داعش يطل برأسه القبيح

التاريخ والوقت : الإثنين, 10 سبتمبر 2018

تحليل/ جوزيف هووب

كيف يعيد تنظيم داعش الارهابي ظهوره بالعراق؟

تكمن الإجابة على هذا السؤال بأنه وباختصار “لم يتركها أبدا”؛ فرغم أوامر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بـ “إبادة داعش”، إلا أن أعضاء التنظيم لا يزالوا موجودين ويشنون هجمات في سوريا والعراق. فقد سقطت الخلافة ولم تعد الجماعة تحتفظ بالأراضي الشاسعة ولا السكان الذين كانوا يسيطرون عليها فيما سبق. ومع ذلك، فإن مقاتلي التنظيم لم يختفوا بعد. وبدلا من ذلك، فقد عاد تنظيم الدولة إلى سابق عهده كتنظيم إرهابي متطرف. وقد قام مركز “صوفان” بالولايات المتحدة بتقييم البيئة التي يعمل بها التنظيم باعتبار “إن ما يحدث في العراق إنما هو أقل من عودة للتنظيم الإرهابي، كما انه أكثر من ظهور من جديد له، فالعديد من هؤلاء المقاتلين لم يغادروا في الواقع، لكنهم في حالة شتات مؤقت”.

يتوافق كل من الأمم المتحدة والولايات المتحدة على أن ثمة ما يصل إلى 30 ألف فرد تابعين للتنظيم ما زالوا موجودين في العراق وسوريا. ويقدر “جيسون وارنر” و”شارلوت هولم” بمركز مكافحة الإرهاب في ويست بوينت مؤخرا أن هناك نحو 6 ألاف مقاتل إضافي ينتشرون في جميع أنحاء إفريقيا حيث يساهم إقليم غرب افريقي بأكثر من نصف إجمالي العدد. وتستمر داعش في ممارسة نفوذها في الخارج من خلال “ولاية خراسان” بأفغانستان بالإضافة إلى المؤيدين بالفلبين وإندونسيا وجميع أنحاء العالم والهند والمحيط الهادي.

وقد تلقى هؤلاء الأفراد التشجيع والتوجيه من قائد التنظيم “أبو بكر البغدادي”، من خلال مقطع صوتي الشهر الماضي. حيث دعاهم من خلال رسالته إلى المثابرة مدعياً بأن الوقت قد حان لبعث التنظيم من جديد، وهو ما ربما يكون في إطار استراتيجية وظيفية للتنظيم بالعراق.

تغيير بسيط

بدأ وجود تنظيم داعش بالعراق من خلال “تنظيم القاعدة في العراق”، وهو أحد الفروع التابعة لتنظيم داعش العالمي الذي كان يتزعمه أبو مصعب الزرقاوي. وقد وجد التنظيم موطيء قدم له في العراق من خلال الفوضي التي سببها الغزو الأمريكي عام 2003، ليعيد التنظيم تقديم نفسه تحت مسمي “الدولة الإسلامية في العراق”، بعد وفاة مؤسسه عام 2006. وفي مواجهة ضغوط الصحوة في الانبار والقوات الأمريكية عام 2007 نجح التنظيم في البقاء انتظارا حتى تصبح الظروف مناسبة.

وقد أسهم رئيس الوزراء العراقي الأسبق، نوري المالكي وهو السياسي الشيعي في المقام الأول، بخلق البيئة المناسبة لظهور التنظيم من خلال منح معاملة تفضيلية على كافة المستويات التشريعية والسياسية للشيعة في العراق. ونتيجة لذلك كان كثيرون من السنة العراقيين يشعرون بخيبة أمل وغربة في بلدهم، لذا فقد كانوا غير مكترثين بداعش في بادئ أمرها، إن لم يكونوا داعمين لها بالأساس. فقد كتبت ريناد منصور بمؤسسة كارنييجي للسلام الدولي عام 2016 أن افتقار خيارات المشاركة السياسية السنية إلى جانب “الصراع السني الداخلي” أسهم في تطور الأمر فيما بعد؛ فبعد انسحاب القوات الأمريكية عام 2011، تركت قوات الأمن العراقية بمفردها لمحاربة التنظيم المتطرف، ما يعني توريط لقوات الأمن.

وقد سعت الدراسة التي نشرتها “لجنة مكافحة الإرهاب” في وقت سابق من هذا العام إلى تحليل اتجاهات الرأي العام في الموصل، عاصمة التنظيم بالعراق. وفي حين وُصِفَت إلى حد كبير بأنها “فاسدة ووحشية ومنافقة”، أشار 93 ٪ من المشاركين في الدراسة إلى أن داعش كان له آثار إيجابية في البداية. وحتى الآن، وبعد أن فقد التنظيم سلطته، كان معظم المؤيدين على ثقة بأن داعش لن يختفي قريبا؛ حيث كان المجتمع السني بشكل عام يعاني من الانقسام.

وبعد انهيار “الخلافة”، بدأ العراق إجراءات قضائية بحق آلاف من المتهمين بالانتماء لتنظيم. وبينما تعتبر المحاكمات عنصراً ضرورياً وإيجابياً في حل النزاعات، سرعان ما انحرفت المحاكم العراقية، مما أدى إلى استمرار المحاكمات لمدة لا تتجاوز 10 دقائق، فقد تعرض الأبرياء من السنّة لخطر الانحراف في هذه المحاكمات.

وقد تدخلت الميليشيات الشيعية كداعم لقوات الامن العراقية في مواجهة حالات الإفلات من العقاب، مما عزز التفاوت في السلطة بين السنة والشيعة بالعراق؛ فمع القطيعة السنية والصراع الداخلي وحالات الفرقة التي تفشت بالمجتمع العراقي، تزايدت الضغوط على عاتق الحكومة لفرض الأمن وقمع العنف.

الاندماج السياسي

ربما كانت أكبر نتائج الانتخابات العراقية هذا العام هي صعود مقتدى الصدر، رجل الدين الشيعي و زعيم الكتلة البرلمانية الفائزة؛ فقد تبني الصدر خطاباً يقوم على تشجيع الوحدة العراقية والتخلي عن الانقسام السياسي خلال حملته الانتخابية. ومع ذلك، فقد اتهمت مجموعته أيضا بالعدوان في الماضي ضد السنة. إلا أنه لا يزال بالإمكان التنبؤ بالطريقة التي سيقود بها الصدر والبرلمان الجديد العراق، وفرض الأمن، وتكوين علاقات مع المجتمعات السُنّية.

ويبدو أن المجتمع السني ما زال يعاني من صراع داخلي، وما زال يواجه تحديات من قِبَل الدولة العراقية. هنا نشير إلى أن زيادة تقاسم السلطة على مستويات عالية، بالاضافة إلى المزيد من الاستقلالية عند مستويات منخفضة من الأمور الأساسية لتخفيف الضغط على المجتمعات السنية وإعادة اندماجها مع الدولة. وبدون المشاركة السياسية ، ومواجهة التحديات المؤسسية، ربما يستمر الكثير من المواطنين السنة في دعم أو عدم الاكتراث بالجماعات المتطرفة مثل “داعش”. ورغم أن التنظيم المتطرف ذاته فسها فقد جاذبيته بين معظم أهل السنة في العراق، فإن الظروف التي غذّت نموها السابق لا تزال موجودة.

مما لا شك فيه أن أعضاء المجموعة قد اختفوا وسيواصلون شن هجماتهم في المستقبل المنظور. ومن المحتمل ألا يعود داعش أبداً إلى الدرجة التي وصل إليها منذ سنوات. ومع إعادة وضع واستراتيجية تهدف لجذب المزيد من السكان المحليين، بجانب حكومة فوضوية غير قادرة على توفير الأمن، من المحتمل أن يقوم تنظيم الدولة الإسلامية بإدارة استعادة بعض القوة التي فقدها.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: آسيا تايمز

 

 

 

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر