جسر إلى الصين: مدينة الحرير في الكويت

التاريخ والوقت : الأربعاء, 15 مايو 2019

جوناثان جوفيت

منذ افتتاحه في أوائل شهر مايو، يربط جسر الشيخ جابر الأحمد الصباح، الذي يبلغ طوله 36 كيلومترًا، وبتكلفة 3.6 مليار دولار، المنطقة الشمالية بالعاصمة الكويتية، وهو ما من شأنه خفض الرحلة التي تقطعها السيارة من 3 ساعات إلى 30 دقيقة فقط.

ذلك أنه من خلال الخروج من المياه لخليج الكويت، فإن هذا الجسر يعدُّ أكبر بكثير من مجرد محاولة الهروب السريع من العاصمة. كما أنه يشكل رابطًا أنيقًا بواحدة من المناطق الجغرافية الرئيسية في العالم، وهي الطرف الشمالي الضيق للخليج، حيث يتشاطر كلٌ من الكويت والعراق وإيران الممر المائي الاستراتيجي لشط العرب.

وعلى الشاطئ الجنوبي من شريان الحياة البحري هذا، تخطط الكويت حاليًا لإنشاء مدينة كبرى في المستقبل، وهو المشروع الذي يتكلف نحو 100 مليار دولار، ويعرف باسم مدينة الحرير Silk City. ولا ينظر إلى هذا المشروع باعتباره يسهم في تطوير الدولة الغنية بالنفط فحسب، بل إنه يهدف إلى تحويل الكويت إلى مركز إقليمي لقوة عالمية صاعدة وهي الصين. 

ومن المقرر أن ينضم هذا المركز الجديد لمنظومة النقل واللوجستيات والمالية في شمال الخليج إلى “مبادرة الحزام والطريق” الطموحة (BRI) لجمهورية الصين الشعبية. وفي هذا يقول “ديجانج سون”، أستاذ ونائب مدير معهد دراسات الشرق الأوسط بجامعة شنغهاي للدراسات الدولية، “إن الصين تعدُّ بالفعل أكبر مستثمر في الخليج والشريك التجاري الثاني لدِوَلِه”، وأن “الكويت أصبحت واحدة من أكثر الشركاء نشاطًا في مبادرة الحزام والطريق، حيث تتطلع إلى الشرق من أجل دعم مخططات التنمية الاقتصادية، بينما تتطلع الصين إلى الغرب”.

الحدود الشمالية

يقع الجسر الذي صممه الفرنسيون وخبراء من كوريا الجنوبية على الشاطئ، حيث تضم هذه المنطقة القليل من الطرق ومحطات الكهرباء وبعض المنازل المتناثرة، وتحيط بها الصحراء.

ويرى مخططو “مدينة الحرير” مستقبلًا تتحول فيه هذه المنطقة وجزيرة البوبيان المجاورة لشبه جزيرة الفاو العراقية التي تقع على مسافة قصيرة من ميناء أم قصر العراقي.

ومن المتوقع أن تمتد المدينة من ميناء مبارك الكويتي الجديد، الذي لا يزال قيد الإنشاء في جزيرة البوبيان، بتكلفة تصل إلى 9 مليارات دولار، وهو الميناء الأغلى، حتى يصل إلى السبيعية، فيصل الجسر إلى الشاطئ.

كما سينضم لهذه المنطقة مطارٌ دوليٌ، ومنطقة تجارة معفاة من الرسوم الجمركية، واستاد أولمبي، وبرج يبلغ طوله كيلومترًا وحدًا، فتتسع لتشمل إسكانًا وأماكن عمل ومرافق للبيع بالتجزئة والترفيه لنحو 700 ألف شخص.

ويجادل المدافعون عن هذا المشروع بأن المدينة ستساعد الكويت على تحقيق عددٍ من الأهداف، حيث تحاول تنويع اقتصاد الكويت الذي يعدُّ سادس أكبر احتياطي للنفط في العالم، بما يعزز مكانتها الإقليمية والعالمية. كما سيساعد عددًا كبير من السكان المقيمين على الحدود مع العراق في تأكيد الحكم الكويتي على هذه المنطقة الفارغة إلى حد بعيد.

فبعد غزو العراق عام 1990، كما يقول أحد المطورين اللبنانيين المقيمين في الكويت، أدركت الكويت أن السكان عامل استقرار جيد للأرض، وهم خط الدفاع الأول، وبالتالي فإن مدينة الحرير تعدُّ وسيلةً لتعزيز السيادة على هذه المنطقة. ومن ثَمَّ، فإن هذه المدينة تهدف إلى ترسيخ الكويت في صورة عالمية أكبر.

وهو ما أكده الشيخ ناصر صباح الأحمد الصباح، النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء، ووزير الدفاع الكويتي، للتلفزيون الكويتي في شهر مارس، إذ قال إن “اختيار المنطقة الشمالية يهدف إلى تحويل الكويت إلى مركز دولي للاستثمارات الأجنبية الضخمة”، كما أن المشروع “سيمكننا من الوصول إلى أماكن بعيدة مثل البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط ​​وتركيا وأوروبا الشرقية”.

الصعود الصيني

تلعب الصين من خلال هذه الاستراتيجية الواسعة دورًا رئيسيًا. وكان الشيخ ناصر الصباح قد تحدث بعد فترة وجيزة من اجتماعه مع وفد كبير من جمهورية الصين الشعبية، عن التوقيع على عدة مذكرات تفاهم رئيسية يرتبط بعضها بالمرحلة الأولى من مدينة الحرير. 

ويقول “جوناثان فولتون”، الأستاذ المساعد في جامعة زايد بأبو ظبي، ودرس شؤون الصين والخليج منذ فترة طويلة، إن “كل هذا الأمر يتناسب مع العنصر البحري في مبادرة الحزام والطريق؛ حيث تشارك الصين في ميناء خليفة بأبو ظبي، وميناء الدقم في عمان، وجيزان في المملكة العربية السعودية، وبورسعيد في مصر، وميناء جيبوتي. ويمكن أن تكون الكويت جزءًا من هذا، بينما تتصل أيضًا بالطرق البرية لطريق الحرير الجديد عبر آسيا وصولاً إلى إيران والعراق”.

ومن المرجح أن تعكس مشاركة الصين في المشروع، وخاصة في الميناء،  خطوة ذكية من جانب الكويت، حيث يُنظر إلى جمهورية الصين الشعبية في كثير من الأحيان على أنها طرف محايد في هذا الجزء من الخليج.

كما يقول “ديجانج صن”: “تتمتع الصين بعلاقات جيدة مع الجميع حيث لا يتعارض معها أحد من دول المنطقة”.

ويضيف المُطَوِّرُ اللبناني أنه “بالنسبة للكويت، فمن مصلحة كل من جيرانه، العراق وإيران، أن يرى الميناء كمرفق صديق، وهو ما يعزز إمكانية قيام الكويت بدور أكبر في المنطقة، حيث تمثل قناة للأسواق الأخرى.”

ومع ذلك، فإن العراق والكويت لديهما العديد من القضايا الخلافية فيما بينهما، مثل أسرى الحرب الكويتيين الذين ما زالوا مفقودين في حرب 1990-1991، وكذلك تعويضات الحرب العراقية، التي ما زالت بغداد تدفعها حتى الآن.

وتقوم العراق حاليًا بتطوير ثاني أغلى ميناء في العالم، وهو ميناء الفاو الكبير بالبصرة الذي تبلغ تكلفته 8 مليارات دولار، بالقرب من ميناء مبارك الكبير، وذلك على الرغم من أن التقدم في هذا المشروع كان بطيئًا.

وفي الوقت نفسه، اقترح الشيخ ناصر، الذي يعد القوة الدافعة وراء الجسر، وكذلك مدينة الحرير، أن تكون المدن الكبرى الجديدة محكومة بقواعد مختلفة عن بقية الكويت.

وقد أعلن للتلفزيون الكويتي أن ذلك يهدف إلى القضاء على “البيروقراطية المؤلمة”، لذا تمَّ اقتراح مشروع جديد بشأن المدينة من شأنه أن يخلق ثقافة أكثر ليبرالية في المنطقة. 

وقد تسبب هذا المشروع في إثارة المخاوف لدى بعض الكويتيين المحافظين، حيث وصفت البرلمانية “صفاء الهاشم” القانون المقترح بأنه “إنشاء دولة داخل الدولة” وقالت إنه “أخطر قانون رأيته على الإطلاق”.

وفي الوقت نفسه يقول “فولتون” إن “الحياد الصيني في الخليج يعدُّ قراءة خاطئة جدًا”، ذلك أن “الصين ليس لديها أجندات استعمارية تجاه الدول الأخرى، إلا أنها لا تزال لديها أجندة قوية جدًا، فالصين باتت تصدر أخيرًا إشارات قوية بأنها تريد المزيد من لعب دور الوسيط النشط في الخليج مستقبلا”. فالصين تريد الاستقرار، مع توفير فرص للعمل والاستثمار، إذ يعدُّ ذلك الطريق إلى السلام في المنطقة.

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: آسيا تايمز 

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر