اليابان تفتح باب الهجرة.. هل تُعوِّض خسائر اقتصادها بالأيدي العاملة الجديدة؟

التاريخ والوقت : الثلاثاء, 2 أكتوبر 2018

تُعدُّ “اليابان” إحدى أهم الدول الرائدة على المستوى العالمي بعد الولايات المتحدة الأميركية والصين، فقد أبهرت الجميع بتطورها التكنولوجي وقدراتها الاقتصادية التي احتلت المرتبة الثالثة في الاقتصاد العالمي، بعد وصول الناتج المحلي إلى معدل 4.73 ترليون دولار، موزع على ما يُقارب من 128 مليون نسمة بمعدل 39 ألف دولار سنويًا للفرد.

لكن، بالرغم من قوة الاقتصاد هذه، فإنَّه واجه في السنوات الأخيرة تباطؤًا فتدنى من متوسط 10% في عقد الستينيات إلى متوسط 4% في عقد الثمانينيات، واستقر بعدها طويلاً حتى عام 2008،  حيث وقعت البلاد منذ ذلك الحين في ركود أربع مرات. ولعل السبب في ذلك، الهرم السكاني الذي أخذ يميل إلى الشيخوخة، خاصة إذا ما علمنا أن 27% من السكان تزيد أعمارهم على 65 عامًا، مقابل 13% من السكان أعمارهم 14 عامًا.(1)

الاقتصاد الياباني يواجه أزمة الديموغرافيا

إن أبرز التحديات الهيكلية التي يواجهها الاقتصاد الياباني، هي أزمة الديموغرافيا، حيث انخفض معدل الخصوبة باليابان خلال العام الماضي إلى 1.43، وهو ما كان له أثر واضح على انكماش القوى العاملة، فانخفضت بنسبة 13% عمَّا كانت عليه مع بداية الألفية الثالثة، وساهم – أيضًا – في تقليص حجم الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.2% خلال الربع الأول من العام الجاري 2018.

وأمام هذه الأرقام المُخيفة أعلنت الحكومة اليابانية عزمها استقبال ما يُقارب من 500 ألف عامل بحلول عام 2025، بعد أن كانت من أقل الدول الآسيوية قبولاً للمهاجرين وتوظيفًا للعمال الأجانب لأسباب تتعلق بثقافتها المعزولة والمستوى المتدني لاستخدام اليابانيين للغة الإنجليزية. وسيتركز استقطاب العمال الأجانب على مجالات متخصصة كالفندقة والبناء والزراعة ورعاية المُسنين، وكذلك بناء السفن. وتقول بيانات الحكومة اليابانية الرسمية، إن السنوات الخمس الأخيرة، شهدت ارتفاعًا في أعداد العمال الأجانب، حيث بلغوا 1.3 مليون عامل أجنبي يُشكلون ما نسبته 2% من القوى العاملة في اليابان، وغالبيتهم من الأجانب الحاصلين على تأشيرات الطلاب أو المتدربين كالصينيين الذين يعملون في محلات الصرافة، وكذلك الفيتناميون الذين يتجهون للعمل في المصانع وغيرهم. ومع هذه الزيادة، فإن اليابان ستبقى بحاجة إلى قرابة مئتي ألف مهاجر سنويًا لتحقيق التوازن في عدد السكان الذي يتناقص قرابة ألف شخص يوميًا، وتتوقع الحكومة اليابانية أن تحتاج إلى 380 ألف ممرضة بحلول عام 2025 لتحسين واقع رعاية المسنين لديها، مؤكدة أنها ستُقدم المزيد من إجراءات الاستقرار، وستمنحهم الحق في البقاء في اليابان مدة خمس سنوات دون السماح لهم بإحضار عائلاتهم.(2)

الروبوت محاولة لتفادي نقص الأيدي العاملة

في ظل النقص المستمر في الأيدي العاملة، لم تجد الحكومة اليابانية بدًّا من استخدام تكنولوجيا التشغيل الآلي “الروبوت”، ورصدت لذلك مئة مليار ين من جانب القطاعين العام والخاص لتطوير الجيل القادم من “الروبوت”، أملاً منه في زيادة الإنتاجية، ومن ثَمَّ مساعدة الشركات على زيادة العائدات.

وبحسب الخطة الحكومية، فقد تمت إقامة قاعدة في مقاطعة “فوكوشيما” شمال شرقي اليابان، من أجل إنجاز الاختبارات وجمع البيانات التي تسهل عمليات التطوير للروبوت لاستخدامه ليس في قطاع التصنيع فقط، بل أيضًا في قطاع الخدمات، وخاصة مواقع الكوارث التي لا يُمكن أن يدخلها الإنسان، بالإضافة إلى إدخاله إلى الرعاية الصحية باستخدام الأجهزة الطبية التي تعمل بتكنولوجيا التشغيل الآلي.(3)

وتموّل الحكومة اليابانية تطوير استخدام الروبوتات في رعاية المسنين، لملء فجوة متوقعة تبلغ 380 ألفًا في العمالة المتخصصة في هذا المجال بحلول عام 2025. ويتوقع مدير مكتب سياسات استخدام الروبوتات في وزارة الاقتصاد، أن دولاً أخرى ستحذو حذو بلاده، ما سيفتح الباب لصادرات الإنسان الآلي من اليابان أيضًا. وبالرغم من اجتهاد الحكومة اليابانية في الترويج لفكرة استخدام الروبوتات في كافة المجالات الخدمية والتصنيعية من خلال توصيفها بالصفات الإيجابية التي تُبرز فائدتها للفئات المجتمعية المختلفة، وبخاصة المُسنون؛ فإن العديد من المعوقات تقف أمام انتشارها كارتفاع التكلفة، ومشكلات أخرى تتعلق بالسلامة وسهولة الاستخدام، خاصة من كبار السن.

وأدخلت العديد من المطاعم والمقاهي، وكذلك المصانع والمتاجر الكبرى، الروبوتات على نظام عملها، سعيًا منها لتقليص نفقات العاملين، وضمانًا لسرعة العمل وزيادة الإنتاجية، وكانت شركة “جلوري” اليابانية من أولى المستجيبات لتوجيهات الحكومة، وبدأت بتشغيل فرقة من الآليين، كلفة الواحد منهم 7.4 مليون ين في المصنع لديها لحل مشكلة نقص الأيدي العاملة وضعف النمو. ووفقًا لنتائج مسح أجراه بنك اليابان، فإن شركة الروبوت الصناعي “فانوك كورب”، أنفقت حوالي 130 مليار ين في عام 2014 لتشييد مصنع جديد لمعدات أنظمة التحكم المحوسبة، وفي ذات الفترة – أيضًا – أنفقت شركة سوني نحو 210 مليارات ين لزيادة الطاقة الإنتاجية من مجسات التصوير.(4)

أخيرًا.. فتح باب الهجرة

النسب المتوالية لنقص الأيدي العاملة، دفعت باليابان الدولة الأكثر تشددًا في قوانين الهجرة، إلى إحداث بعض التغييرات في قوانينها وفي قبولها للمهاجرين الذين اعتبرتهم – دومًا – مصدرًا للفوضى والجريمة. ففي عام 1993 أطلقت اليابان مشروعًا لاستقبال الأجانب للعمل فيها بسبب الطبيعة العمرية في اليابان، التي تتضمن فئة قليلة من الشباب. وفي عام 2012 عملت على تقليص فترة انتظار المتقدمين من ذوي المهارات العالية في ثلاث فئات، هي: الأنشطة الأكاديمية البحثية المتقدمة، والأنشطة المتخصصة والتقنية المتقدمة، وأنشطة إدارة الأعمال المتقدمة؛ وهو ما شجع الكثيرين على الهجرة إلى اليابان. وكانت الحكومة اعتمدت عملية جديدة باسم “استراتيجية إحياء اليابان” في يونيو 2016 الماضي، انطوت على تعزيز القدرات الابتكارية والإبداعية لدى العمال الأجانب لترسيخ وجودهم، ما أدى إلى اختفاء العائق أمام استصدارهم تأشيرات الدخول وانعكس على زيادة أعدادهم.(5)

 وخلال عام 2017، أعلنت وزارة العدل المشرفة على الهجرة، قيامها بوضع قواعد جديدة مرتبطة بقضية الإقامة الدائمة، أملاً في استقطاب أكبر عدد من العمالة فائقة المهارات من الخارج للعمل في مؤسساتها الاقتصادية. وبحسب الوزارة، فإن الإقامة الدائمة ستُمنح للمتقدمين بعد عام من إقامتهم في اليابان، مخالفة بذلك القانون القديم الذي كان يمنحهم الإقامة الدائمة بعد مضي عشر سنوات على مكوثهم في البلد.(6)

وأخيرًا، طالبت الشركات اليابانية بفتح باب الهجرة أمام العمال المهرة وذوي الكفاءات العالية من أجل حل مشكلة نقص الموارد البشرية في البلاد، التي تسبب فيها ضعف نسب الخصوبة لدى اليابانيين وارتفاع معدلات الشيخوخة. وبحسب استطلاع رأي أجرته هيئة “نيكي للبحوث”، فإن 57% من الشركات اليابانية المتوسطة والكبرى، ترغب في زيادة أعداد العمال الأجانب ذوي المهارات والكفاءة العالية لديها، في حين فضلت 60% من الشركات إيجاد نظام هجرة مفتوح بشكل أكبر، ورأى فقط ما نسبته 38% من الشركات ضرورة السماح للعمالة غير المؤهلة بدخول البلاد للحد من النقص الهائل في العمالة.(7)

وتظهر نتائج الاستطلاع أن الشركات اليابانية، رغم إدراكها لحاجة البلاد إلى أيدٍ عاملةٍ على المدى البعيد، فإنها ما زالت حذرة من قبول العمال الأجانب، وأنها تحاول في الوقت الراهن التكيف مع ذلك النقص بالاستثمار في تكنولوجيا التشغيل الآلي، بالإضافة إلى استفادتها من الطلاب الأجانب الحاصلين على إقامة والذين يُسمح لهم بالعمل أسبوعيًا 28 ساعة.

ووفقًا لإحصاءات جمعتها وزارة الصحة والعمل والرفاه اليابانية، فإن أعداد العمال الأجانب في البلاد قد تضاعفت من 680 ألفًا في عام 2012 إلى 1.28 مليون في أكتوبر عام 2017، وساهمت الصين بأكبر عدد من العمال الأجانب من إجمالي العمالة لعام 2017، حيث بلغ 370 ألفًا، وتتبعها فيتنام، ثم الفلبين.

نتائج

1- حرص اليابان على استمرار تجانس سكانها، جعلها ترفض على مدار سنوات طويلة هجرة الأجانب إليها، فلم تتجاوز نسبة وجودهم لديها أكثر من 2% من عدد السكان، وقد تذرعت بخشيتها من جلبهم للجريمة للبلاد، وعدم تمكن اليابانيين من التواصل معهم بشكل سليم.

2- إن تقلص عدد السكان وزيادة أعداد المُسنين، دفع اليابان للتخلي عن سياساتها القديمة وحملها على تقبل المهاجرين الذين وجدت فيهم فرصة مميزة لحل أزماتها الاقتصادية، بخاصة ذوو المهارات والكفاءة العالية منهم.

3- اجتهدت الحكومة اليابانية في إيجاد الحلول لأزمة نقص الأيدي العاملة بإدخال أجهزة الذكاء الاصطناعي في عمليات الإنتاج وتقديم الخدمات، وبخاصة الصحية.

4- إن جلب المزيد من العمال الأجانب يعتمد على تسهيل إجراءات الدخول للمهنيين من ذوي المهارات المرتفعة، وتوسيع نظام “المتدربين” بما يُحقق هدف نقل التكنولوجيا للدول النامية.

وحدة الدراسات الاقتصادية*

المراجع

1-   7 حقائق لا تعرفها عن الاقتصاد الياباني. العربية.نت. https://bit.ly/2OuXf7P

2-    أخيرًا.. اليابان تفتح أبوابها للمهاجرين بهذه المجالات. الرسالة.نت. https://bit.ly/2PJKGpz

3-    اليابان تستعين بالإنسان الآلي لمواجهة نقص السكان والعمالة. DW.https://bit.ly/2D6fH5C

4-    الروبوت يحل مشكلة نقص الأيدي العاملة اليابانية. المصري اليوم. https://bit.ly/2MxYJwv

5-    اليابان تسهل إجراءات الهجرة إليها. سبوتنيك عربي. https://bit.ly/2DbaHgf

6-    الآن بسهولة يُمكنك الحصول على إقامة دائمة في اليابان. سكاي نيوز عربية. https://bit.ly/2pdkRD2

7-    اليابان تريد فتح الباب للمهاجرين.. بشروط. سكاي نيوز عربية. https://bit.ly/2pauToC

 

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر