الإشتراك في القائمة البريدية

تحديات البيئة واحتياجات التنمية في المملكة العربية السعودية

التاريخ والوقت : الأحد, 1 أبريل 2018

إيمان أمان 

غذت العوائد النفطية الهائلة اقتصاد المملكة العربية السعودية لعقود مضت، ولا تزال إلى الآن، وساهمت أيضًا في دفع عجلة التنمية والاقتصاد التي كان لها الأثر الكبير في تكوين التأسيس للحياة الحضرية العصرية للمجتمع السعودي. وقد رافق الأثر التنموي ارتفاع ملحوظ في معدلات النمو السكاني وزيادة الضغط على الموارد الطبيعية للبلاد كزيادة الطلب على الطاقة والمياه وتلبية حاجات التنمية السريعة، مما يتسبب في حدوث أثر بيئي سلبي ملحوظ. ولتحقيق التوازن بين احتياجات الطاقة وتوافر الطاقة، يتوجب توفر عنصران رئيسيان وهما: الطلب على الطاقة وإمدادات الطاقة، التي يحكمها عدد من العوامل تتعلق بطبيعة إنتاج الطاقة واستهلاكها، وتزايد النمو السكاني، والأداء الاقتصادي وخيارات المستهلكين، والتطور التكنولوجي وحزمة السياسات والبرامج الحكومية. وتعتبر العلاقة وثيقة بين الطاقة والبيئة، ولذلك هناك اتجاه عالمي ينادي بالاستفادة من الموارد الطبيعية الأقل تلويثًا للبيئة (انبعاثات أقل من غازات الاحتباس الحراري وثاني أكسيد الكربون)، وعلى ذلك يجب اعتماد معايير التنمية المستدامة. ونظرًا للتحديات والمتغيرات التي تشهدها أسواق الطاقة عالميًا، والتوجه العالمي نحو عالم يتزايد فيه المطالبة باعتماد السياسات المقيدة للكربون، فقد اهتمت المملكة العربية السعودية بأن تكون حماية البيئة جزءًا من سياستها الوطنية في الاستفادة من موارد الطاقة المحلية، وجزءًا من سياساتها والتزاماتها البيئية الدولية. وفي السنوات الأخيرة، اتجهت المملكة العربية السعودية بقوة إلى تطوير وتطبيق تكنولوجيات الطاقة النظيفة وتطبيق السياسات التي تسهم في خفض الاستهلاك المحلي للنفط. ويهتم البرنامج الوطني السعودي الرائد لكفاءة الطاقة، الذي تمَّ تأسيسه في عام 2010م، بمراجعة وتدقيق السياسات واللوائح المتعلقة بدرجة كفاءة استهلاك الطاقة في القطاعات الصناعية والتجارية والسكنية، وتحسين عملية تبادل المعلومات من أجل تعزيز كفاءة استهلاك وحفظ الطاقة من الهدر. وتضطلع المملكة العربية السعودية بدور فاعل في سن سياسات محلية صديقة للبيئة، وتشجيع الاستثمار في تكنولوجيات الطاقة النظيفة والمتجددة، إضافة إلى التدابير المبتكرة لكفاءة استخدام الطاقة.

البعد البيئي للتنمية الاقتصادية

لعقود مضت وصمت أنماط الاستهلاك السائدة – آنذاك – بغير المستدامة (الاستهلاك المفرط في إنتاج واستهلاك السلع والخدمات على حساب الاستنزاف الجائر للموارد الطبيعية وحقوق الأجيال القادمة)، وقد فرضت التحولات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، ضغطًا على الدول لاعتماد أنظمة تنموية واقتصادية حديثة تراعي تحقيق التوازن بين الحفاظ على الموارد الطبيعية وتعزيز النمو الاقتصادي على نحو مستدام. ولذلك تعمل المملكة العربية السعودية في تشكيل سياساتها على النحو الذي يحمي ثروتها النفطية، ويحسن من كفاءة استهلاكها للطاقة، ويدعم استخدام المزيج الأمثل للطاقة الذي يشمل الاستفادة من الموارد الطبيعية المتجددة (تذكر “الرؤية” إمكانية السعودية في توليد الطاقة من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بحوالي 9.5 غيغاوات بحلول عام 2023م)، والبديلة (مثل الطاقة الذرية للمساهمة في مزيج الطاقة الوطنية السعودية)، وذلك لتحقيق أمن واستدامة الطاقة وحماية البيئة في المملكة العربية السعودية.

حماية البيئة هدف استراتيجي في “رؤية السعودية 2030”

نعم، المملكة العربية السعودية دولة نفطية ولها الفخر، ولذلك تعتبر حماية البيئة والمحافظة على استقرار أسواق الطاقة، هي في قلب التنمية المستدامة. ومن المقاصد الرئيسة في “رؤية السعودية 2030″، تبني الخطط الاقتصادية الطموحة لتنويع مصادر الدخل للاقتصاد السعودي المعتمد بشكل أساسي على النفط، ولهذا فإن إدراج سيناريوهات للتنويع الاقتصادي مع تحقيق منافع مشتركة للتخفيف من الآثار المترتبة على تغير المناخ، سيحقق استراتيجية ناجحة لأهداف التنمية المستدامة في الشقين الاقتصادي والبيئي على حد سواء؛ حيث ستساهم معايير كفاءة استهلاك الطاقة، والاستثمار في الطاقة المتجددة وزيادة مساهمتها في مزيج الطاقة الوطني وتكثيف البحث والتطوير في تقنيات التقاط وتخزين الكربون، أو الاستفادة منه في تطبيقات صناعية والحد من تسرب غاز الميثان كجزء من برنامج الاستدامة وإدارة الكربون في السعودية، وأيضًا، دعم استخدام الغاز الطبيعي وزيادة حصته في مزيج الطاقة الوطني.

وقد أتت “رؤية السعودية 2030” بوجهها الاقتصادي، لتعزيز مكانة المملكة العربية السعودية السياسية والتنموية والاقتصادية. وقد وضعت “الرؤية” البيئة والتنمية المستدامة ضمن الأهداف الرئيسة لها، ونصت على ضرورة الحفاظ عليها، وفي المقام الأول كواجب ديني ووطني وإنساني ومسؤولية أمام الأجيال القادمة، وهي أيضًا من المقومات الأساسية لجودة الحياة، وضرورة للحد من مستويات التلوث في البيئة. بالإضافة إلى الحد من ظاهرة التصحر، والعمل على الاستغلال الأمثل للثروات عبر الترشيد في الاستهلاك وتشجيع الممارسات الصديقة للبيئة كتدوير النفايات. ومن زاوية أخرى، تشير “الرؤية” إلى أهمية البيئة والتنمية المستدامة كركيزة أساسية لرقي الشعوب وشريك في نجاح الخطط التنموية الطموحة. وكل ذلك لخدمة سياسة الطاقة في المملكة العربية السعودية، والتأكيد على مكانة المملكة المهمة كشريك عالمي لتزويد الطاقة الموثوقة والمسؤولة.

وختامًا، لا بدَّ من التأكيد على أهمية تضمين السياسات المتعلقة بالتنمية والاقتصاد في المملكة العربية السعودية – بصفة خاصة – لمعايير الاستدامة البيئية بشكل عام، ولسياسات تغير المناخ بشكل خاص، ويشمل ذلك سياسات التكيف والاستجابة والتنفيذ لتخفيف آثار تغير المناخ، وكل هذا لتكون التنمية البيئية، هي الدرع لحماية واستدامة متطلبات التنمية الاقتصادية في المملكة العربية السعودية.

متخصص في السياسات وتشريعات الطاقة*

@aman_eamanii