الولايات المتحدة وتركيا من التحالف إلى الأزمة

التاريخ والوقت : الخميس, 9 أغسطس 2018

ديفين أرسلان، بينار دوست نييجو، جرادي ويلسون

 

تضامن الشعب التركي مع نظيره الأميركي يومًا ما حينما قتل الرئيس “جون إف كينيدي”، وكذلك حينما قاتل الشعبان جنبًا إلى جنبٍ أثناء الحرب الكورية، لكن السؤال الآن: كيف تحول هذا التحالف العظيم إلى درجة من البرود؟

لقد تعرضت العلاقات القوية على مر التاريخ بين واشنطن وأنقرة، لاختبار عميق عبر سلسلة من الأزمات والخلافات التي لا يبدو أنها انتهت. فبعد كل تطور يزعم المراقبون مرارًا أن العلاقات بين الجانبين لم تكن على هذا القدر من السوء. إذ يبدو أن كل مرحلة يظهر فيها النزاع تصل فيها العلاقات إلى وضع أكثر سوءًا؛ فقد كانت العقوبات الأخيرة التي فرضتها واشنطن على اثنين من الوزراء الأتراك، محل نقدٍ كبيرٍ. وحتى تلك اللحظة، ظلت العلاقات الأميركية التركية على قدرٍ من المرونة؛ ففي الاجتماع الذي عقد في الثالث من أغسطس الجاري، بين وزير الخارجية الأميركي “مايك بومبيو” والتركي “مولود جاويش أوغلو”، أبدى حليفا الناتو درجة واضحة من الحفاظ على الحوار رغم التوترات المتزايدة.

ترجع جذور الخلافات الحالية بين الولايات المتحدة وواشنطن إلى السنوات الأخيرة من فترة إدارة أوباما، وبخاصة مع قرار واشنطن دعم وحدات حماية الشعب الكردية السورية، وهي ميليشيات ذات علاقات وثيقة بحزب العمال الكردستاني، المنظمة التي تعتبر إرهابية من قبل أنقرة وواشنطن، بالإضافة إلى الاتحاد الأوروبي.

لكن تركيا لا تميز بين الجماعتين؛ إذ نددت مرارًا باستراتيجية استخدام منظمة إرهابية، وهي حزب العمال الكردستاني، لمحاربة تنظيم “داعش” الإرهابي. فالولايات المتحدة، كانت في حاجة لإيجاد قوة برية فعالة يمكن الاستعانة بها في محاربة “داعش” التي تتجاوز كل المخاوف الأخرى.وقد بلغت التوترات بين واشنطن وأنقرة حول سوريا ذروتها في يناير 2018، حينما قامت تركيا بغزو إقليم عفرين، في شمالي غرب سوريا، للقضاء على وحدات حماية الشعب. أمَّا الولايات المتحدة فكانت قلقة من أن يؤدي القتال بين تركيا ووحدات حماية الشعب إلى صرف الأنظار عن محاربة “داعش”. فقد توجت جهود التهدئة حول سوريا باتفاق يونيو 2018 الذي شهد وساطة بين وزيري الخارجية الأميركي والتركي لدفع وحدات حماية الشعب عن مدينة منبج في شمال سوريا.

وبينما استمرت التوترات حول سوريا لعدة سنوات، ظهر عدد من القضايا الأخرى في الآونة الأخيرة؛ فقد أضفت محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو 2016 في تركيا، المزيد من الحالة العدائية بين الجانبين الأميركي والتركي؛ فقد وجهت أنقرة انتقادًا لواشنطن لعدم إدانتها محاولة الانقلاب، فضلاً عن إقامة من تعتبره أنقرة العقل المدبر لمحاولة الانقلاب، فتح الله غولن، بمنفاه الاختياري بالولايات المتحدة منذ 1999. ويشك الكثيرون من الأتراك في تورط واشنطن في تلك المحاولة الانقلابية الفاشلة، كما أن التعنت الأميركي في عدم تسليم “غولن”، زاد من الشكوك التركية وغذّى الخطاب المناهض للولايات المتحدة؛ ما أدى إلى المزيد من عدم الثقة والتفاهم. كما مثَّل انتخاب الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب، في نوفمبر 2015، فرصة لإعادة العلاقات الأميركية التركية، لكن رغم العلاقة الوثيقة بين أردوغان وترمب، فإن الأخير لم يفعل الكثير لتغيير السياسات الموروثة منذ عهد أوباما التي رسخت المأزق الحالي.

كما توترت العلاقات مرة أخرى في خريف 2017 بسبب دعوى قضائية فرضتها إيران على تركيا في إحدى محاكم ولاية نيويورك الأميركية، حيث زعم فيها رجل الأعمال التركي – الإيراني “رضا ضراب”، أن بنك “هالك بنك” المملوك للدولة التركية، ساهم في تجنيب العقوبات الأميركية على إيران من خلال تسهيل دفع ثمن النفط والغاز الإيراني مقومًا بالذهب إلى طهران. حيث تمَّ اعتقال “ضراب” بعد سفره إلى الولايات المتحدة لقضاء إجازته في مارس 2016 قبل محاكمته، إلا أن موقف “ضراب” في القضية انقلب ليصبح شاهدًا بعد أن عرض تقديم شهادته ضد “محمد هاكان أتيلا” نائب المدير العام في “هالك بنك”. وكان “ضراب” في وقت سابق، شخصية محورية في فضيحة الفساد التي أثيرت عام 2014، التي زعم أنها ملفقة من قبل المدعين العامين المحسوبين على حركة “فتح الله غولن”، كما شارك فيها شخصيات حكومية رفيعة المستوى، وقد نظرت السلطات التركية إلى القضية باعتبارها محاولة أخرى من “غولن” لمهاجمة الحكومة التركية. ولذا، فمن المرجح أن تطفو التوترات حول إيران بين الجانبين على السطح قريبًا.

وفي خضم تلك المشاكل المتزايدة بين الولايات المتحدة وتركيا، شهدت العلاقات التركية الروسية، تقاربًا متسارعًا منذ صيف 2016؛ فقد أبرمت تركيا وروسيا اتفاقيات تعاون حول سوريا، من خلال عملية “أستانا” في عام 2017، وبناء خط أنابيب غاز جديد إلى تركيا، وتزويدها بنظام الدفاع الصاروخي الروسي “إس 400”. وقد أصبحت الاتفاقية الأخيرة بمثابة حجر عثرة للولايات المتحدة، التي لم تكن راضية عن احتمال وجود معدات عسكرية روسية متقدمة لدى تركيا الحليفة للناتو، وذلك لعدة أسباب:

أولاً: لم يكن ذلك النظام قابلاً للتشغيل المتبادل مع أنظمة الدفاع التابعة لحلف الناتو، مما يمثل نقطة ضعف في دفاعات الناتو.

ثانيًا: تشعر الولايات المتحدة بالقلق تجاه إمكانية قيام الأنظمة بجمع معلومات عن الجيل القادم من إحدى الطائرات المقاتلة لدى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وهي من طراز “إف 35″؛ حيث تجادل تركيا بأن النظام ضروري لحماية مجالها الجوي. ويلاحظ أن تركيا قد اقتربت في الأصل من الولايات المتحدة لشراء نظام “باتريوت” للدفاع الصاروخي، لكنها لم تتجه إلى روسيا إلا عندما لم تتمكن من التوصل إلى اتفاق. كما اشترت اليونان في وقت سابق، الطراز الأقدم من نظام الدفاع الصاروخي الروسي “إس 300″، ولم يُحدث ذلك نفس المستوى من الضجة.

وقد أصبحت الطائرة “إف – 35” نفسها متداخلة بعمق مع صفقة “إس 400″، حيث كانت الأخيرة أحد الأسباب الرئيسة لإدراج بند خاص في قانون تفويض الدفاع الوطني (NDAA)، الذي أقره الكونجرس الأميركي، أخيرًا، الذي يحظر تسليم طائرات “إف 35” إلى تركيا حتى بعد إصدار وزارة الدفاع الأميركية تقريرًا لتحليل آثار خروج تركيا من اتفاقية الإنتاج المشترك. وهو ما انتقدته أنقرة، حيث تعهدت بنقل القضية إلى التحكيم الدولي إذا لم تحصل على الطائرات، مشيرة إلى أنها دفعت بالفعل مليارات الدولارات في تطويرها وإنتاجها.

وفي أعقاب الانقلاب، قامت تركيا بقمع المتهمين المزعومين، وبلغ الشك وانعدام الثقة تجاه الولايات المتحدة ذروته، حيث اعتقلت تركيا مواطنين أميركيين أتراك يعملون في قنصليات أميركية لدى تركيا بسبب صلات مزعومة بحركة “فتح الله غولن” وحزب العمال الكردستاني؛ وهو ما أدى إلى اعتقال العاملين في القنصليات في شتاء 2017، وذلك بهدف الحد من معظم تأشيرات الدخول إلى الولايات المتحدة، وهي الخطوة التي ردت عليها تركيا على الفور؛ حيث تمَّ حل أزمة التأشيرات في أقل من ثلاثة أشهر، أي بنهاية عام 2017. والآن يتركز الاهتمام على القس الأميركي “أندرو برونسون” المقيم منذ عشرين عامًا، الذي تمَّ اعتقاله أخيرًا، بزعم ارتكابه أعمال تجسس لصالح حركة “غولن”، وهو ما نفاه “برونسون” وواشنطن معًا، ودعت تركيا إلى إخلاء سبيله، لكن الحكومة التركية زعمت أنها لا يمكنها التدخل في أعمال القضاء.

لقد بدا اعتقال “برونسون” كأشد حالات النزاع التي شهدتها العلاقات التركية الأميركية، وذلك بعد أن تحولت تهديدات الرئيس ترمب ونائبه “مايك بنس”، بفرض عقوبات على تركيا بسبب احتجازها لـ”برونسون”، إلى حقيقة في الأول من أغسطس الجاري؛ حيث أعلنت وزارة الخزانة الأميركية فرض عقوبات على وزيري الداخلية التركي “سليمان صويلو”، والعدل “عبدالحميد غول”، على خلفية دورهما المزعوم في اعتقال “برونسون” واستمرار احتجازه.

وأعلنت وزارة الخارجية التركية عزمها على عدم الرضوخ للضغوط الأميركية، وردت على واشنطن مقترحة بسرعة تنفيذ عقوباتها. كما عقد وزير الخارجية “مايك بومبيو”، اجتماعًا مع نظيره مولود جاويش أوغلو، في 3 أغسطس على هامش اجتماع رابطة دول جنوب شرق آسيا، لإجراء مناقشات تتعلق في المقام الأول بتلك العقوبات. كما أعلن الرئيس التركي تجميد أصول المدعي العام ووزير الداخلية الأميركيين في تركيا، بينما قال إن القنوات الدبلوماسية تعمل بكثافة، ورغم أنها كانت خطوات رمزية في معظمها، فإن أردوغان أعلن أن تركيا ليست مستعدة للتراجع.

وبينما كانت التطورات السابقة تجرى، قام القائد الأعلى لقوات حلف الناتو في أوروبا وقائد القيادة الأوروبية، الجنرال “كورتيس مايكل سكاباروتي” بزيارة إلى أنقرة مطلع أغسطس للاجتماع مع رئيس أركان الجيش التركي الجنرال يشار غولر، لمناقشة التعاون في سوريا والعراق.

في كل أزمة هناك فرص قائمة، إذ أدى فرض العقوبات إلى مستوى جديد من المثابرة والوعي لدى الجانبين، الأمر الذي يمكن أن يجعل من السهل على الولايات المتحدة وتركيا الدفع في اتجاه انفراج  الأزمة، فالحوار الدبلوماسي الحالي يمثل نقطة مشجعة وضرورية جدًا. وفي نهاية المطاف، فإن السبيل الوحيد لكي يعود البلدان إلى علاقات صحية ومثمرة حقًا، يكمن في التغلب على عدم الثقة المتبادل وعدم الفهم الذي تمَّ بناؤهما على مر السنين، وقد حان الوقت لأن يعترف الجانبان بالأخطاء، وأن يعملا على بناء الثقة المتبادلة والشراكة الحقيقية التي يحتاجها كلا الطرفين.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات*

المصدر: المجلس الأطلنطي

 

 

 

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر