ثقافة البحر الأحمر تعود للمشهد.. بعد تحديات التطرف الديني والفهم الخاطئ للتكتل السياسي

التاريخ والوقت : الأربعاء, 20 فبراير 2019

عبدالله الذبياني

 

مقدمة

هناك شبه اتفاق على تعريف الثقافة بأنها هي السلوك الاجتماعي، وتعدُّ مفهومًا مركزيًا في الأنثروبولوجيا، يشمل نطاق الظواهر التي تنتقل من خلال التعلم الاجتماعي في المجتمعات البشرية.

ووفق ذلك، فإن الثقافة، فضلاً عن الخطوط العريضة للإنتاج الفكري والأدبي، تشمل الفن بفروعه وتشمل أنواع الطبخ وأشكال البناء بمظهره الخارجي وتفاصيله الداخلية. ورغم أن مفهوم الثقافة واسع جدًا ومتفرع لدى علماء الأنثروبولوجيا وله تقسيماته الاجتماعية والطبقية، إلا أن المفهوم أعلاه يعتبر مظلة واسعة لبقية التعريفات والتصنيفات.

رؤية العلا

قبل أيام أطلق الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، رؤية العلا، وفي تصريحات صحافية قال الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان إن “رؤية العلا” تسعى إلى إحداث تحولات مسؤولة ومؤثرة في المحافظة، وذلك من خلال العمل المتوازن بين حفظ وصون التراث الطبيعي والثقافي الغني، والمشروعات الطموحة للمملكة العربية السعودية لتهيئة المنطقة للترحيب بالزوار من جميع أنحاء العالم.
بدوره قال الرئيس التنفيذي للهيئة الملكية لمحافظة العلا المهندس عمرو المدني: إن تدشين رؤية العلا يعدُّ خطوة طموحة نحو حماية التراث الطبيعي للمنطقة ومشاركة تاريخها الثقافي الثري مع العالم أجمع. وبالنسبة للسيّاح، فإن زيارة العلا تعدُّ رحلة عبر الزمن؛ فلكل صخرة فيها قصة تحكى، ونحن نسعى للكشف عن مكامن الجمال في هذا المكان وتقديمه كهدية للعالم أجمع، مشيرًا إلى أن الهيئة الملكية لمحافظة العلا تعمل على تطوير المنطقة بعمل شراكات قوية مع خبراء ومختصين عالميين، وإحدى هذه الشراكات مع الوكالة الفرنسية لتطوير العلا  .AFALULA

من جانبه أكد الرئيس التنفيذي للوكالة الفرنسية لتطوير العلا، جيرارد ميستراليت، أن تدشين الرؤية لهذه الوجهة الاستثنائية يبعث على الإلهام، ونحن نتطلع إلى مواصلة تعزيز شراكتنا مع الهيئة الملكية لمحافظة العلا لإنشاء وجهة عالمية للزوار من مختلف أنحاء العالم.

السياحة ثقافة إنسانية

في يوليو 2009 كتبت مقالاً لصالح صحيفة (الاقتصادية) قلت فيه إن “هيئة السياحة عليها أن تبرز الدور الحضاري للمملكة بالدرجة الأولى. إن تسويق المملكة سياحيًا في العالم، يحقق رغبة الإنسان حول العالم للوقوف على منطقة جغرافية أسهمت في بناء جزء من تاريخه وتراكمه الحضاري، فالحضارة الإنسانية لم تقم على عرق واحد، بل هي نتاج بناء إنساني مشترك”.

إن بلادنا بجغرافيتها الحالية التي تأسست على يد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن، لا تقل مساهمتها في حضارة الإنسان عن بعض الدول التي يقوم اقتصادها أساسًا على جلب السياح من بقية أصقاع العالم للوقوف على خلفيات حضارية وتاريخية. هذا من جهة. من جهة ثانية، فإن المملكة التي باتت تعيش حراكًا سياسيًا متزنًا يضعها في موقعها الطبيعي عالميًا وإقليميًا، وتتبوأ مركزًا اقتصاديًا يحجز لها مكانًا في أكبر 20 اقتصادًا حول العالم، لا ينقصها البعد الحضاري ليكتمل مثلث الدولة المؤثرة. (الاقتصادية).

ولذلك حين يرد أو نورد مصطلح (ثقافة البحر الأحمر) فنحن نتحدث عن ثقافة قابلة للقياس والملاحظة، وهي فعلاً موجودة على أرض الواقع.

ثقافة البحر الأحمر

رغم أن الثقافة يصنعها الإنسان وليس المكان، غير أن المكان يلعب دورًا أساسيًا في طبيعة هذه الثقافة ومسلكها، لجهة طبيعة المكان (جبال – سواحل – صحراء)، ونوعية البشر الذين يجتذبهم إليه، ومع مرور السنين يمتزج البشر القادمون أو الموجودون أصلاً في المكان مع بعضهم ومع المكان، لتظهر مع مرور الوقت ثقافة خاصة. هذا يحدث في أي مكان وفي أي وقت.

لكن نحن بصدد الحديث عن ثقافة البحر الأحمر، وهي ثقافة تستند إلى ثلاثة عوامل أساسية، ولا يمكن القول أبدًا إنها تتفرد بذلك في العالم، لكنها مختلفة من حيث بنيتها وطبيعة البشر القائمين عليها. أول هذه العوامل أنها تستند إلى عمق حضاري إنساني كبير، فكثير من الآثار تعود إلى آلاف السنين ويتم اكتشافها تباعًا هناك، ففي الجانب السعودي هناك مدائن صالح والعلا، وفي الجانب المصري عديد من الآثار الفرعونية والرومانية (حضارة عميقة في الجانبين).

العامل الثاني، حركة الهجرة بين ضفتي البحر الأحمر، وتحديدًا بين الجانبين السعودي والمصري، فكثير من السكان تتخالط جذورهم في الضفتين، وهذا بدوره يظهر ثقافة ممتزجة ذات ملامح متشابهة في الجانبين.

العامل الثالث، تشابه البيئة في الضفتين وتشابه الثقافة أصلاً قبل أن تتحد وتظهر بصورة جديدة، فتجد في الغالب نفس الحكايات والأساطير وأشكال الرقص والغناء والموروث، بل وثقافة الأكل والمسكن، متماثلة بدرجة كبيرة لدى سكان البحر في جانبيه السعودي والمصري تحديدًا.

هذه الظروف الطبيعية مع المعطيات التاريخية والدينية، شكلت مع مرور الوقت ما يمكن أن يسمى (ثقافة البحر الأحمر)، حتى إن البشر في هذه المنطقة أو الساحل على الجانبين لا يهتمون بجذورهم بقدر اهتمامهم بالمكان، باعتباره الجذر الأقوى في وجودهم. بالتالي فإن إحياء سياحة الآثار في الضفة السعودية من البحر الأحمر، ستقود بطبيعة الحال إلى إعادة ثقافة البحر إلى المشهد، وكما قلنا هي ثقافة مختلفة ولها تركيبتها الخاصة (عبقرية المكان).

بعض الدول الصغيرة جغرافيًا والمحدودة من حيث عدد السكان لا تتفهم أن يكون هناك أكثر من شكل ثقافي في بلد واحد، ولذلك فإن مثل هذه الشعوب تنظر للسعودية ومصر ككتلة ثقافية واحدة، بنفس النظر لها ككتلة سياسية واحدة وهذا خطأ كبير جدًا، نتاجه أن تلك الشعوب نتيجة وجودها في نسيج ثقافي واحد مع الوحدة السياسية، هي بمفهوم عام تعتقد أن كل وحدة سياسية تمثل ثقافة واحدة. لكن المشكلة الحقيقية أننا بقصد أو بدون قصد عززنا هذا الأمر، وتمَّ تصديره للخارج وفقًا لهذا المبدأ: الكتلة السياسية هي بالضرورة ثقافة واحدة.

كيف غابت وكيف تعود

لكن كيف حدث ذلك؟ واجهت ثقافة البحر الأحمر تحديين كبيرين في العقود الثلاثة الأخيرة، الأول غير ممنهج، بل حدث نتيجة الخطاب السياسي والإعلامي الذي ركز بدرجة أعلى على التكتل السياسي في الخليج خاصة بعد حرب احتلال الكويت، وأصبحيرمز لكل مكون ثقافي في الدول المشكلة لمجلس التعاون باعتبارها ثقافة خليجية… فأصبحت الثقافة السعودية بكل تنوعاتها وعمقها ثقافة خليجية، ولم يعد هناك في الخطاب حديث أو بحث عن الاختلاف في ثقافة الجنوب السعودي أو ثقافة مدن البحر الأحمر. وهذا مع الوقت أدى إلى ما يمكن تسميته (المسخ) الثقافي، فأصبحت كل ثقافات دول التكتل السياسي (مجلس التعاون الخليجي) بكل فروعها (الإنتاج الفكري والفن والأكل والسكن)، ثقافة خليجية.. وهذا انطوى على ظلم للتاريخ والجغرافيا في عدة دولة، أبرزها السعودية.

التحدي الثاني الذي واجهته ثقافة البحر الأحمر مع باقي ثقافات المناطق السعودية، هو التشدد الديني، والمنهج الذي يعتبر الاختلاف الثقافي معوقًا لانتشاره وتمدده وسط مجتمعات تلك الثقافات، وبالتالي حلت محل ثقافة البحر الأحمر ثقافة جديدة، تستند إلى توحيد التفاصيل وليس الأطر العامة فقط، حيث ظهرت بصورة ممنهجة (الثقافة الإسلامية)، التي تلغي كل ما يتعارض معها (يتعارض معها وليس مع الدين). طبعًا هذان التحديان ومن باب العدالة لا يقتصران على ثقافة مدن البحر الأحمر، بل طال كل ثقافات المملكة المتنوعة والعميقة… ومثال حي على ذلك ثقافة عسير (الإنسان والمكان).

خاتمة

كما يتم حاليًا إحياء ثقافة البحر الأحمر ضمن الميزة النسبية لجغرافية السعودية، فمن المؤكد أو المؤمل أن يتم العمل على إحياء ثقافات أخرى كادت تندثر في فترة سابقة، ليس إلا من باب المثال حين نورد في هذا الصدد ثقافة: عسير (ثقافة رجال ألمع)، وثقافة جازان وهذه لديها طقس سنوي يستحق المأسسة وهو (مهرجان الحريد). ولا شك أن كل منطقة في السعودية لديها ميزة نسبية في منظومة السياحة والثقافة

كاتب وباحث سعودي*

@Abdullah_athe

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر