رئاسة فنزويلا في خطر!

التاريخ والوقت : الإثنين, 5 نوفمبر 2018

رويزس راندم

 

في الوقت الذي تجتاح المنطقة موجات من المهاجرين واللاجئين الفارين من فنزويلا، فإن هذا الحدث الفريد لا يزال قريبًا. ووفقًا للدستور الفنزويلي، تبدأ فترة رئاسية جديدة في العاشر من يناير2019، ومع ذلك، فإن الانتخابات الرئاسية في وقت سابق من هذا العام لم تكن فقط غير عادلة، بل كانت أيضًا غير موجودة من قِبَل الجمعية الوطنية. فلم يعترف أكثر من 50 دولة بنتائج الانتخابات، مما ترك الباب مفتوحًا أمام احتمال عدم الاعتراف بـ”نيكولاس مادورو” رئيساً لفنزويلا من قبل هذه الدول بعد 10 يناير. وفي مواجهة مثل هذا الغموض يبقى التساؤل: كيف سيختار المجتمع الدولي أن تكون استجابته تجاه هذا الأمر؟ وما هي الآثار المترتبة على المضي قدمًا في هذه القرارات؟

 

وفي هذه الأثناء، استمرت الأزمة الإنسانية في فنزويلا في التدهور؛ فقد فرَّ حوالي 2.5 مليون شخص من فنزويلا خلال السنوات الثلاث الأخيرة، ويتوقع أن يقوم الكثيرون بذلك لأن اقتصاد البلد لا يزال ينهار. كما يتوقع صندوق النقد الدولي بأن التضخم في البلاد سيصل إلى 10 بالمئة في .2019 يأتي ذلك في الوقت الذي تواصل الحكومة الفنزويلية فيه رفض المساعدات الإنسانية القادمة من الخارج، وتكثف من الممارسات القمعية في الحياة السياسية، ووفقًا لبعض المصادر الدولية يوجد أكثر من 237 سجينًا سياسيًا محتجزين حاليًا بصورة غير قانونية في فنزويلا.

 

وفي إحدى الحالات، أُخِذَ المُشَرِّع وعضو الجمعية الوطنية “خوان ريكويسينس” رهينة في منتصف الليل في منزله من قبل وكالة الاستخبارات والشرطة الوطنية في فنزويلا “سيبين .”SEBIN وقد تم ذلك دون أمر قانوني، وهو ما يمثل انتهاكًا واضحًا لحصانته البرلمانية. كما أُلقي القبض على “فرناندو ألبان”، عضو مجلس مدينة كاراكاس والمنشق السياسي، بعد عودته من رحلة إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة التي عقدت أخيرًا في نيويورك، وقد توفي بعد ثلاثة أثناء احتجازه في مقرات وكالة الاستخبارات. ورغم الرواية الحكومية أن “ألبان” انتحر قفزًا من الطابق العلوي في” سيبين”، فإن ثمة أدلة على تعرض” ألبان” للتعذيب؛ لأن رئتيه كانتا مملوءتين بالماء. وعلاوة على ذلك، فقد اعترف منسق التحقيقات الوطني للمشرحة التي تلقت جثة” ألبان” في كاراكاس، بأنه قد تغيرت نتائج التشريح بسبب ضغط من قبل أحد المسؤولين الكبار.

 

وكرد فعل للأنشطة الإجرامية التي قامت بها حكومة فنزويلا، والتي تشمل الاتجار بالمخدرات، فرض عدد من الدول في مقدمتها عقوبات على أكثر من 70  مسؤولاً رفيعي المستوى من الحكومة الفنزويلية وأعضاء عسكريين، من بينهم “نيكولاس مادورو” و”ديلسي رودريغيز”، نائب الرئيس. ومع ذلك، لا يزال “مادورو” ودائرته الداخلية، مُتمسكين بالسلطة على حساب رفاهية الشعب الفنزويلي. وفي مؤتمر CSIS الذي عقد في الأميركتين هذا الشهر، وصف السفير وليام براونفيلد، مساعد وزير الخارجية السابق لشؤون المخدرات الدولية وتطبيق القانون، فنزويلا بأنها “ليست فقط دولة مخدرات، بل هي دولة مافيا”.

 

قصة حكومتين

تتمثل مشكلة شرعية فنزويلا في مؤسساتها الموازية، حيث يوجد في البلاد محكمتان قضائيتان؛ واحدة في كاراكاس، تم تعيين أعضائها من قبل “مادورو”، وأخرى في المنفى، تم تعيينها من قِبَل الجمعية الوطنية الشرعية. وقد حكمت المحكمة الموجودة في المنفى التي تسمى “محكمة العدل العليا الشرعية”، أو TSJ باللغة الإسبانية، والتي تجتمع في مبنى البرلمان الكولومبي، بضرورة منع “مادورو” من منصبه التنفيذي. كما أمرت بإصدار أمر اعتقال دولي ضده بتهمة غسيل الأموال والفساد. وأيد كل من الجمعية الوطنية و”لويس ألماغرو” الأمين العام لمنظمة الدول الأميركية (OAS) الحكم وشجعوا الاعتراف العالمي بحكم .TSJ ومن غير المستغرب أن تختار حكومة “مادورو” عدم الاعتراف بأي من أحكام من محكمة أمن الدولة، التي تستبعد فعليًا أي آلية قد تضطر المعارضة إلى التحقق من سلطة حكومة”مادورو”.

 

وبعد أن سيطرت أحزاب المعارضة على الجمعية الوطنية في عام2016 ، ردت حكومة “مادورو” بتشكيل الجمعية الوطنية التأسيسية غير الشرعية (ANC) . وفي العام الماضي، تم انتخاب 545 من العناصر المؤيدة للنظام في “حزب المؤتمر الوطني” عن طريق تصويت تم شجبه عالميًا على أنه غير ديمقراطي. فقد حل حزب المؤتمر الوطني-  بحكم الواقع، وليس بحكم القانون – محل الجمعية الوطنية الشرعية، ذلك أن هدف المؤتمر الوطني، الذي أخرجه “نيكولاس مادورو” ودائرته الداخلية، ليس مجرد إعادة صياغة الدستور، ولكن أيضًا إنشاء نظام سياسي مشترك مع السلطة المطلقة، على غرار النظام في كوبا. ورغم عدم اعتراف المجتمع الدولي، استمر حزب المؤتمر الوطني الإفريقي في إطلاق السلطات، وتفكيك المؤسسات، مثل الجمعية الوطنية، وسن القوانين الجديدة، وتعديل الدوائر الانتخابية.

 

إلى جانب ذلك، فلدى فنزويلا أيضًا اثنان من المدعين العامين الرئيسيين. ففي أغسطس 2017 تم إقالة “لويزا أورتيغا دياز”، الموالية للرئيس السابق تشافيز، من قبل حزب المؤتمر الوطني بعد أن قضت 10 سنوات في منصب المدعي العام الرئيسي في البلاد. ومن خلال العمل بالمنفى في الخارج، قادت “أورتيغا” سلسلة من التحقيقات مع “مادورو” ومسؤولين حكوميين آخرين حول انتهاكات حقوق الإنسان والفساد. وتشمل الأدلة الداعمة لأورتيغا، التي قدمت إلى المحكمة الجنائية الدولية، ادعاءات بالفساد الكبير، بالإضافة إلى أكثر من 8000 عملية قتل خارج نطاق القضاء على أيدي قوات الأمن الحكومية منذ عام .2015 وعلى الرغم من أن فنزويلا تعتبر من أكثر الدول فسادًا في العالم، فإن طارق وليام، المدعي العام الفعلي، الذي عينه حزب المؤتمر الوطني، يؤكد جميع الادعاءات الواردة من الخارج. ومع ذلك، يستمر الضغط الدولي المتواصل، خاصة بعد أن أصدرت منظمة الدول الأميركية ومجموعة من الخبراء الدوليين المستقلين، تقريرًا في هذا العام يشرح الجرائم ضد الإنسانية المرتكبة في فنزويلا. وبعد هذا التقرير، حَثَّت ست دول في أميركا الجنوبية وكندا وفرنسا، المحكمة الجنائية الدولية على التحقيق في فنزويلا بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وهو ما يحتمل أن تتبعه عدد من الدول الأخرى مثل ألمانيا.

 

شرعيةمادورو” في خطر

يمكن تقدير شرعية الرئيس من خلال سلطاته الحقيقية، بالإضافة إلى الطريقة التي يمارس بها سلطته. ففي الوقت الذي تم فيه الطعن في شرعية “مادورو” الأصلية بسبب اتهامات بالتزوير في الانتخابات الرئاسية لعام 2013 ، فإن شرعية “مادورو” بقيت سليمة على المستوى الدولي، وهو ما أكده وجود “مادورو” في الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي.

 

وعلى النقيض، ظلَّت شرعية “مادورو” موضع تحدٍ مستمر على مدى السنوات الست الماضية بسبب انتهاكات حقوق الإنسان والفساد والأنشطة غير المشروعة الأخرى، إلا أنه بعد الانتخابات الرئاسية غير الشرعية لهذا العام، أصبحت شرعية “مادورو” الأصلية في خطر.

 

لقد شهدت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في فنزويلا التي أجريت في 20 مايو من هذا العام، أدنى نسبة مشاركة في تاريخ البلاد الانتخابي. ونظرًا لكون الجمعية الوطنية غير موجودة، فقد اتسمت الانتخابات بالتحديات الكبرى التي تواجه شرعية الجهات الفاعلة والإجراءات الانتخابية، فضلاً عن الادعاء بقمع الناخبين. وإيمانًا منها بأن ديمقراطية فنزويلا لا يمكن إعادتها بالوسائل الانتخابية في هذا المنعطف، قاطعت أغلبية الأحزاب المعارضة الانتخابات. ومع ذلك، فمن خلال الإجراءات غير العادلة وفي ظل غياب الشفافية، أعلن “المجلس الوطني الانتخابي” الرسمي أن” مادورو” هو الفائز والرئيس المنتخب.

 

ما الذي يمكن للمجتمع الدولي القيام به بعد 10 يناير؟

للإجابة عن هذا السؤال نشير إلى أنه إذا اختار المجتمع الدولي تحدي حق “مادورو” في الاستمرار في منصبه بعد 10 يناير، فستكون لديه الخيارات التالية:

1-  تعليق اعتماد سفراء فنزويلا الحاليين وإعادتهم للوطن.

2-  الاعتراف بشرعية الجمعية الوطنية المنتخبة والمحكمة العليا الموجودة في المنفى.

3-  الاعتراف بالأحكام السابقة للمحكمة العليا في المنفى.

4-  حظر أي اتفاقات دولية أخرى مع نظام “مادورو”.

5-  رفض تأشيرات الدخول لأعضاء النظام الفنزويلي، وفي حالة الأنشطة غير المشروعة، الاستعداد للاحتجاز والمحاكمة.

إن عدم القيام بأي شيء يترتب عليه عواقب وخيمة بالنسبة لفنزويلا والمنطقة بأسرها. في حين أن سوء الممارسة الانتخابية في فنزويلا، قد أدى إلى تآكل الثقة في السلطات، مما أدى إلى اندلاع أعمال عنف، ذلك أن النتائج كانت دائمًا ما ترجح كفة “مادورو” ودائرته الداخلية. وبعد عقدين من المعارك السياسية، يحترق الشعب الفنزويلي أو الموجودون في المنفى. ومن ثَمَّ، فإن محاولة التنسيق من قبل المجتمع الدولي لإجبار” مادورو” على ترك منصبه بالطعن في شرعيته، قد يساعد الفنزويليين على استعادة بلدهم.

المصدر:مركزالدراساتالاستراتيجيةوالدولية

 

 

 

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر