رغم الإنكار.. أوروبا تسلح نفسها ضد الاستثمارات الصينية

التاريخ والوقت : الثلاثاء, 27 نوفمبر 2018

إيمانويل سيميا

 

وافقت مؤسسات الاتحاد الأوروبي، أخيرًا، على شروط آلية مخططة لفحص الاستثمار الأجنبي المباشر داخل مجموعة الدول الأعضاء وسط مخاوف بشأن سرقة الحقوق الأوروبية والقيود المفروضة على استثمارات الاتحاد الأوروبي في الصين.

ويبقى أن نرى هل كانت دول الاتحاد الأوروبي المثقلة بالديون، مثل: إيطاليا واليونان والبرتغال، التي تحرص جميعها على جذب الاستثمارات الصينية لتحفيز النمو الاقتصادي وموازنة نسخها، ستدعم نظام التدقيق المقترح، أم لا؟ ومن ثَمَّ يجب اعتماد التشريعات ذات الصلة من قبل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ذات الأغلبية المؤهلة التي وافق عليها البرلمان الأوروبي قبل أن تصبح سارية المفعول.

وتعكف – حاليًا – قيادة الاتحاد الأوروبي على وضع اللمسات الأخيرة على اتفاق بحلول شهر مايو المقبل، بالتزامن مع الانتخابات البرلمانية الأوروبية، كما سيتم تعيين المفوضية الأوروبية الجديدة (الفرع التنفيذي للاتحاد الأوروبي).

ويقول المنظمون في الاتحاد الأوروبي إنهم لا يهدفون إلى مواءمة آليات الفرز الوطنية المختلفة، ولكنهم يريدون تعزيز التعاون وتبادل المعلومات بين الدول الأعضاء واللجنة. فهناك في الوقت الحالي، أقل من نصف دول الاتحاد الأوروبي لديها تشريعات تسمح لها بفحص الاستثمارات الأجنبية الوافدة على أساس النظام العام والأمن القومي.

مخاوف من سرقة المعرفة الأوروبية

يشعر قادة الاتحاد الأوروبي بالقلق من أن الشركات الأجنبية المملوكة للدولة، أو الممولة من قبل الدولة، يمكنها سرقة المعرفة الأوروبية في عدد من المجالات، مثل: الأبحاث والفضاء والنقل والطاقة والاتصالات. ومن وجهة نظرهم، فإن الاستحواذ في بلد أوروبي من قبل مستثمر خارجي لا ينبغي أن يعرض برامج ومشاريع الاتحاد الأوروبي للخطر، أو يهدد أمن الدول الأعضاء الأخرى.

فقد كانت إيطاليا، في الآونة الأخيرة، أكثر ترددًا في التنسيق مع المفوضية الأوروبية بشأن الاستثمارات الأجنبية؛ إذ تكافح دول البحر الأبيض المتوسط من أجل التعافي من أزمة اقتصادية عميقة، وتأمل الحكومات الأوروبية في أن تساعد الاستثمارات الصينية بلدانها في سد الفجوة في البنية التحتية. لكن اللافت أن روما تعارض تمديد قائمة قطاعات الاستثمار التي يمكن فحصها، وكذلك الالتزام من جانب إحدى الدول الأعضاء بمشاركة المعلومات مع المفوضية بشأن المفاوضات مع المستثمرين من خارج الاتحاد الأوروبي.

فالشركات الصينية استثمرت نحو 24.7 مليار دولار في صناعة التكنولوجيا الأوروبية منذ عام 2005؛ إلا أن الاستثمارات الصينية بالاتحاد الأوروبي في هذا القطاع قد تراجعت إلى 200 مليون دولار العام الجاري، وذلك مقارنة بـ12.5 مليار دولار قبل عامين، وفقًا لشركة “تشاينا جلوبال انفستمنت تراكر”. ويمكن أن يُعزى هذا الانخفاض جزئيًا إلى تغير موقف ألمانيا، القوة الرائدة في الاتحاد الأوروبي، التي استخدمت حق النقض (الفيتو) ضد عدد من الاستثمارات الصينية في صناعاتها الحساسة للأمن خلال العامين الماضيين.

لم يكن لدى التنظيم الذي يعمل عليه الاتحاد الأوروبي أي تحيز ضد الصين، لكن الحقيقة هي أن الصين تنتهج سياسة انفصالية في مواجهة الاتحاد الأوروبي، كما يقول “راينهارد بوتيكوفير”، الرئيس المشارك لمجموعة “الخضر” الأوروبية والعضو في وفد برلمان الاتحاد الأوروبي للعلاقات مع الصين، في حوار له مع صحيفة “آسيا تايمز”؛ فهناك أمثلة واضحة على الجهود الصينية في إطار مساعيها لاستخدام النفوذ في دول أعضاء معينة بهدف عرقة القرارات الأوروبية التي تعارضها بكين، وذلك في ضوء تسعة ادعاءات قدمتها الصين في “بحر الصين الجنوبي”، منها: انتهاكات حقوق الإنسان، والممارسات التجارية غير العادلة، حيث تمكن الصينيون من منع الاتحاد الأوروبي من التوصل إلى أي موقف مشترك ضد سياساتهم. وأشارت “مجموعة المحافظين الأوروبيين والإصلاح في البرلمان الأوروبي”، إلى أن إطار الفرز للاستثمارات الأجنبية كان محايدًا للدول، ولم يكن موجهًا إلى الصين تحديدًا، رغم أن بعض المخاوف بشأن الاستثمارات الأجنبية المباشرة في القطاعات الاستراتيجية دفعت المفوضية الأوروبية إلى اقتراح التشريع الدولي.

هنا نشير إلى أن القوة السياسية الرئيسة وراء مجموعة المحافظين التي تتصل بدوائر السلطة في لندن، تنظر إلى الصين كمساند ضد التأثيرات السلبية المحتملة لعملية الخروج من الاتحاد الأوروبي “بريكست”. فمن المتوقع أن يكون لتوقف العلاقات والاستثمارات المتبادلة بين الاتحاد الأوروبي والصين، دور هام في قرار بروكسل بتوسيع سيطرتها على عمليات الاستحواذ الأجنبية على الصناعات الأوروبية الاستراتيجية.

المستثمرون الأوروبيون مقيدون في الصين

ويتهم زعماء الاتحاد الأوروبي الصين بالفشل في ضمان وجود أرضية متكافئة للمؤسسات الأوروبية التي ترغب في العمل في سوقها الضخم؛ إذ تستطيع الشركات الصينية الحصول على أصول في أوروبا، بينما تفرض الحكومة المحلية قيودًا على وصول المستثمرين الأوروبيين إلى الصين، ليصبح المستثمرون الأوروبيون ملتزمون – حاليًا – بمشاركة نظرائهم الصينيين، وفي كثير من الحالات، يشاركونهم الاطلاع على الجوانب الفنية.

علاوة على ذلك، لم تحقق المحادثات بين “بروكسل” و”بكين” حول اتفاقية استثمار ثنائية أي تقدم، وذلك في ظل هذه الخلفية، إذ ليس من المستغرب أن تنخفض استثمارات الاتحاد الأوروبي في الصين في السنوات الأخيرة. فالسياسة الاستثمارية الجديدة للاتحاد الأوروبي، تضع ضغوطًا على الصين، التي تتعامل – أيضًا – مع التحديات التجارية للرئيس الأميركي دونالد ترمب. ومع ذلك، فإن طبيعة عملية صنع القرار في الاتحاد الأوروبي، يمكن أن تعوق المحاولات الأوروبية لكبح جماح الاستثمارات الأجنبية المباشرة الصينية.

فقد أوضح الاتحاد أن القرارات المتعلقة بالتخويل وحق النقض لاستثمار معين من دولة غير عضو، هي “المسؤولية الوحيدة” لبلدان الاتحاد الأوروبي المنفردة. وفي هذا الصدد، لا يعتزم الاتحاد الأوروبي إعداد نسخته من لجنة الاستثمار الأجنبي في الولايات المتحدة. لذا، نجد أنه من الواضح أن هذا يصب في مصلحة الصين، وذلك بالنظر إلى أنه بإمكانها تحسين مصالحها الاستثمارية بشكل أفضل بالتفاوض مع دول الاتحاد الأوروبي بشكل ثنائي بدلاً من الكتلة الأوروبية ككل.

 

المصدر: آسيا تايمز

 

 

 

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر