توبة عائض القرني

التاريخ والوقت : الأربعاء, 8 مايو 2019

أمجد المنيف

 

يعلم الجميع أن كل الديانات السماوية، والقوانين المدنية، تدعو للتوبة والتراجع، وتدعم دائمًا تصويب الشخوص والأفكار أكثر من نفيها للأبد. لا أعتقد أن أحدًا يستطيع مصادرة العودة من أي شخص؛ لأنها تعبر عن الإدراك الحديث، وتشرح الاقتناع الآني، بعيدًا عن الحرث في النوايا وشلالات التخوين.

للتوبة مساران: خاص، يتعلق بقناعات وأفكار الشخص، وممارساته الذاتية، وترمي بالضرورة إلى استبدال وضع جديد بوضع سابق انتهى. المسار الآخر: يتعلق بحقوق الآخرين، فإذا كان ما يوجب التعويض أو ما شابه، فلا يمكن الاكتفاء بالمسار الأول.

أظن أن التوبة الأشهر هذه الأيام، هي توبة عائض القرني من الصحوة، وما صاحبها من لغط. شخصيًا، لديَّ بعض النقاط التي أود الإشارة إليها:

– كثير من رجال الدين، الذين كانوا متطرفين في فترات سابقة، ثم قرروا القفز إلى “مشروع التسامح”، تجاوزوا الوقوف بنقطة أخطاء الماضي. مهما وصل الداعية من درجة المناهضة للتطرف؛ يجب عليه أن (يصفّر) عداد المراحل السالفة. هذا ما فعله القرني، ويجب أن يفعله كل الذين غيروا من توجهاتهم، وتحديدًا فيما يتعلق بالفتاوى، والتراجع عنها.

– عندما لا نقبل اعتذار القرني، هل نريد أن نبقيه متطرفًا للأبد، أم هو إلغاء غير معلن؟!.. مهما كانت الدوافع، التي جعلته يقول ذلك، يجب أن نأخذ بالرسالة الأسمى، والمتمحورة حول محاربة التطرف ودعم التسامح، وتشجيع آخرين للعودة، ومنح غيرهم السبب في التفكر مجددًا.

– اعتذار القرني سلط الضوء على “الإسلام السياسي”، ومحاولة عدة دول تقودها تركيا وقطر لتوظيف مشاريع الإسلام لتحقيق الأجندة السياسية. وهذا التسليط مهم للتعاطي مع المرحلة بشكل أوضح، وأميل لوصفها بأنها أهم من التحولات المتعلقة بالفكر والمجتمع؛ لأنها أخطر، وتأثيرها ممتد وعميق.

– السمة الأبرز، مع أي ماضٍ لا نريد الانتماء إليه، هي صناعة المستقبل. الوقوف كثيرًا في الحديث عن مرحلة قديمة، دفعت الظروف والمعطيات والرغبة السياسية تغييرها؛ هو بقاء فيه وإعادة تصديره.. كل المجتمعات التي قرَّرت التغيير، سامحت ومضت.

– مع عدم تبرئة المتطرفين، يجب أن نقول إن التسليم التام لأفكار معينة هو مشاركة في المرحلة. لا يمكن أن نرمي كل شيء على الآخرين، ونتجاهل محدودية المقاومة، وضعف المجابهة، أو تناسي الظروف المحيطة والأدوات.

الآن، بدأ عائض القرني في دحرجة الكرة الشجاعة.. لكن السؤال الأكبر: من التالي؟ وما هو موقف البقية؟ الضبابية لن تطول، مع شمس “الرؤية”. والسلام..

 

مدير عام مركز سمت للدراسات، وكاتب سعودي*

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر