. ويُنظر إليه الآن، باعتباره زعيمًا بارزًا يقود الاحتجاجات الجماهيرية بعد انضمام أنصاره إلى احتجاجات ساحة التحرير في بغداد ضد “فساد الحكومة” العراقية. وشارك أنصاره في مظاهرات ضخمة في بغداد مطالبين بإصلاح النظام الانتخابي.

وفي العام الماضي، زار الصدر، السعودية والإمارات، حيث التقى كبار رجال الحكم، وعلى رأسهم اﻷمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي. ويرى الصدر أن العراق يجب أن تعود إلى الحضن العربي، وأورد الصدر في بيان له عن زيارته اﻷخيرة التي جرت العام الماضي للسعودية: “إننا استبشرنا خيرًا فيما وجدناه انفراجًا إيجابيًا في العلاقات السعودية العراقية، ونأمل أنها بداية الانكفاء وتقهقر الحدة الطائفية في المنطقة العربية الإسلامية”، وكانت أول زيارة قام بها مقتدى الصدر للمملكة منذ عام 2006. وعلى خلفية الانتخابات العراقية علق ثامر السبهان، وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج، وسفير السعودية السابق في العراق، في تغريدة له: “فعلاً أنتم (سائرون) (بحكمة) و(وطنية) و(تضامن) واتخذتم (القرار) (للتغيير) نحو عراق يرفع بيارق (النصر) باستقلاليته وعروبته و(هويته) وأبارك للعراق بكم”، ورد عليه الصدر، أن قراراته وطنية.

لذا، عكس نجاحه حالة من الارتياح، لدى المجتمع العربي ككل[5]،إذ إن هناك الكثير من التغيير الإيجابي ينتظر المشهد العراقي الذي ينشد المزيد من الاستقرار والتماسك لمواجهة العديد من التحديات، أبرزها الطائفية والتدخل الإيراني الموبوء في المنطقة. وفي خضم الحدث، رأت قوى عالمية فوز مقتدى الصدر كمفاجأة، بما يحمله من صفة ذات أهمية في المشهد، وكذلك ما تركه فوز كتلته من قلق لدى الجار الإيراني المعروف بولعه بالفتن وإثارة الاضطرابات ودعم الطائفية والإرهاب. لا شك أن هذا الفوز أثار الذعر في أروقة النظام الإيراني، حيث عبر الجانب الإيراني – ضمنًا – عن قلقه العميق من سعي الصدر المرجح لتقويض نفوذ إيران في العراق، وتهميش حلفاء الملالي، خاصة أن تلك المخاوف دفعت جنرال الإرهاب، قاسم سليماني، إلى السفر مرارًا إلى بغداد، في محاولة واضحة لتشكيل تحالف أوسع بين حلفاء إيران الشيعة، والأطراف الأخرى الراغبة في تشكيل حكومة سهلة الانقياد من قبل طهران.

وبالمقابل، جرت الإشارة هنا، إلى السياسة السعودية القوية وتأثيرها الكبير خلال الأعوام الأخيرة، كونها كانت ضمن دوافع مخاوف إيران التي دفعت بعض مسؤولي الأخيرة، للادعاء بأن السعودية وأميركا ساعدتا في وصول الصدر إلى الفوز، ونسجت وسائل إعلام إيرانية العديد من السيناريوهات المفتعلة لتقوية ذلك الاعتقاد. وربطت المخاوف الإيرانية، التقارب السعودي العراقي، أخيرًا، بأن هدفه إضعاف قوات الحشد الشعبي المدعومة من إيران، وأن فوز مقتدى الصدر قد يكون نقطة تحول في الدور الإيراني في العراق، إذ إن الصدر أثار – بالفعل – مشاعر معادية لإيران داخل البلاد. وإجمالاً، عكس فوز مقتدى الصدر حالة ترقب وارتياح لدى أبرز الجهات السنية في المنطقة، معتبرين أن فوز الصدر فرصة جيدة لتجسيد شعاراته ضد الطائفية ورفض التدخلات الإيرانية وإعادة العراق للواجهة العربية التي تليق بتاريخها، بينما هناك استنفار كبير في دوائر القرار السياسي الإيراني لمنع قيام أي ائتلاف حكومي يستبعد أذرع إيران.

توقعات مرحلة ما بعد الانتخابات

فرضت نتائج الانتخابات العراقية الأخيرة نفسها على المشهد السياسي الذي أفرزته هذه الانتخابات، وآفاق التحالفات المتوقعة لتشكيل حكومة عراقية جديدة، والتركيز على أثر البعد الإقليمي في هذه الانتخابات في ضوء التنافس بين القوتين الإقليميتين البارزتين في المنطقة، السعودية وإيران، الذي فرض ظلاله عليها، خاصة أن نتيجة الانتخابات جاءت على عكس رغبة إيران، وبناء على ذلك من المتوقع أن يحدث التالي:

 أولاً: بعد تراجع حزب السلطة – الدعوة – عن صدارة الاستحقاق الانتخابي، قد يفتح الطريق أمام مشهد جديد بدأت ملامحه تظهر للعيان، بعد أن حدد زعيم التيار الصدري الذي تصدر نتائج الانتخابات شروطه لتشكيل الحكومة المقبلة، وهي:

1-انفتاحه على الجميع واستبعاده للمالكي.

2-أن تكون الحكومة من أصحاب الكفاءات والعابرة للطائفية والفاسدين.

ثانيًا: لمَّا كان اختيار العراقيين محرجًا لإيران حين تركوها وحيدة في مواجهة استحقاقات ما بعد الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي، فإن مقتدى الصدر يعد هو ثاني أصعب امتحان يواجه الوصي الإيراني في بغداد، وصعوبته بالمعنى السياسي أعقد من صعوبة الامتحان الأول الذي تمثّله المرجعية الدينية للسيد السيستاني في النجف. لكن الاثنين في خلاصة اﻷمر والنتائج الختامية، يدلان على نتيجة واحدة: سقوط إيران في العراق، إن لم تشغلها الميليشيات اﻹيرانية بالفتن والعمليات الإرهابية كالسابق.

ثالثًا: التدخل اﻷميركي، في وقت تحول مقر زعيم “التيار الصدري”، راعي تحالف “سائرون”، إلى خلية نحل بسبب كثرة الوفود السياسية التي تبحث معه تشكيل الكتلة النيابية الأكبر، تواصلت واشنطن مع الصدر عبر وسطاء، بعد سلسلة من المواقف الحادة التي اتخذها تياره ضد أميركا. وكل ما يهم اﻷميركيون هنا:

– موقف التيار الصدري عندما يتولى السلطة.

– هل سيعيد إلى الوجود أو يستحضر جيش المهدي، أم يعيد توظيفه؟

– هل سيهاجم القوات الأميركية في العراق؟

وهي لا تزال أسئلة بلا إجابات قاطعة حتى الآن، طرحها الوسطاء على أعضاء تحالف “سائرون”، وهي الإجابات التي ستحدد حجم الدور الأميركي أو عدمه، مستقبلًا. وفي كل اﻷحوال، يبقى عدم امتلاك الحكومة الجديدة، أو استخدامها ﻷي قوة عسكرية، بخلاف قوات الجيش والشرطة والأمن الرسمية، أمرًا حاسمًا وقاطعًا، بل ومفيدًا للمشهد العراقي برمته.

وحدة الدراسات السياسية*

المراجع

[1]    https://bit.ly/2J17SQhنتائج الانتخابات العراقية وفوز الصدر: تفاؤل في المشهد العراقي وقلق إيراني، صحيفة سبق.

[2]    https://bit.ly/2xbdrXGمشاورات عراقية من أجل حكومة تكنوقراط، جريدة البيان.

[3]    https://bit.ly/2LrHBJxعيون وأذان انتخابات العراق.. ربما مستقبل أفضل، جهاد الخازن، جريدة الحياة.

[4]    https://bit.ly/2i4KBxvمقتدى الصدر.. رجل المفاجآت والتكيف مع التناقضات، دويتشه فيله.

[5]    https://bit.ly/2rRDmi1 مقتدى الصدر.. أي مستقبل للعراق وأبعد؟!نديم قطيش، جريدة الشرق اﻷوسط.