الإشتراك في القائمة البريدية

تتبع هروب (المنهج الخفي) في الإعلام.. الغياب الفيزيائي والمسؤولية القانونية.. الواتس آب مثالاً

التاريخ والوقت : الإثنين, 7 مايو 2018

عبدالله الذبياني

 

الأفكار لا تموت، لكنها تتوارى في ظل ظهور أفكار مضادة أكثر قوة، هذا ما يقال عن الأفكار بصورة خاصة، والإيديولوجيات التي تنتج عنها بصورة عامة. لا توجد إيديولوجية ماتت وانتهت، بل تراجعت وأفلت في ظل ظهور إيديولوجية مدعومة، أو لاقت استحسانًا لدى الأفراد والمجتمعات، وأدت إلى تراخي الإيمان والتسويق للإيديولوجية السابقة.

والأفكار (مركز التأسيس للإيديولوجيات) قبل أن تتوارى نهائيًا، فإنها تبحث عن مواقع أخرى لديها ظروف مواتية لقبولها، فكم من أفكار عديدة سافرت من دولة لأخرى ومن منطقة لأخرى بحثًا عن إعادة إحياء وبعث!

هذا التقديم أراه ضروريًا للحديث عن تنقل الأفكار التي نعتقد أنها ماتت بين قنوات الإعلام (التنقل بين قنوات الإعلام المختلفة في هذا الوقت يماثل التنقل الجغرافي للأفكار في الأزمنة الماضية(.

وعلى وجه الدقة، في مشروعها التنموي الذي تعكف عليه السعودية حاليًا، نلحظ أن هناك أفكارًا تعود للتيار المتشدد، غيَّرت جغرافيتها وحوَّرتها (وسيلتها الإعلامية) لمحاولة الوصول إلى أكبر شريحة من الناس بغرض تكوين رأي عام مضاد لبعض السياسات أو القرارات أو المشاريع. هذه الأفكار كانت لا تجد صعوبة في وجودها سابقًا من خلال قنوات الإعلام التقليدي، نتيجة عدة اعتبارات، كان في مقدمتها، وجود هذا التيار في مفاصل عديدة في المجتمع من بينها الإعلام، وبالتالي كانت تطرح أفكارها باعتبارها رأيًا آخر. وفي حالات عديدة كان يحاولأن يكرسرأيه بأنه الأصوب (أو هويرىنفسه كذلك).

وهذه الأفكار المضادة عاشت طويلاً في الإعلام التقليدي والرسمي، كما قلنا لظروف عديدةلسنا في صدد التعرض لها الآن.

لكن نتيجة المتغيرات السياسية التي حدثت في منتصف العقد الأول من القرن الحالي، ونتيجة وجود حراك لأفكار أخرى كانت وجدت مساحة في الإعلام التقليدي، وهي لم تكن تحظى به طوال عقود ماضية، وفي ظل قرارات حكومية تتصدى للأفكار (المخالفة)، حدثت أول هجرة لأفكار التيار المحافظ من الإعلام التقليدي – الإعلام هنا كل وسيلة سواء المجلات، أو المنشورات، أو الأشرطة، ذلك أن الإعلام السعودي كان عصيًا عليها إلى حدٍّ بعيدٍ، بل إنه يتهم بأنه كان يتصدى لذلك، وهو محل اتهام من هذه الفئات – إلى (وسائل التواصل الاجتماعي)، حيث وجدت في تلك المنطقة أرضًا رحبة وذات مساحة واسعة، وسقفًا مرتفعًا من جانب، ومن جانب غير خاضعة لأي قانون، فهي خارج المساءلة، بل إن تلك المنطقة كانت مناسبة جدًا لتلك الأفكار، فهي أتاحت – لأول مرة – تمرير الأفكار والمواقف، والتحاور والتفاعل بين صاحب الفكرة والمتلقي آنيًا مهما بعدت المسافات، حتى أصبحت أشبه بالمخيمات الصيفية والدعوية من ناحية التفاعل، لكنها أرحب من ناحية توسع نطاق الجمهور المستهدف واختلاف مواقعه، وكذلك إمكانية التفاعل في أي وقت من أي مكان.

كانت مواقع التواصل الاجتماعي مرتعًا لتلك الأفكار التي تتصدى لأي مشروع تطويري، أو تحديثي تمثل جغرافية جديدة، أو منطقة غير محكومة بأي نظام ولا تخضع لأي قانون، وبالتالي كانت تمثل إعادة إحياء الأفكار بصورة أكثر عصرية وبمتلقين أكثر عددًا، وربَّما أقل إدراكًا.

عاشت تلك الأفكار وأصحابها في تلك المنطقة الجغرافية المواتية (مواقع التواصل الاجتماعي) قرابة عشرة أعوام، لم تنمُ الأفكار في تلك المنطقة، ويتوسع نطاقها وتعيد إحياء نفسها فقط، بل إنها ولدت عرابين جددًا ورعاة جددًا، رعاة جدد يتحدثون لغة مواقع التواصل الاجتماعي ويؤثرون بهذه اللغة سريعًا – أو كما يعتقدون – في المستهدفين.

بقيت – كما قلنا – تلك الأفكار وأصحابها عقدًا أو أكثر قليلاً في تلك المنطقة، لكنها واجهت تحديين كبيرين: الأول أجبرها على إعادة صياغة محتواها، وتمثل ذلك في صدور أنظمة تتعلق بالمحتوى على مواقع التواصل الاجتماعي، من بينها نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية الذي يتصدى من بين ما يتصدى للمحتوى الذي شكل ضررًا أو مساسًا بالأشخاص أو بأمن الدولة وأجهزتها وقطاعاتها.

وتمثل التحدي الثاني، وهو الأكثر تأثيرًا وتحجيمًا لتلك الأفكار على مواقع التواصل الاجتماعي ــ تمثل في شفافية مشروع الدولة نحو التحديث والخطاب الصريح من القيادة نحو المضي قدمًا في أي قرار استنادًا إلى المصلحة العامة (مصلحة الوطن والشعب)، وليس استنادًا إلى القبول لدى فئة من المجتمع كانت ترتهن لقبولها معظم القرارات، تزامن مع ذلك المسألة القانونية لبعض الأشخاص أو عدد من الأشخاص، لبعض الأفكار التي ما زالوا يبقون على أفكارهم وطروحاتهم المضادة في مواقع التواصل الاجتماعي، استنادًا إلى أن تلك الأفكار لا تقع في خانة حرية الرأي، بل تصل إلى محاولة التأليب بأخبار مزيفة أو سياقات غير حقيقة.

وحين ضاقت (مواقع التواصل الاجتماعي) بتلك الأفكار، التي في الغالب تظهر شخصية صاحبها وتتركه أمام المسألة القانونية والاجتماعية، كان لا بدَّ من البحث عن موقع جغرافي (إعلامي) آخر، يتيح إحياء الأفكار ومحاولة تسويقها دون مواجهة صريحة مع المجتمع والإعلام، ودون إتاحة التفاعل الذي قد يكشف سوءة الفكرة، أو سوء نية مروجها.

هنا كان الموقع الجغرافي (الإعلامي) البديل، الذي يعتقد أصحاب تلك الأفكار أنه مناسب جدًا، هو تطبيق (الواتس آب)، ليس أكثر من وضع سياقات أخرى للخبر أو القرار وتسويقه، ومن أول تناقل للفكرة، سيكون صاحبها أو المروج لها خارج نطاق المعرفة، أصبح التداول للفكرة فقط، وليس ثمة شخصية فيزيائية يمكن محاورتها أو مناقشتها حول الفكرة أو المعلومة، هنا يعتمد أصحاب هذه الأفكار في الموقع الجغرافي الجديد (الواس آب) على حالة اللاوعي لدى الفرد، وهي نفس الآلية المتبعة في الأخبار المزيفة Fake news، فهذه النوعية من الأخبار راهنا الأول، بعد التزييف، هو حالة عدم الوعي الكافي لدى المتلقي، وهي تقوم على الحد الأدنى من نسبة الأشخاص الذين تنطوي عليهم المعلومة، وبالتالي يتحولون إلى مسوقين لدى دوائرهم. وهكذا عادت الأفكار إلى ما يمكن تسميته بمرحلة المنهج الخفي تقنيًا. وهنا تكمن الخطورة، إذ إن مرحلة مواقع التواصل الاجتماعي المكشوفة، كانت مناسبة لمحاربة مثل هذه الأفكار وكشفها في مهدها، والتصدي لها سواء من قبل الأجهزة الرسمية، أو من قبل فئات اجتماعية ناشطة في كشف خطورتها.

نشير هنا – من باب الاستزادة – إلى أن الباحثة في علوم الإعلام كلير واردل (مدير الأبحاث في مركز تاو للصحافة الرقمية، في جامعة كولومبيا) وضعت سبعة أنواع من الأخبار المزيفة، وفقًا لتقييمها، وهي:

1- السخرية، وهي الأخبار التي لا نية فيها لإلحاق الأذى، لكنها تنطوي على خدعة.

2-الربط الخاطئ، وذلك من خلال استخدام عناوين أو صور مخالفة للمضمون.

3-المضمون المضلل (استخدام مضمون مضلل).

4- المضمون الخاطئ (يكون المضمون حقيقيًا، لكن يتم استخدام معلومات سياقية خاطئة أو غير دقيقة).

5- المضمون الذي يجري التلاعب به (تعديل المعلومات والتلاعب بها بقصد الخداع والتضليل(.

6- التدجيل في المضمون (من خلال انتحال مصادر حقيقية).

7- المضمون الملفق (مضمون غير صحيح نهائيًا).

ليس من باب التجني – والقول التالي لا شك أنه أمر يحتاج إلى مبحث علمي دقيق – فإن معظم المواقف والأفكار التي يتم تداولها عبر (الواتس آب) في السعودية، تجاه عديد من القرارات أو المشاريع التحديثية، تقع في نطاق الأخبار المزيفة، وهي خارج نطاق المسألة القانونية، لعدم وجود شخص أو جهة معروفة وراءها.

ربَّما غياب مؤسسات المجتمع المدني الفاعلة لدينا، والقادرة على صناعة وعي حقيقي معرفي وقانوني، يسهم بدرجة كبيرة في رواج تلك الأفكار في موقعها الجغرافي الجديد، خاصة أن عديدًا من تلك الأفكار تستند – بهتانًا – إلى الدين والتدين الاجتماعي.

نحتاج فضلاً عن مؤسسات المجتمع المدني المعنية بتعزيز الوعي الإعلامي، إلى أن تباشر الجامعات، في أقسام الإعلام تحديدًا، بابتكار مناهج ومواد تصنع أشخاصًا لديهم القدرة على التصدي لتلك الأخبار المزيفة لاحقًا، واستباق انتقالها لمواقع جغرافية جديدة؛ لأن العقوبات وحدها لا تكفي لمواجهة الأفكار المضادة، بل لا بدَّ من صناعة وعي لدى الأفراد والمجتمع، وذلك لن يتأتى إلا من خلال مؤسسات فاعلة تأخذ على عاتقها هذه المهمة بشكل رسمي، وإلا سنجد تلك الأفكار تتنقل من موقع جغرافي (إعلامي) كلما ضاقت بها السبل في الموقع السابق.

كاتب وباحث سعودي*

@abdullah_athe