بين مسلسل العاصوف وفيلم وجدة

التاريخ والوقت : السبت, 26 مايو 2018

نادية الشهراني

 

‏يبدو أن مجتمعنا ما زال حساسًا جدًا لأي منتج ثقافي يحاول تسليط الضوء على فترات معينة من حياتنا، وتحديدًا فترة الصحوة، التي رافقها ما رافقها من تعقيدات فردية واجتماعية جعلت الحديث عنها شبيهًا بالقفز على قدمٍ واحدةٍ في حقل من الألغام.

‏أقول هذا، وأنا أتابع الجدل حول مسلسل العاصوف، تنادى المتنمرون من الحلقة الأولى، بل من المشهد الأول، ودعوا بالثبور وعظائم الأمور على من يسيء للمجتمع برأيهم. بعض البشر يتحسسون من اسم ناصر القصبي وحدَه! فكيف بنا إذا اجتمع الوابلي والقصبي في الكتابة والتمثيل؟!

 

‏هل قلنا كتابة وتمثيلاً؟ نعم، وهذا يعني فيما يعنيه – لمن يريد أن يحسن الظن – أن ما يحصل في المسلسل لا يمثِّل إلا الشخصيات التي شكّلها الكاتب في المسلسل. فلا الكاتب يحاول أن ينقل صورة عن الجميع، ولا الممثل معني بذلك، بل إن ما يحدث هو حبكة درامية أوجدها الكاتب وتبناها المخرج ووافق الممثلون على أدائها.. العاصوف مسلسل رأى كاتبه أن يؤطره زمنيًا في حقبة السبعينيات، التي لها رمزيتها الخاصة جدًا في تاريخنا وتراثنا لأسباب لا تخفى.

إن أي نص هو صورة مكتوبة لفكرة اخترقت سقف أفكار الكاتب، ربما التقطها من موقف أو من حوار سمعه في مكان ما، أو ربما ألهمه إياها سطر آخر مكتوب على جدارٍ في حارةٍ قديمةٍ. أي أن القصص التي يشير إليها الكاتب ربما حدثت قبل السبعينيات بزمن، وربما ما زالت تحدث اليوم، وربما لم تحدث أصلاً! الكاتب دائمًا مسكونٌ بحكايات لم يعشها، ولو عاش الكاتب كل القصص التي كتبها لكانت حياة آجاثا كريستي، عذابًا حقيقيًا..

لعل غاية المنى ونشوة النجاح للممثل والمخرج، هي في استئثار منتجهم الدرامي بوقت واهتمام وتعليقات المتابعين، قدحًا أو مدحًا.. هذا يعني أن الممثل وفّق في أداء دوره، وأن المخرج استطاع قيادة عمل ناجح دراميًا ومثير للجدل.. تخيل شعور من يجهد نفسه في عمل ما، ثم يمر هذا العمل بلا أي ردة فعل أو ضجة؟ الهدوء هنا يسبق عاصفة الإخفاق.

‏أتذكر أنني حضرت نشاطًا لإحدى الجمعيات السعودية في بريطانيا قبل أعوام عرضت فيه الجمعية فيلم (وجدة) للمخرجة السعودية هيفاء المنصور.. كان عدد الحضور محدودًا، لكنهم كانوا من جنسيات وهويات ثقافية مختلفة عربية وأوروبية.. عندما انتهى الفيلم بدأت مناقشة حادة بين الحضور! انقسم الجانب السعودي بين من يقول إن هذا الفيلم لا يمثلنا وأن فيه تجنيًا على المجتمع ومحاولة لتشويهه والعبث بتاريخه واستهداف نسائه، بينما تمسك البعض بقولهم إنهم عاشوا أو عايشوا بعض هذه المواقف. استمرت حفلة الاتهامات حتى تبرعت باحثة أوروبية شابة وقالت “أنا لم أزر السعودية أبدًا في حياتي، لكنني عشت وتعلمت كفايةً لأعلم أن الحكم على مجتمع كامل بكل فئاته من خلال عمل درامي لا تتجاوز مدته الساعتين، حماقةٌ حقيقيةٌ لا تليق بأي شخص قادر على التفكير”.

تدخّل – أيضًا – باحث إيطالي متخصص في الثقافة العربية، قائلاً “إن الدراما لا تسعى لتعميم الأفكار، بل تهدف إلى تسليط الضوء على ما يريد منك الكاتب والمخرج أن تراه وتقتنع به من خلال مرئياته هو غالبًا”.

 

‏الحقيقة أن نزاع الفريقين يثبت الحاجة للتروي قبل الحكم على أي عمل أو منتج ثقافي من خلال حياتنا وتجاربنا ونافذتنا فقط، فالعالم صدقًا لا يدور في فلكنا. أمَّا مداخلة الباحثين الأوروبيين، فقد أكدت لي أن الدفاع عن قضيةٍ ما يفوز به الأقوى حجة، والأكثر مرونة، والأقدر على التحليل، لا الأعلى صوتًا، أو الأقدر على إحداث الضجيج! كما تعلمت – يومها – درسًا مهمًا في الدراما تحديدًا؛ وهو أن انتزاع أي صورة درامية من سياقها يفقِد المحتجون معها أو عليها مصداقيتهم، بل قد يثبت – بشكل ما – وجود ما يحاولون إخفاءه وثبوت ما يسعون لإنكاره في عوالمهم الخاصة.

 

أكاديمية سعودية – مرشحة للدكتوراه في جامعة ليستر ببريطانيا*

@abdullah_nadia

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر