حان الوقت لأن تعزز الهند اندماجها في آسيا الوسطى

التاريخ والوقت : الخميس, 7 مارس 2019

براتامش كارل

 

في السادس عشر من نوفمبر، وبعد ما يقرب من عقود ثلاثة لظهوره في السبعينيات من القرن الماضي، وضع رئيس طاجيكستان “إيمومالي رحمونوف” التوربين الأول لـ”محطة روغون الكهرومائية المتحركة” في مشهد احتفالي تاريخي حضره الآلاف. وبعد تفكك الاتحاد السوفييتي، ظلت محطة الطاقة الكهربائية الطاجيكية، واحدة من أهم العقبات في علاقاتها الثنائية مع الدولة الجارة لها أوزبكستان. فمثل هذا المشروع وعلى مدار عقود، مثَّل عقبة أمام بناء الثقة بين دول آسيا الوسطى التي تميزت بالنزاعات الحدودية والمشاكل العرقية والصراعات للسيطرة على الموارد الطبيعية. ومن هنا، فإن بداية عمل “التوربينات” الستة التي يتم التخطيط لها في مصنع “روغون” تمثل تطورًا مرحبًا به – ليس فقط للمنطقة، ولكن أيضًا بالنسبة للهند التي تأمل في تعزيز مشاركتها مع دول المنطقة.

واستشعارًا لرياح التغيير في منطقة آسيا الوسطى، قررت الهند تعزيز مشاركتها مع دول المنطقة من خلال تنظيم “حوار الهند ووسط آسيا” لأول مرة على مستوى وزراء الخارجية. وفي حين أن هذا المنبر لا يعدُّ جديدًا، لأنه موجود منذ أن أطلقه وزير الدولة للشؤون الخارجية في الهند، “إي. أحمد” في مدينة بيشكيك عام 2012، إلا أنه المرة الأولى التي يجتمع فيها وزراء خارجية جميع بلدان آسيا الوسطى الخمسة بمبادرة تقودها الهند، جنبًا إلى جنب مع وزير خارجية أفغانستان. ويتفق الكثير من المراقبين من آسيا الوسطى على أن هذا السيناريو كان يبدو بعيد المنال قبل بضع سنوات، نظرًا للتوتر في العلاقات بين دول آسيا الوسطى.

لقد كان تفاعل الهند مع دول المنطقة ملحوظًا على مدى عقدين من الزمن، ففي السنوات الأولى اعتمدت الهند على إعادة إحياء الروابط الحضارية القديمة مع المنطقة التي دشنت الأساس لبناء الثقة وحسن النية. وقد تبع ذلك ما عرف بـ”سياسة تسليط الضوء” على “القوة الناعمة” الهندية، إذ قدَّمت “نيودلهي” المساعدة في بناء القدرات وتنمية الموارد البشرية وتكنولوجيا المعلومات والأدوية والرعاية الصحية…إلخ. وقد كانت الفكرة الأساسية لهذا التوجه تكمن في العمل على ضمان “حسن النية” ومشروع “الهند الصادقة” في تعاملها مع دول المنطقة، وذلك من أجل تعزيز علاقاتها التجارية. ومع ذلك، فإن عدم وجود نهج مركّز تجاه المنطقة، إلى جانب العلاقات المتوترة بين دول آسيا الوسطى، قد أعاق إمكانيات دعم العلاقات الاقتصادية بين الجانبين. وانطلاقًا من ذلك، يجب النظر إلى “حوار الهند ووسط آسيا” الذي تمَّ تدشينه أخيرًا، بقدرٍ من الجدية.

لقد كان هذا الحدث مهمًا بالنسبة للسياسة الهندية من خلال بُعدين:

الأول: أن سياسة الهند تجاه آسيا الوسطى وصلت إلى المرحلة التالية؛ إذ يركز النهج الحالي على تعزيز العلاقات من خلال إضفاء الطابع المؤسسي على تلك العلاقات. واقترح وزير الشؤون الخارجية الهندي، إنشاء مجلس أعمال بين الهند وآسيا الوسطى ومجموعة تنمية آسيا الوسطى من أجل زيادة تعميق المشاركة والعمل كمنبر لوضع مقترحات ملموسة.

ومن خلال دعوة أفغانستان، تمكنت الهند من ربط سياسة آسيا الوسطى بأفغانستان والعكس صحيح، إذ تأمل “نيودلهي” حاليًا أن تنجح في محيط “آسيا الوسطى” في مجال التنمية الاجتماعية والاقتصادية والاستقرار السياسي في أفغانستان، وهو ما من شأنه أن يؤدي إلى تحسين التواصل والتكامل الإقليمي، بما يمكن أن يفيد الحكومة الهندية. ومن ثَمَّ، تحقق أفغانستان ووسط آسيا ارتباطًا وثيقًا فيما بينهما من منظور مشاركة الهند مع كلا الكيانين.

وتأتي محاولات الهند الأخيرة للاندماج مع دول آسيا الوسطى في وقت مناسب جدًا؛ إذ تبدو فيه احتمالات التكامل الإقليمي أكثر إمكانًا من أي وقت مضى؛ ذلك أن الأوضاع في أوزبكستان بعد وفاة الرئيس السابق “إسلام كريموف” قد بشَّر بعهد جديد من المناخ السياسي النابض بالحياة في المنطقة تحت قيادة الرئيس الحالي “شوكت ميرزيوييف”. فمنذ وصوله إلى السلطة عام 2016، ركَّز الرئيس الأوزبكي على حل قضايا البلد المزمنة مع جيرانه بموجب سياسة “عدم وجود مشاكل”، وهو النهج الذي تجلى في العديد من المشاريع المشتركة التي أعلن عنها خلال العامين الماضيين. وبالمقارنة مع تأشيرة “شنغن” الأوروبية، اقترحت كازاخستان مشروع “فيزا الحرير” الذي سيسمح للسائحين بزيارة دول آسيا الوسطى بتأشيرة واحدة. وبينما تمَّ تقديم الاقتراح أول مرة إلى أوزبكستان، أعربت قيرغيزستان وطاجيكستان – أيضًا – عن اهتمامهما بهذا الأمر.

واقترح رئيس كازاخستان “نور سلطان نزارباييف” إنشاء منطقة اقتصادية، على طول الحدود مع أوزبكستان، وذلك على غرار “مركز خورجوس” مع الصين. ووافقت أوزبكستان وطاجيكستان على فتح 10 معابر حدودية، ما أنهى سنوات من العلاقات العدائية التي تهيمن عليها النزاعات الحدودية.

بالإضافة إلى ذلك، فقد قامت تركمانستان بالتواصل مع أوزبكستان حينما تمَّ افتتاح أعمال تشييد طريق “عشق أباد – تركمان أباد” السريع بطول 600 كيلومتر في 11 يناير 2019. ويربط الطريق السريع عاصمة تركمانستان بحدودها مع أوزبكستان. ويمثل ذلك المشروع جزءًا من سياسة التنويع الاقتصادي في تركمانستان وسط تزايد الاعتماد على الإيرادات من خلال صادرات الغاز باستخدام إمكاناتها الجغرافية الاقتصادية. ويسمح المشروع – أيضًا – لأوزبكستان، وهي دولة غير ساحلية بالأساس وتعدُّ مصدرًا رئيسًا للمعادن والسلع الزراعية، بالوصول إلى سواحل بحر قزوين. ومن المقرر أن يكتمل الجزء الآخر من مشروع الطريق السريع الذي يربط “عشق أباد” بشواطئ قزوين بحلول عام 2020. وتعدُّ كل هذه المشاريع والمبادرات مؤشرًا على تطور مناخ الثقة خلال العامين الماضيين.

وبناء على ذلك، فقد حان الوقت لكي تعمل الهند على تعميق تعاملها مع دول آسيا الوسطى، إذ تبدو العلاقات بين دول آسيا الوسطى في تنامٍ إلى مستويات لم يسبق لها مثيل؛ ذلك أن التكامل السياسي والجغرافي في نطاق آسيا الوسطى، يعدُّ أمرًا مهمًا بالنسبة للهند، التي تتمثل أهدافها في “الارتباط” بدول المنطقة.

ثم إن ذلك يوفر فرصة للاستثمار في العديد من مشاريع الطاقة الكهرومائية وغيرها من المشاريع التي لا يمكن تنفيذها دون تعاون بين اثنين من دول الإقليم. فقد كانت محطة “روغون” للطاقة نفسها مثالاً تقليديًا لمشروع متوقف يتطلب التعاون بين طاجيكستان وأوزبكستان بسبب الأنهار المشتركة. وفي حين تتعاظم الحاجة لبعض التدابير اللازمة لتعزيز التكامل السياسي والجغرافي، نجد أنها بدأت وستستمر في التوسع بشكل ملحوظ، ومن ثَمَّ سيكون التكامل الاقتصادي في وضع أفضل. وكذلك، ومن أجل جني ثمار وفوائد التنمية المستدامة، يجب على الهند توفير منبرٍ لدول المنطقة يسمح لها بمناقشة القضايا المتعلقة بالاتصال والنقل واللوجستيات فيما بينها. وفي حين اقترحت الهند إنشاء مؤسسات للحكومات والشركات للتفاعل في إطار حوار الهند وآسيا الوسطى، يجب عليها – أيضًا – دعم المبادرات التي من شأنها حل القضايا الاقتصادية فيما بينها.

وبالاستناد إلى ما سبق، ينبغي للهند أن تساعد في تنظيم ودعم وتقديم خبرتها لإنشاء “مجلس النقل الإقليمي لدول آسيا الوسطى” الذي اقترحه الرئيس الأوزبكستاني؛ إذ سيكون ذلك المجلس المقترح بمثابة منصة لحل مشاكل النقل والقضايا اللوجستية. بجانب ذلك، فقد اقترحت كازاخستان أخيرًا، إنشاء تجمع (كونسورتيوم) يربط شبكات السكك الحديدية بين كل من كازاخستان وتركمانستان بميناء “تشابهار”، ومن ثَمَّ يمكن نقل البضائع من آسيا الوسطى إلى الهند. وعلى هذا، نجد هناك إرادة سياسية ومبادرة مناسبة من جانب دول آسيا الوسطى بهدف تنويع تعاملاتها مع الهند بشكل كبير، فضلاً عن الاستجابة لدعوتها إلى التكامل الإقليمي؛ ولذا ينبغي للهند اغتنام الفرصة من أجل توسيع حدودها الاقتصادية على الجبهة الشمالية.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر/ مؤسسة أوبزيرفر للأبحاث

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر