رؤية تحليلية للشرق الأوسط في السياسة الخارجية الأميركية

التاريخ والوقت : الثلاثاء, 30 أكتوبر 2018

كيلي ويلر

تفرض الأحداث التي يشهدها الشرق الأوسط، خلال السنوات الأخيرة، على الجميع، التفكير بشأن ما تعتزم الولايات المتحدة القيام به في هذه المنطقة. فمن الواضح، أن ممارسات واشنطن في المنطقة، كان لها ارتباط مباشر بالعنف والتوتر السياسي الذي شهده الشرق الأوسط. ففي ظل عوامل، مثل الأسلحة النووية، وتنظيم “داعش”، وحالة الحرب التي مزقت بعد البلدان، مثل: سوريا وليبيا، كل ذلك يصل بنا إلى أنه لا أحد متأكد من إمكانية التعامل مع كل تلك المشكلات المعقدة في وقت واحد. ومع أنه من البديهيات أن بعض المحاولات أجريت لتحسين الصورة العامة، إلا أن الأمور لم يتم تعديلها تمامًا، كما أنه تمَّ توجيه الكثير من النقد لـ”خطة العمل” الأميركية المزعومة، أو – بالأحرى – عدم وجودها؛ وهو ما يسعى المنظر وعالم السياسة “ستيفن والتز”Stephen M. Waltتفسيره بشكل تحليلي.

يلفت “والتز” انتباهنا لحقيقة أن الولايات المتحدة تفتقر إلى خطة استراتيجية للتعامل مع شؤون الشرق الأوسط، حيث لم يعد لدى واشنطن أي خطة عمل واضحة لمواجهة الفوضى التي تتكشف مع الوقت؛ ذلك أن القيادة العدوانية للولايات المتحدة، والنهج العسكري الذي تتبعه، في الآونة الأخيرة، بات غير ذات جدوى، وهنا يشير “والتز” إلى أن الجيش الأميركي غير مصمم، أو ليس على درجة مناسبة من الكفاءة في مساعيه لدعم إنشاء مؤسسات سياسية محلية، فكلما زادت القوى العسكرية التي نحاول استخدامها، يصبح العنف أكثر بروزًا في المشهد العام بالشرق الأوسط.

في هذا السياق، تتعدد أوجه النقد الموجهة لواشنطن بسبب اعتمادها على قواعد قديمة للعبة ترجع إلى أربعينيات القرن العشرين؛ فقد أجبرت واشنطن نفسها على الدخول في منطقة الشرق الأوسط، واضطلعت بلعب دور القائد أو “شرطي المنطقة”، ففي مواجهة العمل على الحفاظ على القوات البرية والجوية الأميركية في المنطقة، ثار الكثير من الغضب والازدراء الذي أدى في وقت لاحق إلى هجوم أسامة بن لادن على مركز التجارة العالمي في 11 سبتمبر 2001.

وتتعدد المؤشرات التي تؤكد التورط غير المبرر للولايات المتحدة الأميركية في الشرق الأوسط، إذ يبدو الوضع برمته في الشرق الأوسط في طريقه لأن يصبح أفضل حالاً لو لم تكن واشنطن قامت بدور الوسيط العالمي. فلم تسوء الأوضاع في المنطقة إلا بعد هجمات 11 سبتمبر. فمنذ تزايد الحضور الأميركي في المنطقة بعد 2001، نجد أن الأوضاع آلت – كما يرصدها ستيفين والتز – إلى أن: “سوريا في حالة خراب، وتنظيم القاعدة لا يزال قوة فاعلة، كما ينشط تنظيم “داعش” ويزداد عنفًا حول العالم، ومزقت الحرب كلاً من ليبيا واليمن، أمَّا عملية السلام ففي حالة يرثى لها”.

ينبغي للولايات المتحدة أن تنسحب من شؤون الشرق الأوسط، وأن تسعى لبناء الثقة مع حلفائها مرة أخرى، فضلاً عن ضرورة الدخول في اتفاقيات التجارة وإمدادات الطاقة.

وترجع الأزمة بدرجة كبيرة إلى كلٍّ من جورج دبليو بوش، وديك تشيني اللذَين شرعا في جهود وهمية لإحداث “التحول الإقليمي”، وهو ما انتهى إلى نتائج كارثية. وفي هذا السياق، جاء انتخاب الرئيس السابق باراك أوباما بناء على وعوده بإنهاء الحرب في العراق، وإعادة بناء علاقات أميركا مع العالم الإسلامي، وإنجاز حل الدولتين، ووضع العلاقات الأميركية مع إيران على أسس جديدة. لكن سياسة أوباما في الشرق الأوسط، لم تكن أكثر نجاحًا من سياسة سلفه غير الفاعلة. والواضح أنه لم يفِ أحد بوعوده بشأن الشرق الأوسط، سواء كان ديمقراطيًا أو جمهوريًا. فالمطلوب إذًا، هو تغيير واضح في نهج السياسة الخارجية لواشنطن.

تتأثَّر كل من الولايات المتحدة، وإيران، وبقية دول الشرق الأوسط، بالخيارات التي يتم الجوء إليها في هذا الشأن، حيث تتعرض المنطقة لضغوط شديدة بسبب التوترات المتزايدة بين الجماعات السنية والشيعية، والصراع العرقي، فضلاً عن الفوضى، ومن ثَمَّ، فإن حكومات هذه الدول ليست مؤثرة تأثيرًا فاعلاً.

ويمكن الإشارة إلى التحالفات والصفقات بين الولايات المتحدة وإيران، مثل: الاتفاق النووي، الذي توصل إليه باراك أوباما، على أن يشكل التحالف بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط علاقة أفضل في المستقبل. كما أن العالم بأسره يتأثر بقرارات الولايات المتحدة المتصلة بالعلاقات الدولية في المنطقة؛ فقد أدت الاضطرابات التي شهدتها المنطقة إلى تشكيل جماعة “داعش” الإرهابية، التي كانت مسؤولة عن الهجمات في جميع أنحاء العالم. وقد شكلت الأصولية الدينية العالمية، لأن المثل الدينية في الشرق الأوسط تختلف كثيرًا عن العديد من المناطق الأخرى في العالم، فضلاً عن أن العديد من تلك الأماكن أصبحت قوى عظمى كالولايات المتحدة وفرنسا وروسيا.

ورغم تعدد المسؤولين المشاركين في الصفقة الخاصة بالاتفاق النووي، لكن الجزء الأكبر من المسؤولية يقع على الرئيس أوباما، الذي لم تكن سياساته ناجحة مقارنة بسلفه بوش، وهو ما يفرض على صانع القرار الحالي في واشنطن أن يأخذ تداعيات ذلك في الحسبان عند صياغة توجيهات السياسة الخارجية. فالعلاقات الدولية في الشرق الأوسط تعدُّ واحدة من أكبر اهتمامات القادة والمواطنين حول العالم. فبخلاف ما يرى البعض، نجد أن الليبرالية لن تحل أي مشكلة في الشرق الأوسط. فالولايات المتحدة التي تحاول أن تظهر على صورة “أضعف”، وأكبر على مستوى متساوٍ مع دول الشرق الأوسط، لن تحل أيًا من مشاكلها. وهذا ما يرجح أن يسهم في تأجيج النيران المشتعلة بالفعل. ففي حين تبدو واشنطن بمثابة تهديد للدول الأصغر، فإن القوة الواضحة للولايات المتحدة، هي التي تقف خلف بقاء المتطرفين في الشرق الأوسط، وقدرتهم على الإقدام على تصرفات تهدد واشنطن نفسها. فالوجود العسكري مهم في المناطق التي مزقتها الحرب والأماكن التي تعرف جماعات مثل “داعش”، وإن الطريقة الوحيدة التي يمكن من خلالها التغلب على الجنون والعناد، هي التسبب في الخوف نفسه. لذا، فإنهم يعرفون إن كانوا قد قاموا بالتهديد في الاتجاه العام لأي شخص، فيجب عدم التسامح معه.

إن الدول ذات السيادة التي ترى المشاكل في الشرق الأوسط كتهديد لسلامة مواطنيها، يجب أن تشكل تحالفات مع دول أخرى ذات سيادة ترغب كذلك في المساعدة في المنطقة. فإذا أبدت دول أخرى قلقها في الشرق الأوسط، ولم تكن الولايات المتحدة حاضرة بشكل بارز في المنطقة، فمن المتوقع أن تحدث زيادة في النشاط الإرهابي في الشرق الأوسط ومناطق أخرى بالعالم. وعليه، يجب أن تبقى التجارة مفتوحة بين الشرق الأوسط، ومناطق أخرى في العالم، ما دام الجميع على استعداد للتعاون مع بعضهم بعضًا. لكن ينبغي أن تكون هناك إمكانية لقطع العلاقات مع تلك المنطقة في العالم بأي وقت، إذا لم تعد ترغب في اعتماد قواعد اللعبة ذاتها، في مواجهة الاحتفاظ بالأسلحة النووية، وتوفير ملاذ آمن للإرهابيين، وما إلى ذلك، وإلا ستتوقف كل سبل التجارة ولن تعود الأموال إلى التدفق لاقتصادها.

كما ينبغي أن تكون المنظمات الحكومية الدولية، مثل الأمم المتحدة، قادرة على التوصل إلى اتفاق حول كيفية التعامل مع دول الشرق الأوسط في حال تحولها إلى السلوك العدواني. وبالطبع، فإن باقي دول العالم في حاجة إلى اختيار المعركة بحكمة، ذلك أن الأوقات الوحيدة التي يجب أن تتدخل فيها دولة ما في شؤون بلد آخر، هي “إذا كان وجود هذه الدولة مطلوب من قبل الدولة التي تعاني من محنة، أو أن الوضع في الأراضي الأجنبية، لديه القدرة على المساس بالأمن القومي، أو الثراء الاقتصادي للدولة الخاصة”. خلاف ذلك ، لا ينبغي أن يضيع الوقت والمال أو القوى العاملة.

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: فورين بوليسي Foreign Policy

 

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر