ترمب يمنح أنصار “بريكست” هدية تجارية

التاريخ والوقت : الإثنين, 22 أكتوبر 2018

تيريزا رافيل

 

أرسل الممثل التجاري الأميركي روبرت لايتهايزر هدية إلى أنصار «بريكست» البريطاني. وكانت رسالته للكونغرس بأن إدارة الرئيس دونالد ترمب تهدف للوصول إلى صفقة «رائدة» للتجارة الحرة مع المملكة المتحدة بمثابة النغمات الحالمة لآذان أولئك الذين كثيراً ما أشاعوا أن مغادرة الاتحاد الأوروبي سوف تسمح لبريطانيا بتنفيذ السياسات الطموحة بشأن إبرام الصفقات التجارية الثنائية مع مختلف الدول.

وإبرام مثل هذه الصفقات أمر من الأمور. غير أن الشرط الأساسي في إبرامها هو توافر الإرادة السياسية – وهذا موجود ومشهود لدى كلا الجانبين في الوقت الراهن. لكن السؤال الحقيقي هو، ما الذي تناله بريطانيا من هذا الاتفاق؟

يتجاوز المبرر المسوغ لإبرام الصفقات بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة حد العواطف بشأن العلاقات الخاصة أو جولات الرئيس دونالد ترمب الراقية بين مختلف ملاعب الغولف الاسكوتلندية. إذ تمثل الولايات المتحدة نسبة 19 في المائة من قيمة صادرات المملكة المتحدة، وهي تعد أكبر شريك تجاري ثنائي لدى لندن، كما أنها أكبر سوق للتصدير. ولا توجد دولة لديها استثمارات في بريطانيا أكبر من الولايات المتحدة كذلك. ومن شأن اتفاق التجارة عبر الأطلسي، كما أفادت وزارة التجارة والصناعة، أن يعزز من التجارة ويرجع بفوائد كبيرة ومتلاحقة للإنتاجية المتباطئة في المملكة المتحدة.

ومن شأن تخفيف الحواجز التجارية أيضاً أن يفيد اقتصاد البلدين الكبيرين، حتى وإن كانت الفوائد المرجوة من الصفقات التجارية متواضعة بصورة نسبية. لكن هناك سببين يدعوان إلى الحذر في هذا الصدد. الأول هو أن هذا ليس من قبيل التفاوض المتناظر. فإن أنصار «بريكست» البريطاني يتحدثون في المعتاد عن النفوذ الذي تحظى به المملكة المتحدة، باعتبارها أكبر خامس اقتصاد على مستوى العالم.

لكن هذا يعد صراعاً بين فيل اقتصادي بقيمة 19 تريليون دولار (أي الولايات المتحدة) وآخر بقيمة 2.6 تريليون دولار (أي المملكة المتحدة). فإن وجدت المملكة المتحدة الاتحاد الأوروبي من الشركاء التجاريين المعاندين أثناء مباحثات المغادرة، فإن هذا لن يكون له تأثير يُذكر عند مقارنته بالتأثير الذي سوف يحدثه الكونغرس الأميركي بشأن مواقف التفاوض التجارية الأميركية.

إن الفائدة الحقيقية المنشودة من صفقات التجارة الحرة في هذه الأيام هي التقليل من الحواجز غير الجمركية. وسوف تكون الولايات المتحدة، في هذا المجال، من الشركاء الأكثر صعوبة عندما يتعلق الأمر بالتفاوض. ولقد تعثرت اتفاقية شراكة التجارة والاستثمار عبر الأطلسي عندما لم يتمكن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة من التوصل إلى اتفاق بشأن جملة من الأمور المهمة، بما في ذلك معايير الغذاء. ومن الجدير بالذكر، أنه لم تكن هناك أي تحركات ملاحظة على مسار الخدمات المالية، وهو المجال الذي يحظى باهتمام كبير لدى المملكة المتحدة من حيث فتح طريق الوصول إلى الأسواق المالية الأميركية.

ويعكس مؤشر مقاييس الخدمات التجارية الحواجز النسبية أمام التجارة بحسب القطاع المختار.

يتعرض الإفراط التنظيمي في الاتحاد الأوروبي للكثير من الانتقادات في المملكة المتحدة، لكن الجهات الرقابية التنظيمية في الولايات المتحدة هي أسوأ منه بكثير. فهناك نحو 3000 لائحة من تدابير الصحة والسلامة في البلاد، إلى جانب القيود الفنية المفروضة وغيرها من التقييدات الأخرى المعمول بها في الولايات المتحدة، مقارنة بنحو 672 لائحة من ذلك النوع في الاتحاد الأوروبي؛ وذلك وفقاً إلى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الأوروبية. وعند بدء المحادثات التجارية بين لندن وواشنطن، فإننا نتوقع وقوع خلاف كبير في بريطانيا بشأن الدجاج المعالج بالكلور واللحوم المعالجة بالهرمونات، لكن الحواجز التجارية غير الجمركية تتجاوز هذه المجالات، التي تحتل العناوين الرئيسية في مختلف وسائل الإعلام، لتشمل المواد الكيميائية، والسيارات، وغير ذلك من المجالات.

والأسوأ من ذلك، هناك الكثير من الحواجز التجارية على مستوى الولايات الأميركية، حيث تزداد الصعوبة، وربما ترقى إلى المستحيل من حيث تجاوزها. ويتعين على شركات التأمين الأجنبية أن تقيم الوجود التجاري داخل الولايات المتحدة حتى يتسنى لها توفير الخدمات التأمينية. لكن في ولاية نيويورك، فإن هذه الشركات تواجه متطلبات رأسمالية مرتفعة للغاية وأكثر من نظرائها المحليين، ولا بد لأغلب المديرين أن يكونوا مواطنين يحملون الجنسية الأميركية ومن المقيمين فيها بصفة قانونية (ولا بد لأحد المديرين على الأقل أن يكون من المقيمين بصورة قانونية في ولاية نيويورك). وفيما يتعلق بالنقل الجوي، لا بد للمدير التنفيذي وما لا يقل عن ثلثي أعضاء مجلس الإدارة أن يكونوا من المواطنين الأميركيين، ولا يحق للرعايا الأجانب امتلاك أكثر من نسبة 25 في المائة من حصص التصويت. ويتعين كذلك على المصارف الأجنبية، التي تتجاوز أصولها مبلغ 50 مليار دولار، أن تنشئ شركة قابضة وسيطة داخل الولايات المتحدة تقوم مقام الشركة الأم، بالنسبة للشركات الأخرى المتفرعة والتابعة لها داخل البلاد.

وبطبيعة الحال، لدى المملكة المتحدة حواجزها التجارية الخاصة التي لن تكون مستعدة تماماً للتخلص منها، ولا سيما في مجال المحاسبة، والنقل الجوي، والهندسة المعمارية. كما ترغب بريطانيا في حماية نموذج شراء الأدوية في خدمة الصحة الوطنية في المملكة المتحدة: فمن شأن الاتفاقية التجارية التي تسمح لشركات الأدوية بالطعن في قرارات التسعير أن تؤدي إلى رفع التكاليف كثيراً على دافعي الضرائب. ومع ذلك، تميل الولايات المتحدة إلى إملاء شروطها على الشركاء التجاريين الأصغر حجماً، بل وإخبارهم أين يمكنهم التوقيع – ولتراجعوا أستراليا في ذلك!

ومع ذلك، فإن عدم التناظر ليس هو المشكلة الحقيقية، ما دام أن المملكة المتحدة يتحسن اقتصادها بشكل عام، فربما تتمكن من إبرام الصفقة التي تعطي فيها أكثر مما تأخذ من الطرف الآخر.

لكن المشكلة الكبرى تكمن في أنه أياً كان ما سوف تتفق لندن مع واشنطن بشأنه سيكون له تأثير مباشر وأكيد على الصفقة التجارية التي تبرمها لندن مع الاتحاد الأوروبي – وهو الشريك التجاري الأوسع نطاقاً.

يستند الاتحاد الأوروبي على «مبدأ التحوط» في علاقاته التجارية، حيث يقع العبء الكبير على المنتج بشأن ألا تسفر منتجاته عن أي أضرار.

وفي ظل وجود عدم اليقين، فإن المبيعات تخضع للحظر أو للتقييد. وهذا، في الوقت الراهن، يرجع إلى البيئة التنظيمية في المملكة المتحدة. ويسمح المنهج الرقابي العلمي لدى الولايات المتحدة بوجود ما لم يثبت ضرره من الناحية التجريبية. كما أن اللوائح التنظيمية الأميركية هي أكثر لا – مركزية، وأعمق تعقيداً من قبل الوكالات الحكومية المتعددة، التي تتداخل تخصصاتها وحدود سلطاتها في كثير من الأحيان. ولذلك؛ كلما زاد اقتراب المملكة المتحدة من الولايات المتحدة سعياً وراء إبرام الصفقات التجارية، زادت الحواجز أمام العلاقة التجارية البريطانية المستقبلية مع الاتحاد الأوروبي.

ومن بين سبل الالتفاف حول هذه المعضلة الشائكة هو محاولة إبرام صفقة الرسوم الجمركية على حدة مع الولايات المتحدة، لكن الفوائد المتوقعة من ورائها سوف تكون محدودة للغاية. وهناك خيار آخر، وهو يحظى بتأييد أنصار «بريكست»، وهو السعي للحصول على الاعتراف المتبادل واسع النطاق بشأن اللوائح والمعايير الفنية.

وفي عالم ينعم بالمثالية، قد تنجح هذه المحاولة – بيد أن المفاوضات التجارية تتعلق أساساً بفن إحراز ما هو ممكن.

ومن شأن الصفقة مع الولايات المتحدة أن تكون مفيدة وقابلة للتحقق، على افتراض أن بريطانيا سوف تغادر الاتحاد الجمركي التابع للاتحاد الأوروبي، وهو أمر غير مؤكد للغاية حتى الآن. لكن، كما أفصحت لجنة التجارة الدولية في مجلس العموم البريطاني في تقريرها لشهر أبريل (نيسان) الماضي، فإن الشيطان يكمن في التفاصيل.

وحذرت اللجنة في تقريرها: «لا ينبغي على الحكومة إبرام الصفقات لأجل الصفقات فحسب»، كما لا ينبغي عليها الخروج من الصفقات لأجل الخروج منها فحسب أيضاً – لكن تلك السفينة قد شرعت في الإبحار على أي حال!

 

المصدر: جريدة الشرق الأوسط

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر