بينما يضغط ترمب على “كيم” في هانوي.. “آبي” يقف على الهامش

التاريخ والوقت : السبت, 2 مارس 2019

ويليان بيسيك

 

لم يرَ المرء اتصالاً هاتفيًا أشد من ذلك الذي جرى بين رئيس الوزراء الياباني “شينزو آبي” والرئيس الأميركي “دونالد ترمب” في العشرين من فبراير الماضي. وهو الاتصال الذي جاء بعد أيام قليلة من إهانة ترمب للزعيم الياباني الذي بنى جزءًا ضخمًا من رأسماله السياسي على مناصرة ترمب، الذي قال للصحفيين إن “آبي” رشحه لجائزة نوبل للسلام، لكن تبيَّن فيما بعد أن ذلك جاء بناء على طلب من البيت الأبيض في أعقاب قمة ترمب مع “كيم يونغ أون” في يونيو الماضي؛ وهو ما ترتب عليه أن تعرض “آبي” لاستجواب من قبل المشرعين اليابانيين الغاضبين، الذين سألوه: هل هذا بجدٍّ؟ ومن ثَمَّ ربَّما يجد “آبي” نفسه هذا الأسبوع في موقف محرج مرة أخرى، إذ تزداد سخرية ترمب منه في “هانوي”.

عذرًا شينزو

لن يكون رئيس الوزراء الياباني على أتم الاستعداد عندما يلتقي ترمب والدكتاتور الكوري الشمالي للمرة الثانية. إذ لم يدرج ترمب “آبي” في مخطط لقاءاته. وبينما تعتبر”هانوي” شأنًا ثنائيًا، يتجاهل ترمب “آبي” الذي لم يخفِ رغبته في أن يشارك في القمة الأميركية الكورية الشمالية؛ فربَّما يعني ذلك أن أهم أولويات طوكيو تكمن في الخروج من أزمة جارتها الشمالية، إذ يبرز في ذلك المشهد مصير المواطنين اليابانيين الذين اختطفتهم “بيونغ يانغ” في العقود الأخيرة، فضلاً عن قدرات “كيم” قصيرة المدى.

وبالطبع، فإن “آبي” لديه مخاوف تجاه ترمب، وكذلك تجاه “كيم”؛ فبينما يعبِّر ترمب عن خوض “كيم” تجاربه الصاروخية والنووية، وهو ما تتضرر منه طوكيو بالتأكيد، فإن القلق الأشد هو أن يتحول ذلك التهديد إلى كل الجزر، وهو ما يحمل بين طياته عبئًا كبيرًا بالنسبة لـ”كيم” في حالة تحوله إلى منطق المعاملة بالمثل.

لقد بلغت إدارة ترمب، التي تحفها المخاطر، درجة عالية من اليأس إزاء تحقيق فوزٍ يذكر على الساحة العالمية. ثم إن الرئيس الكوري الجنوبي “مون جاي إن” لديه كل الأسباب التي تدعو للقلق من احتمال أن يوافق ترمب على خفض عدد القوات في شبه الجزيرة الكورية بغرض التوصل إلى اتفاق.

لقد جاء رهان “آبي” على ترمب في نوفمبر 2016 بنتائج عكسية على حزبه “الديمقراطي الليبرالي”؛ إذ كان يأمل في الحفاظ على العلاقة العسكرية مع واشنطن، وأن يجنب بلاده الموقف العدائي لترمب تجاه التجارة مع الدول الآسيوية. فقد شهدت السنوات الأخيرة آمالاً مخيبةً، بانسحاب ترمب من الشراكة عبر المحيط الهادئ، ورفض منح طوكيو الحق في فرض التعريفات الجمركية. بجانب ذلك، فقد هدد بفرض ضرائب على السيارات اليابانية، وهو ما دفع “آبي” لتقديم المزيد مقابل الخدمات التي تقوم بها القوات الأميركية في اليابان، وهو ما فعلته “سيول” في الآونة الأخيرة بالفعل.

كذلك كان لدى “آبي” بعض التساؤلات في يونيو الماضي عندما رفض ترمب الضغط على “كيم” بخصوص المختطفين، وهو ما يعتبر أمرًا مهمًا جدًا بالنسبة لزملائه من التيار القومي. فقبيل قمة سنغافورة، طلب “آبي” من ترمب ممارسة المزيد من الضغط على “كيم” بشأن إعادة اليابانيين الذين اختطفهم عملاء كوريا الشمالية في السبعينيات والثمانينيات والبالغ عددهم نحو 17.

وسيكون الأمر صعبًا على “آبي” بأن يقبل إهانة أخرى في حال تجنب ترمب هذا الموضوع. ومع ذلك، فمن المحتمل أن يكون هذا هو الحال، مع الأخذ في الاعتبار أن ترمب وجَّه لـ”كيم” درسًا في حقوق الإنسان.

ينطبق ذلك – أيضًا – على منظومة الصواريخ قصيرة المدى، إذ يركز ترمب الذي يرفع شعار “أميركا أولاً” بشكل كبير على الصواريخ البالستية العابرة للقارات، التي يمكن أن تصل إلى الشواطئ الأميركية. ففي حين قال “آبي” إن هذا “ليس له معنى بالنسبة لليابان”، يتحدث وزير الخارجية الأميركي “مايك بومبيو” حاليًا عن الحاجة إلى ما يعتبره “تقليلاً للخطر عن الشعب الأميركي”.

مع ذلك، فمن غير المحتمل أن تؤدي مثل هذه التعليقات إلى تهدئة حالة انعدام الأمن التي تشعر بها طوكيو هذا الأسبوع؛ إذ يؤدي الافتقار إلى المدخلات التي يسعى إليها فريق ترمب من طوكيو إلى تعميق الشعور باللامبالاة التي تنطوي عليها توجهات ترمب. فقبيل قمة “كيم” التي عقدت هذا الأسبوع، كانت وتيرة اتصالات ترمب مع “مون” أسرع مما هي عليه مع “آبي”، ناهيك عن الاتصالات مع “كيم”. ومع ذلك، فإن ترمب لا يبدو خلال اجتماعاته في “هانوي” كقائد عالمي يستمد قوته من الحلفاء.

اليابان تتجاهل

لم يكن أي زعيم آخر في “العالم الحر” أكثر دعمًا لترمب من “آبي”، ذلك أن هناك عددًا قليلاً من القادة الذين يمكنهم كسب المزيد من المحادثات مع “بيونغ يانغ” مقارنة مع “آبي”. فمع تباطؤ نمو الاقتصاد الياباني والفضائح التي أطاحت بدعم حزبه، يمكن القول إن التقدم في العلاقات مع كوريا الشمالية يمكن أن يعيد النشاط لحكومة “آبي”؛ وهو ما ينعكس بدوره على “آبي” ذي النزعات القومية، ولا سيَّما فيما يخص التنافس مع ترمب على “بوتين”، حيث يخاطر “آبي” إلى حدٍّ بعيد عندما يتجاهل مصالح طوكيو بفاعلية. ولهذا، فلا عجب أن يكون ترمب، كما يقول “جيف كينغستون”، رئيس قسم الدراسات الآسيوية بجامعة طوكيو، هو “أقل الرؤساء الأميركان شعبية في اليابان على الإطلاق”؛ وهو ما يزيد من التعقيدات التي تواجه الفترة الثالثة لـ”آبي” كقائد. ومع إطلاق برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي يعرف بـ”آبينوميكس”، لم يكن لدى “آبي” الكثير من الجهود الدبلوماسية التي بذلها منذ ديسمبر 2012؛ فقد التقى “آبي”، على سبيل المثال، مع “فلاديمير بوتين” 25 مرة للتفاوض على عودة سلسلة جزر متنازع عليها منذ الحرب العالمية الثانية.

هنا يمكن القول بأن بريق الصين تحت قيادة “جين شينغ بينغ” طغى على ترمب بشكل أكبر من “آبي”. فالرئيس الأميركي يحترم القوة؛ لذا، فقد انتقل عدو “آبي” إلى برج ترمب بعد تسعة أيام من فوز ترمب بانتخابات 2016، فتراجعت الأهمية التي كان البيت الأبيض يوليها لطوكيو. فقد كانت استراتيجية “شي” في الصين ثابتة تقوم على الاستنزاف والصبر والثقة والهدوء؛ حيث تراهن “بكين” على عودة الأميركيين إلى انتخاب البراجماتيين المؤيدين للتجارة بدءًا بانتخابات العام المقبل. فكل ما على الصين فعله هو استرضاء ترمب مع تنازلات هنا وهناك على مدار الوقت. فالاستراتيجية القائمة تؤتي ثمارها بالفعل، وبخاصة مع تأخر الموعد النهائي لمفاوضات بشأن التعريفة الجديدة حتى مطلع شهر مارس، وهو ما يدل على بداية إنهاء الحرب التجارية قبل أن تنهار أسواق الأوراق المالية. ذلك أن أفضل الاحتمالات لدى “بكين” هو التوصل إلى اتفاق يمنح ترمب حقوق التفاخر، لكنه يسعى لتغيير آليات التجارة الصينية – الأميركية على المدى البعيد بشكل ما، والحال نفسه الذي خطط له “شي”.

وعلى الجانب الآخر، ليس لدى “آبي” الرفاهية لفعل ذلك؛ فترمب سيزور اليابان قريبًا للقيام بفعل أي شيء لمواجهة الاضطرابات الثنائية، ويتوقع ترمب أن يبتز صديقه بتهديده بخصم يصل إلى 25% على السيارات وذلك في مواجهات ترتيبات تتعلق بالأمن القومي؛ فقد أدى طلب “آبي”  الخاص بترشيح ترمب لجائزه نوبل إلى تضاؤل الثقة به بين المحافظين، وأوقع أثرًا سلبيًا بين الكثير من السكان اليابانيين البالغ عددهم 127 مليون نسمة. ومن ثَمَّ، فمن المرجح أن تستمر الضربات في الوقت الذي يقضي فيه ترمب على “كيم” في الفناء الخلفي لـ”آبي”، إذ تبدو طوكيو في حالة حذرة جدًا لكونها باتت عاجزة بالفعل.

 

المصدر/ آسيا تايمز

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر