تجنيد النساء في الجماعات الإرهابية.. من الدعم اللوجستي إلى العملياتي

التاريخ والوقت : الثلاثاء, 3 يوليو 2018

 

لا تزال ظاهرة الحضور النسائي في التنظيمات الإرهابية وجماعات التطرف الفكري، تُثير الكثير من التساؤلات، لا سيَّما مع انخراطهن في أنشطة غلب عليها تاريخيًا الطابع الذكوري، ومنها تساؤل بشأن الخطاب الذي استندت إليه تلك الجماعات لاستقطاب الفتيات، ما يجرُّإلى تفاصيل أخرى تتعلق بالأدوار التي تضطلع بها النساء داخل تلك الجماعات، يُضاف إلى ذلك دراسة الطبيعة الخاصة للنساء اللاتي لا يملن إلى العنف والقسوة، فكيف لهنّ الاقتناع بالمشاركة في مشاهد الذبح والتفجير والقتل، وغيرها من المقدمات التي تنتهي بفهم عميق لطبيعة ودور المرأة في الجماعات الإرهابية.

 

ملامح التحول

تزايد الحضور النسائي لدى الجماعات الإرهابية بدأ خلال السنوات الماضية، لا سيَّما بعدما ظلت قضية مشاركة المرأة في العمليات القتالية محل خلاف لدى التنظيمين البارزين “القاعدة” و”طالبان”حتى عام 2003، إلى أنّ بدأت ملامح التوظيف النسائي في التوسع الأفقي لأفكار السلفية الجهادية من خلال أدوار دعوية، إلى أن ظهر تنظيم الدولة “داعش” الذي وضع للمرأة أدوارًا متعددة، بعضها دعوي، وبعضها الآخر حركي، ثم العمل المسلح.(2)

في تلك المرحلة دخلت المرأة حيزًا مختلفًا لدى جماعات العنف الإسلامي، من خلال تولي أدوار تُضاهي أدوار الرجال، بل تزيد في بعض الأحيان، وهو ما يمكن استنتاجه من خلال الآتي:

أولاً: بدأت الجماعات الجهادية مراجعة القاعدة الشرعية التي وضعت المرأة في السابق داخل إطار ما يسمونه “الجهاد المنزلي”، وهو ما ظهر من خلال مجادلات فكرية وأطروحات لكبار شيوخ الفكر الجهادي، انتهى إلى الإقرار بأحقية المرأة في العمل الجهادي خارج المنزل.(3)

ثانيًا: أسست الجماعات الإرهابية ألوية قتالية نسوية، خاصة في سوريا والعراق ودول الشام، حملت أسماء ترجع إلى صدر الإسلام كـ”الخنساء”.(4)

ثالثًا: انتقل الدور النسائي من مرحلته الحركية الذي يمكن أن يساعد في العمليات الإرهابية، إلى مرحلة التفخيخ من خلال ظهور نساء انتحاريات، حيث نفَّذ عدد من النساء عمليات انتحارية بعد ارتباطهن بالتنظيمات الإرهابية في مناطق الريف العراقي، جميعهن يأتين من خلفيات غير متعلمة، أو ممن يعانين أوضاعًا اجتماعية صعبة.(5)

أدوات التعبئة

اعتمدت الجماعات المتطرفة في مراحل التعبئة النسائية على أدوات حققت في أغلبها نتائج إيجابية بشأن الهدف من الاستقطاب النسوي لدى تلك الجماعات، ما أدى إلى تزايد الظاهرة إلى حد تقاسم الأدوار الجهادية مع الرجال، ومن بين تلك الأدوات:

أولاً: وظّفت الجماعات الإرهابية مسألة “الثأر” و”المظلومية” من خلال تعبئة الشعور الأنثوي تجاه الجنوح إلى الجهاد، خاصة في أعقاب مقتل أزواجهن أو أبنائهن، وهي الوسيلة الأكثر رواجًا داخل تلك الجماعات.(6)

ثانيًا: استغلت تلك الجماعات مساحات الحرية الفكرية في بعض المجتمعات العربية، كتونس على سبيل المثال، لتعبئة أفكار النساء بالعمل الجهادي، وهو ما يبرر تصدّر التونسيات قائمة المتطرفات في الجماعات الإرهابية.

ثالثًا: بنفس الطريقة التي يُستقطب بها الرجال، والتي تتمثل في الأحوال الاجتماعية، استغلالاً لعمليات التذمرالمجتمعي من الأوضاع والظروف الاقتصادیة والاجتماعیة والسیاسیة أو التهمیش المجتمعي، أو فقدان الأهل، وهو ما يبرر كون 85% من أسباب مشاركة المرأة في الجماعات المتطرفة، هي أسباب اجتماعية فكرية.(7)

غير أنّ ما يبرر تزايد الانتساب النسائي لتنظيم “داعش” على خلاف “القاعدة”، يرجع إلى أن المنطلقات التي انطلق على أساسها الأول تشجع أكثر على الاستقطاب، من خلال الإغراء بالدولة والمدينة الفاضلة التي رسمها التنظيم لمنتسبيه، بخلاف الثاني الذي انحصرت أداته في تأصيل فكرة الجهاد دون أن يكون ثمة مستقبل واضح لمنتسبيه، وهو ما أشبه بمرحلة استنزاف لقدرات أعضاء التنظيم باعتبار أن نهاية الأمر موت في سبيل الله، أيًّا كان توقيته.(8)

الدوافع والأسباب

بالانتقال إلى الدوافع والأسباب التي جعلت العنصر النسائي يتصدر اهتمام الجماعات الإرهابية والمتطرفة، فإن ثمّة منطلقات تجعل من العناصر النسائية أهمية أولى لدى تلك الجماعات، بالنظر إلى المهام التي تتولاها بدءًا من التخطيط إلى التنفيذ، حيث تتمثل تلك الدوافع في الآتي:

أولاً: يعتبر العنصر النسائي مهمًا في بعض مراحل الإعداد والتنفيذ للعمليات الإرهابية، حيث تحتاج إلى إنجاز بعض المهام سرًا، وهو ما يجعل تلك الجماعات بحاجة إلى عنصر يتمتع بما يشبه الحصانة المجتمعية، خاصة لدى النساء المنتقبات، لإنجاز بعض المهام التي ربَّما لا تكون الحلقة الأخيرة في عملياتهم الإرهابية بقدر استخدامهن في مراحل التجهيز، أو الإعداد لتلك العمليات، كالتسلل عبر نقاط التفتيش والقواعد العسكرية، أو نقل رسائل مشفرة، أو تبادل المعلومات.

ثانيًا: وضع الجماعات الإرهابية بند وجود عنصر نسائي على رأس قضيتهم الدينية، يشكل هامش استقطاب أوسع للشباب، لاعتبارات مجتمعية وأخلاقية.(9)

ثالثًا: استخدام المرأة في العمل الجهادي لدى تلك الجماعات، يزيد من الانتساب الشبابي، للمساهمة في استقطاب الشباب، بتحويل المرأة إلى “مكافأة” يسعى المقاتل إلى الوصول إليها.(10)

رابعًا: تعدد دور المرأة في التنظيمات الإرهابية، بخلاف الرجل، فالمشاركة اللوجيستية للمرأة ترجع إلى تعدد الأنشطة والمجلات النسائية داخل تلك الجماعات، سواء على المستوى التربوي، أو الحركي، أو العملياتي.(11)

فئات المتطرفات ومآلات العائدات

غير أنّ ما سبق لا ينفي أنّ المنتسبات إلى الجماعات الإرهابية لا يمكن تصنيفهن في إطار واحد يُجسّد الاقتناع التام بجدوى الانضمام لهذه التنظيمات، إذ ينقسم هؤلاء النسوة إلى ثلاث فئات، أولها: زوجات المقاتلين اللاتي أُرغِمْنَ على اتباع أزواجهن، سواء الذين يتقلدون مناصب عليا داخل تلك التنظيمات، أو أولئك الأكثر اعتناقًا للعنف؛ ما يجعل خيار رفض المرأة للسير في ركاب زوجها استباحة دمها. وثانيها: النساء المنتسبات أيديولوجيًا من خلال الاقتناع التام بالفكر الجهادي. أمَّا الفئة الثالثة: فهي المتعاطفات مع تلك الأفكار والتنظيمات، وهو ما يعني أنّ جميع النسوة داخل التنظيمات الإرهابية لا يستوين في درجة التحمس إلى العمل الجهادي من الأساس.

إزاء النقطة السابقة، فإن المجتمعات العربية والغربية على حد سواء، تواجه مشكلة أخرى تتمثل في الزوجات العائدات من أراضي التطرف، لأسباب عديدة على رأسها الفرار عقب مقتل زوجها؛ وهو ما يجعل المجتمع أمام موقف إنساني لقبول انخراط تلك النساء في المجتمع، لكنّ الإشكالية التي تبقى قائمة تتمثل في خطورة هؤلاء النسوة، بالنظر إلى ضمان عدم عودتهن مرة أخرى إلى تلك الأفكار المتطرفة.

 

النتائج

1-تصاعد ظاهرة الحضور النسائي في التنظيمات الإرهابية استند إلى تغير في الخطاب الذي استندت إليه الجماعات لاستقطاب الفتيات والتحول تجاه نظرتهم إلى أدوار المرأة في “الجهاد الإسلامي”.

2-شهدت المرأة مراحل ثلاث في منظور الجماعات الإرهابية بدءًا مما يسمونه “الجهاد المنزلي” إلى مرحلة الانتحاريات، مرورًا بتأسيس ألوية قتالية نسوية.

3-اعتمدت الجماعات المتطرفة في مراحل التعبئة النسائية على أدوات حققت في أغلبها نتائج إيجابية بشأن الهدف من الاستقطاب النسوي، على رأسها توظيف مسألة “الثأر” و”المظلومية” من خلال تعبئة الشعور الأنثوي، بالإضافة إلى الظروف الاجتماعية والإغراء بالدولة والمدينة الفاضلة.

4-ثمّة منطلقات تجعل من العناصر النسائية أهمية أولى لدى تلك الجماعات، على رأسها الحاجة لعنصر يتمتع بما يشبه الحصانة المجتمعية، خاصة لدى النساء المنتقبات، كما يشكلن هامش استقطاب أوسع للشباب، لاعتبارات مجتمعية وأخلاقية، بالإضافة إلى استخدامهن لزيادة الانتساب الشبابي، من خلال إشاعة ما يسمى بـ”جهاد النكاح”، بالإضافة إلى تعدد الأنشطة والمجلات النسائية داخل تلك الجماعات.

5-تنقسم النسوة المنتسبات إلى ثلاث فئات: زوجات المقاتلين المرغمات، والنساء المنتسبات أيديولوجيًا، والمتعاطفات مع الأفكار والتنظيمات.

 

وحدة الدراسات الاجتماعية*

المراجع

1- أدوار المرأة في منظومة العنف لدى التنظيمات الإرهابية. المركز المصري للأبحاث والدراسات الأمنية. https://bit.ly/2tWxKn1

2- هكذا يتم توظيف النساء في العمليات الإرهابية.. الأساليب والمهام. المركز الأوروبي لمكافحة الإرهاب. https://bit.ly/2z0YubF

3- ظاهرة “التشدد النسوي”.. كيف تشكلت؟ ولماذا؟ الشرق الأوسط. https://bit.ly/2tLgykU

4- المرأة في الفكر الجهادي تعري بشاعة الجماعات الإرهابية. العربية.نت. https://bit.ly/2z73POW

5- مخاطر تجنيد النساء في المنظمات الإرهابية. مركز دراسات المرأة (مساواة). https://bit.ly/2lKLZHL

6- في الجهاد الافتراضي. مؤمنون بلا حدود. https://bit.ly/2Ni3BXV

7- الإرهاب والنساء. موقع السكينة. https://bit.ly/2KEHjya

8- النساء والإرهاب.. قراءة جندرية. الشرق الأوسط. https://bit.ly/2tWlu5V

9- المرأة في الفكر الجهادي تعري بشاعة الجماعات الإرهابية. العربية.نت. https://bit.ly/2z73POW

10- المرجع السابق.

11- مشاركة المرأة مع الجماعات المتطرفة. موقع السكينة. https://bit.ly/2lKRia4

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر