دعم القوات المسلحة لجمهورية إفريقيا الوسطى من منظور السلام المفقود

التاريخ والوقت : الثلاثاء, 4 سبتمبر 2018

أرشيبالد هنري

 

جذبت جمهورية إفريقيا الوسطى اهتمامًا دوليًا جديدًا، أخيرًا، عقب مقتل 3 صحفيين روسيين في 30 يونيو الماضي، في ظروف غامضة بمنطقة “أسمية” من قبل قوات الأمن الداخلية وقوات الأمم المتحدة لحفظ السلام. وبحسب الأخبار التي تواترت، كان الصحفيون يحققون في أنشطة “فاجنر”، وهي مجموعة عسكرية روسية خاصة معروفة بوجودها في أوكرانيا وسوريا، وكانت شركتا التعدين “لوبي” للاستثمار Lobaye Invest، وسيوا للخدمات الأمنية Sewa Security Service، قد تأسستا في جمهورية إفريقيا الوسطى أواخر عام 2017 في أعقاب صفقة أسلحة مع روسيا. كما استثمرت الصين والولايات المتحدة وفرنسا أموالاً كبيرة في القوات المسلحة لجمهورية إفريقيا الوسطى، أو القوات المسلحة الفرنسية، من خلال التبرع بالعديد من المعدات العسكرية. إذ يهدف الدعم المقدم من الأمم المتحدة والشركاء الدوليين والشركات الخاصة، بمختلف أشكاله، إلى مساعدة جهود الحكومة لتحقيق الاستقرار، لكن واقع واتجاهات الأحداث الأخيرة تشير إلى ضرورة إجراء تعديلات على ذلك.

 

جهود الأمم المتحدة في دعم الاستقرار

كان المكون المحوري للدعم الدولي لتحقيق الاستقرار في جمهورية إفريقيا الوسطى، هو بعثة الأمم المتحدة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار. وقد انتشرت البعثة في 2014، حيث كانت مكلفة بالمساعدة في استقرار الحالة الأمنية وتوسيع سلطة الدولة، في أعقاب انهيار حكومة “فرانسوا بوزيزي” في مارس 2013، وحل حركة التمرد التي أطاحت به في “سيلكا” سابقًا. كما تمثلت مهمة البعثة الأممية في حماية المدنيين من مخاوف التطهير العرقي، وتسهيل العملية الانتقالية، ودعم إصلاح قطاع الأمن وبناء المؤسسات.

على حين أن الاشتباكات بين الحكومة والمتمردين هدأت إلى حد بعيد، ورغم جهود البعثة الأممية، فإن القتالبينهملا يزال جاريًا في العديد من المناطق في وسط جمهورية إفريقيا الوسطى وجنوبها وغربها؛ حيث تستمر الهجمات على المدنيين وقوات حفظ السلام والعاملين في المجال الإنساني بشكل كثيف. وفي الوقت نفسه، فإن مناطق الشمال الشرقي والجنوب الغربي من البلاد التي يسيطر عليها مقاتلو الجبهة الشعبية الذين كانوا جزءًا من ائتلاف “سيلكا” والحكومة فيما سبق، لا تزال مستقرة في الغالب. وقد تمكنت البعثة الأممية من مساعدة القوات المسلحة لكوت ديفوار وقوات الأمن الداخلي في إعادة السيطرة على المحاور والطرق الرئيسية بين العاصمة “بانغي” والحدود الكونغولية والكاميرونية. وقد تمذَ نشر قوات حفظ السلام، أخيرًا، بمنطقة بانجاسو Bangassouفي الجنوب، وسيبوت Sibutفي الوسط، وباويو Paouaفي شمال غرب، وقد شهدت مدن استراتيجية، مثل “بامباري” بعض الاضطرابات منذ ذلك الحين، لكنها لم تستفد بعدُ من وجود القوات المسلحة التي وعدت بها الحكومة.

 

الفاعلان الثنائيان ومتعددو الأطراف

منذ أواخر 2017 ظهرت توترات حول كيفية دعم الشركاء المختلفين، سواء على المستوى الثنائي، أو متعدد الأطراف للقوات المسلحة لإفريقيا الوسطى. وعلى الرغم من حظر الأسلحة المفروض عليها منذ 2013، نجحت روسيا في الحصول على إعفاء من مجلس الأمن الدولي لنقل أسلحة خفيفة وذخيرة إلى الحكومة، مخصصة لكتائب القوات المسلحة لإفريقيا التي قام الاتحاد الأوروبي بتدريبها. فقد تمَّ نشر المدربين العسكريين والمدنيين الروس في يناير 2018 لدعم قوات حفظ السلام ومعاونتها وتدريب قوات دفاع وأمن إضافية، وتوفير الأمن الشخصي للرئيس “توديرا”. وفي يوليو، وبعد ضغط من روسيا، حذف البيان الرئاسي لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، إشارة صريحة إلى سياسة المنظمة الدولية الخاصة بحقوق الإنسان المتعلقة بتدريب القوات المسلحة لجمهورية إفريقيا الوسطى، حيث يمثل ذلك البيان إطارًا يسترشد بدعم الأمم المتحدة للقوات المسلحة المدعومة من الاتحاد الأوروبي.

لقد تمَّ تمديد عمل بعثة التدريب العسكري التابعة للاتحاد الأوروبي في جمهورية إفريقيا الوسطى حتى سبتمبر 2020، وتوسعت مهمتها لتشمل التعاون العسكري المدني لوزارة الداخلية. وفي أغسطس الجاري، وقعت موسكو وبانغي، اتفاقًا جديدًا للتعاون العسكري، وهو أحدث مثال على مساعي دعم المؤسسات الأمنية في جمهورية إفريقيا الوسطى.

وبينما تسيطر الجماعات المسلحة على ما يقرب من 80% من البلاد، وهي مساحة تقترب من حجم مساحة إسبانيا، لا تملك القوات المسلحة لجمهورية إفريقيا الوسطى سوى سبعة آلاف جندي من القوات النشطة التي يتركز معظمها في العاصمة. تتضامن جميعها مع الشركاء الخارجيين والمانحين، حيث حددت الحكومة خطة طموحة حتى عام 2022 تتضمن إنشاء جيش نظامي قوامه 9900 جندي ينتشر في أربع مناطق يتوزع نصفهم خارج “بانغي”، بما في ذلك مدينة “نديلي” الشمالية.

تمثل عملية نشر القوات في جمهورية إفريقيا الوسطى، مسألة طويلة ومفككة بالفعل، حيث تمثل الخطة المذكورة آنفًا أكبر التحديات أمام الحكومة، ولا سيَّما فيما يتعلق بالعمليات السياسية الجارية. وفي خضم جهود الاتحاد الإفريقي لتيسير الحوار في جمهورية إفريقيا الوسطى، حاول المسؤولون الروس التوسط في المحادثات بين الجماعات المتمردة والحكومة، وهو عرض قوبل بالشكوك أو الرفض من قبل ممثلي كلا الجانبين، وهو ما ينذر بموجة من التصعيد العسكري؛ إذ ربَّما يحدث إعادة تجميع للمتمردين، كما حدث في “كاغا باندورو” في الآونة الأخيرة.

 

المعوقات التي تواجه الدولة في بناء السلام

في الوقت الذي يبدو فيه تطور مهني ملحوظ على قدرات القوات المسلحة لجمهورية إفريقيا الوسطى، فإن هذه الجهود ينبغي ألا تقتصر على المحاولات لإيجاد حل سياسي شامل للنزاع. وهنا يجب على الجهات الفاعلة الخارجية تجنب إغراء الدخول في مزاد البيع الواضح الذي تنظمه حكومة جمهورية إفريقيا الوسطى حتى يمكن وضع معايير محددة لتحقيق الاستقرار. وكما توضح حالات مثل جنوب السودان، فإن بناء الدولة يمكن أن يمثل مسعى محفوفًا بالمخاطر، عندما يخدم مساعي النخبة السياسية والعسكرية للحصول على الإيجارات التي تمول ميزانياتها وتغذي سياسات المحسوبية.

فقد دعا البيان الرئاسي الأخير لمجلس الأمن بشأن جمهورية إفريقيا الوسطى، السلطات الحكومية إلى إصلاح قطاع الأمن بإنشاء “قوات دفاعية وأمن داخلي متعدد التمثيلات العرقية ومجهزة جيدًا”. فالقوات المسلحة تبدو عليها، أخيرًا، مؤشرات تدل على التجهيز الجيد والمهنية، ولكن لا يبدو عليها أي تقدم ملحوظ فيما يتعلق بالطابع العرقي للقوات. وتاريخيًا كان أعضاء قوات حفظ السلام المدربون جيدًا، يمثلون مصدرًا للصراع وعدم الاستقرار من الانقلابات والتمرد. وهنا يثور السؤال: هل الاستمرار في تمديد سلطة مؤسسات الدولة هو الحل الصحيح؟ ظاهريًا، سرعان ما يتحول الأمر إلى استقرار خادع.

 

الجغرافيا الاقتصادية لتحقيق الاستقرار

شهد هذا العام تقاربًا ملحوظًا في المصالح بين الحكومة التي تطالب بتحقيق السلام والجهات الخارجية التي تحاول الحصول على موطئ قدم في جمهورية إفريقيا الوسطى. ورغم الهامش الجغرافي الاستراتيجي النسبي، فإن البلاد لديها مناجم من ألماس وذهب ويورانيوم، وتقع على أطراف طرق التجارة عبر القارة شمالاً وجنوبًا وبين الشرق والغرب. وكما هو الحال في الصومال وجمهورية الكونغو الديمقراطية وبلدان أخرى، يبدو أن السباق لدعم القوات المسلحة في جمهورية إفريقيا الوسطى غير قابل للاستمرار ويؤدي إلى نتائج عكسية. وحتى الآن، يتم السعي إلى هذه الجهود فقط كجزء من منطق بناء القوة الصلبة الخاضع للحسابات الجيوسياسية – الخالية من أي اعتبارات أمنية إنسانية ومنفصلة عن دعم جهود السلام.

وبعيدًا عن الجوانب التقنية لإصلاح القطاع الأمني​​، ينبغي على الشركاء، سواء على المستوى الثنائي، أو متعدد الأطراف، طرح أسئلة صعبة حول الأبعاد النوعية لعمليات نشر القوات، حيث ينبغي عليهم مواءمة جهودهم وتشجيع الحكومة على وضع معايير واضحة فيما يتعلق بشمولية قوات الدفاع والأمن، وبذل جهود نوعية في علاقتها مع المجتمع والمجتمعات المحلية. وبالتالي فمن المتعين على الجهات الفاعلة الخارجية المضيفة أن تكون أكثر تناسقًا ووضوحًا في الكيفية التي تنوي بها تدريب وتجهيز القوات المسلحة لإفريقيا والمساعدة في نشرها.

 

نحو نهج مستدام للسلم

في ضوء القيود السابقة، فإن ثمة حاجة ماسة إلى نهج جديد يكون السلام هو الهدف النهائي بدلاً من الاستقرار. وبالنظر إلى أولوية مكانة الأمن، فإن تتبع كلٍّ من العمليات الحالية للوساطة المحلية، ومؤسسات الحكم غير الرسمية، والحوار المجتمعي الهادف إلى منع العنف، ومشاركة الشباب في بناء السلام، يشكل خطوات أفضل لوضع أسس السلام المستدام ذاتيًا؛ وهو ما يحتاج إلى شركاء مساعدين لحكومة جمهورية إفريقيا الوسطى، مع الاعتراف بهذه القدرات المرنة من أجل السلام والبناء.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: جلوبال أوبزرفاتوري Global Observatory

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر