انهيارالعملة التركية يفرض نفسه على الصحافة العالمية

التاريخ والوقت : الإثنين, 13 أغسطس 2018

فرضت الأزمة التي يعاني منها الاقتصاد التركي، أخيرًا، نفسها على اهتمام الصحافة العالمية، إذ أفردت كبرى الصحف العالمية مساحات واسعة لمناقشة تلك الأزمة ومحاولة التعرف على أبعادها وأسبابها ومآلاتها، ومدى انعكاس ذلك على شبكة العلاقات الاقتصادية التي ترتبط بها أنقرة. والملاحظ على اتجاهات الرأي العام، في مجملها، أنه رغم التطور والطفرة التي شهدها الاقتصاد التركي خلال السنوات الأخيرة، فإن السياق السياسي الذي صاحب الانتخابات البرلمانية والرئاسية التركية الأخيرة، وطريقة تعامل الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، قد فرض نفسه بإضفاء مناخ تشاؤمي بين أوساط المستثمرين الأجانب والمؤسسات العالمية تجاه الاقتصاد التركي، الأمر الذي كان له بالغ الأثر على الاتجاهات السلبية للاقتصاد التركي، وهو ما تجلى في أزمة انهيار العملة التركية. ولعل ما زاد الأمر تعقيدًا، هو أسلوب إدارة الأزمة من جانب الرئيس التركي وفريقه الاقتصادي والسياسي، مما عزز مخاوف الرأي العام الداخلي، حيث اتجه الجميع نحو الاحتفاظ بالعملات الأجنبية باعتبارها مخزنًا آمنًا بعيدًا عن الليرة الآخذة في التهاوي.

التعريفات الأميركية والانزلاق للأزمة

لقد كشفت صحيفة “الجارديان” البريطانية عن توجهات الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، نحو تركيا، حيث أبرزت تصريحات الرئيس الأميركي التي قال فيها “علاقاتنا مع تركيا ليست جيدة في الوقت الحاضر”. كما ركزت الصحيفة البريطانية على تبعات انخفاض العملة التركية، حيث جاء في تقرير تحت عنوان (الأزمة التركية تتعمق مع زيادة ترمب للتعريفات الجمركية)، أنه “انخفضت الليرة بنسبة 14٪ مع اندفاع المستثمرين إلى المخارج، حيث اتجهوا نحو شراء الدولار والين وأصول أخرى ينظر إليها على أنها ملاذات آمنة في أوقات تقلبات الأسواق المالية. كانت الليرة تحت ضغط متواصل على البورصات الأجنبية، حيث انخفضت بنسبة 50٪ تقريبًا مقابل الدولار في الأشهر الـ12 الماضية، ووصلت إلى سلسلة متتالية من الانخفاضات القياسية هذا الأسبوع”.

وفي تقرير للصحفي البريطاني “أنديريو ووكر” على موقع “بي بي سي”، يسلط الضوء على وضع الديون الخارجية التركية، إذ إن لديها مستوى عاليًا من الديون المستحقة السداد في المستقبل القريب – القروض التي يجب سدادها والأموال المقترضة من جديد. لاستخدام لغة الأسواق المالية، يجب إعادة تمويل الديون. وتقدر وكالة “فيتش” للتصنيف الائتماني أن احتياجات التمويل الإجمالية لتركيا هذا العام ستكون حوالي 230 مليار دولار. ويضيف التقرير أن العديد من الشركات التركية استعانت بالعملة الأجنبية. وتصبح هذه القروض أكثر تكلفة للسداد إذا انخفضت قيمة العملة الوطنية التي لديها. كما يؤدي ضعف العملة إلى تفاقم مشكلة التضخم المستمر في تركيا، والليرة الأضعف تجعل الواردات أكثر تكلفة.

وتحت تقرير بعنوان (أردوغان يتحدى بينما ينزلق نحو الأزمة المالية)” على موقع “بلومبيرغ” الاقتصادي الشهير، للمحلل الاقتصادي “كونستانتين كوركولاس” أورد فيه أن الاضطرابات الناجمة عن الأزمة المالية تنسحب بدورها على الاقتصاد التركي برمته، إذ اقترضت الشركات الخاصة التركية بشكل كبير من العملات الأجنبية، كما أن الحكومة تتكبد نسبة كبيرة من الديون بما يعادل حوالي 40٪ من الناتج الاقتصادي السنوي. وقد طلبت العديد من التكتلات الكبيرة من الحكومة التركية، إعادة هيكلة ديون الدولارات بمليارات الدولارات، ومن المؤكد أن المزيد سيتبعها. ووفقًا للتقرير، فإن القضية الأكثر إلحاحًا بالنسبة لصانعي السياسات في تركيا، هي النظام المالي الذي يتعرض لصدمات أسعار الفائدة والصرف.

أردوغان وإدارة متغطرسة للأزمة

وعلى موقع “ذا هيل” انتقد الكاتب البريطاني “ديسمون لاتشمان” أسلوب الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، لإدارة الأزمة، حيث يرى أنه زاد الأمر تعقيدًا، إذ يقول “إن ما يعقد الأزمة حقيقة هو رجب طيب أردوغان، رئيس تركيا القوي والمتغطرس، الذي يُنظر إليه على نطاق واسع من قبل الأسواق على أنه شخص يعتقد أن الاقتصاد التركي لا يخضع لقوانين الاقتصاد المعتادة”. فطريقة إدارة أردوغان نفسها، أسهمت في زيادة تعقيد أزمة انهيار الليرة التركية مع تسارع التضخم، حيث استمر أردوغان في الإصرار على أن أسعار الفائدة المرتفعة تسبب التضخم وليس علاجه. كما أنه لم يساعد ذلك، في الوقت الذي كانت الأسواق تبحث فيه عن دلائل، على أن تركيا ستقوم بشيء جدي لخفض الخلل في التوازن الخارجي، فقد استمر أردوغان في الترويج لمشاريع الإنفاق الحكومية الطموحة.

فالاختلالات الاقتصادية المتنامية لم تتسبب في حدوث مشاكل في البلاد خلال السنوات الماضية، حيث كانت البنوك المركزية الكبرى في العالم تغمر العالم بالسيولة من خلال سياساتها النقدية غير التقليدية، فبمجرد أن بدأ مجلس الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة وخفض حجم ميزانيته العمومية المتضخمة، بدأت الليرة التركية في التأرجح، وهو ما أثر في رأس المال الأجنبي، الذي كان قد تدفق إلى البلاد في وقت سابق بحثًا عن عوائد أعلى من تلك التي كانت معروضة في بلدانهم، واتجه إلى البحث عن ملاذات أكثر أمانًا لاستثمارها.

تسييس الأزمة

وعلى موقع “بيزنيس إنسايدر” كتب المحلل الاقتصادي “جيم إدوارد” تحليلاً بعنوان (أزمة الليرة التركية وسوء فهم أردوغان الأساسي لكيفية عمل أسعار الفائدة “الشريرة”)، جاء فيه أن الدافع الأساسي للأزمة التي تعاني منها تركيا  – حاليًا – هو تهديدالرئيس الأميركي ترمب، بفرض عقوبات على اثنين من الوزراء الأتراك البارزين، احتجاجًا على سجن “أندرو برونسون”، وهو قس مسيحي أميركي سُجن بتهمة ارتباطه بحركة “غولن” التي تعارض الحكومة الحالية في تركيا، فقد كانت العقوبات التي فرضت قبل انخفاض الليرة  تتمثل في تجميد الأصول الصغيرة لحفنة من المسؤولين الأتراك. كما أعلن ترمب، أن العقوبات سوف تمتد إلى 20٪ على الألومنيوم و50٪ على الصلب.

ويؤكد “إدوارد” أن المشكلة بالنسبة لتركيا، تكمن في أن اقتصادها حقق نموًا متسارعًا خلال السنوات الأخيرة؛ فبوجه عام يعد ذلك أمرًا جيدًا، ويعد أحد الأسباب التي أدت إلى فوز أردوغان بإعادة انتخابه هذا الصيف، لكن النمو المتسارع يمثل دفع الأسعار نحو الارتفاع، حيث يفوق الطلب العرض. هنا يمكن للتضخم المرتفع أن يقتل الاقتصاد عن طريق جعل عملته عديمة القيمة؛ فلا أحد يريد استخدامها إذا كانت قيمته غدًا جزءًا من قيمته اليوم، وبالتالي تميل العملات فقط إلى الاحتفاظ بقيمتها عند استقرار الأسعار؛ ذلك أن الطريقة الوحيدة للحفاظ على قيمة الليرة، هي أن يقوم البنك المركزي التركي ببيع السندات الحكومية وزيادة سعر الفائدة الذي يقدمه لأي شخص يريد الاحتفاظ بها. وبذلك، سوف يأخذ البنك المزيد من الليرات، وبالتالي إزالة العملة من السوق. مثل أي سلعة، فإن انخفاض المعروض من الليرة سيزيد من قيمته ويستقر سعره.

لسوء الحظ، أن أردوغان وزوج ابنته، يفعلان عكس ما يوصي به المتخصصون بترك سعر الفائدة وحده، فقد أشاروا إلى أن سعر صرف الليرة في السوق لن يستقر قريبًا. وفي يوليو، عندما فشل البنك في التصرف، صرح المسؤول عن المصرف المركزي التركي “سنشهد انخفاض التضخم وأسعار الفائدة في الفترة المقبلة”. وعلى ذلك، فإمَّا أن أردوغان والبيرق لا يفهمان ما يجب عليهما فعله للتحكم في الأزمة، أو أنهما ينظران إلى تحديد سعر الفائدة على أنهما شريران سيعيشان مع العواقب.

على أي حال، فقد تركز اهتمام الصحافة العالمية بالأزمة التركية في المقام الأول على طريقة إدارة الرئيس التركي للأزمة، التي يرى الجميع أنها المتسبب الأول في تفاقم الأزمة وليس حلها.

نخلص من العرض السابق إلى أن الأزمة الأخيرة التي يعاني منها الاقتصاد التركي، ارتبطت بعدد من العوامل التي ساهمت في تأجيجها، وكانت على النحو التالي:

1- ارتبطت الأزمة بدرجة النمو التي وصل إليها الاقتصاد التركي، حيث أدت إلى زيادة الطلب الكلي مما أضاف عبئًا على المعروض بشكل عام، لينتهي الأمر إلى حالة من التضخم نتيجة لزيادة الطلب.

2- أثارت الأوضاع السياسية غير المستقرة، في أعقاب الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الأخيرة، مخاوف عدة في المجتمع التركي؛ مما أثر سلبًا في توقعات الاستثمار، فصار المناخ العام طاردًا على خلاف ما يرغب أردوغان.

3- اتسمت إدارة حزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان، بالتخبط وغياب الرؤية وضعف الكفاءة في عملية صنع القرار، وهو ما بدا في تصرفات الرئيس التركي، التي كان أبرزها إنكار الأزمة بالأساس.

4- مثَّل خروج أردوغان على الشعب ومطالبته إيَّاه بالتخلي عن العملات الأجنبية وضرورة الاحتفاظ بالعملة التركية، مبعثًا لقلق ومخاوف الكثيرين، وهو ما ضاعف المخاوف من الأزمة، وكان من نتائج ذلك ارتفاع نسبة الخسائر التي منيت بها الليرة التركية في مواجهة الدولار.

وحدة الرصد والمتابعة *

المراجع

  1. Is Turkey heading for an economic crisis? https://www.bbc.com/news/business-45113472
  2. Turkish crisis littered with lessons for Trump, US economy. http://thehill.com/opinion/finance/401216-turkish-crisis-littered-with-lessons-for-trump-us-economy
  3. Turkey’s Currency Crisis: What Happened, What’s Next, Why It Matters. https://www.thestreet.com/markets/turkey-s-currency-crisis-what-happened-what-s-next-why-it-matters-14679835
  4. Turkey’s lira crisis may be down to Erdogan’s fundamental misunderstanding of how ‘evil’ interest rates work. https://www.businessinsider.com/turkish-lira-crisis-erdogan-interest-rates-2018-8
  5. Erdogan Defiant While Turkey Slips Toward Financial Crisis. https://www.bloomberg.com/news/articles/2018-08-11/with-turkey-crisis-erupting-bankers-gather-for-emergency-talks
  6. Turkish Crisis Rattles Global Markets Amid Escalating Spat With U.S. https://www.wsj.com/articles/turkish-crisis-rattles-currency-markets-dollar-hits-one-year-high-1533883798
  7. Turkey’s lira crisis explained.
  8. https://www.bbc.co.uk/news/world-europe-45142256

 

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر