المنطق وراء التدابير النووية والعسكرية الأخيرة لإيران

التاريخ والوقت : الخميس, 16 أغسطس 2018

حشمت علافي

 

قام النظام الإيراني، أخيرًا، بمواصلة تدريباته العسكرية وتكثيفها بعد العقوبات التي أعادت الولايات المتحدة فرضها عليه، إلى جانب إطلاق صاروخ باليستي قصير المدى بعد توقف دام أكثر من عام. فقد وضع المرشد الأعلى للثورة الايرانية، أخيرًا، ما يمكن اعتباره مسمارًا في نعش أي مفاوضات محتملة بين نظامه وإدارة “ترمب”.

تدّعي إيران أن المواد النووية الحساسة جدًا، مطلوبة لتغذية مفاعل الأبحاث في طهران، إذ إنها تهدد بإعادة تشغيل دورة تخصيب اليورانيوم بنسبة 20% إذا ما ذهبت الصفقة إلىالجنوب، الأمر الذي نال مساحة كبيرة في وسائل الإعلام بالتوازي مع الدفعات الجديدة من اليورانيوم المخصب بنسبة 20% التي أرسلتها إيران إلى روسيا بموجب الاتفاق النووي لعام 2015.

وفي هذه الأثناء، قام مجلس صيانة الدستور التابع مباشرة لـ”خامنئي”، بتدابير لتقريب النظام من المعايير الدولية لمكافحة غسل الأموال، وهنا يثار التساؤل حول أسباب هذا التهديد.

 

تهديدات صاروخية وعسكرية

بعد أن وجّه نداءه الأخير لجميع شؤون الدولة في إيران، وخاصة ما يتعلق بالأمن القومي والسياسة الخارجية، تعرض “خامنئي” في حديثه للمفاوضات مع الولايات المتحدة، حيث بدا من كلامه أن النظام الإيراني يأمل في العيش بطريقة أو بأخرى، كما بدا بوضوح أنه يضع نصب عينيه الانتخابات القادمة.

وبإجراء الاختبارات الأخيرة للصواريخ الباليستية قصيرة المدى، يتضح أن إيران ترسل رسالة إلى واشنطن في مواجهة العقوبات التي فرضتها عليها أخيرًا. فقد أجرت إيران تجربة صاروخية فور وصول “ترمب” إلى السلطة، وهو ما عزز الملاحظات الشهيرة التي قدَّمها مستشار الأمن القومي السابق “مايكل فيلين” وإدارة ترمب حينما عزموا على توقيع العقوبات على طهران، مما يشير إلى أن ساكن البيت الأبيض الجديد لن يتسامح مع مثل هذا السلوك.

ومع عودة طهران لمثل هذه الممارسات، تعود العقوبات الأميركية بقوة، في الوقت الذي تجوب فيه الاحتجاجات كافة أنحاء المدن الإيرانية، بما يضفي زخمًا كبيرًا على المشهد الإيراني؛ فقد تحولت مباريات كرة القدم في نهاية الأسبوع إلى مظاهرة احتجاجية ردد فيها الغاضبون شعارات “الموت للديكتاتور” في إشارة إلى “خامنئي”، كما ظهر الأحواز في المشهد بوضوح خلال الأيام القليلة الماضية.

وتتضمن العقوبات الأميركية التي أعيد فرضها على طهران، أخيرًا، إخراج إيران من سوق الدولار الأميركي، والحيلولة دون تسويق مواردها من الذهب والمعادن الأخرى كالألمنيوم والصلب والجرافيت والسيارات وغيرها.

ويُتوقع أن تشمل العقوبات المشددة، قطاع الطاقة والبنوك بإيران في نوفمبر، حيث تتدهور إمكانات الاقتصاد المتعثر بشكل كبير. إلى جانب ذلك، فقد أصبحت العملة الإيرانية عديمة القيمة، حيث تحولت جميع الشركات إلى السوق السوداء.

هنا يبرز السؤال: هل سيتنبه النظام الإيراني لتهديده بغلق مضيق هرمز الذي يمر خلاله ثلث تجارة النفط المنقولة بحرًا في العالم؟ فبعد الشهور الثمانية عشر الأولى، أعلنت إدارة “ترمب” أنها ستعتبر مثل هذه الإجراءات بمثابة عمل حرب.

إذ صرح الجنرال “جاك كين” لقناة “فوكس نيوز”، أخيرًا، أنه “إذا تمَّ غلق مضيق هرمز، فسوف نتعامل مع الأمر بكل حسم وقوة عسكرية”، لكن الواضح من خلال الأربعين سنة الماضية أن النظام الإيراني لا يرغب في إثارة النزاع مع الولايات المتحدة، حيث يخوض المواجهة عبر منطق الحرب بالوكالة لمهاجمة الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين، وتتجنب طهران المواجهة مع واشنطن من خلال عمل عسكري.

ومن المعروف أن إيران، التي تعاني من تهديدات متنامية، تلجأ إلى تدابير لحفظ ماء الوجه، وخاصة مع تصاعد الضغوط الدولية ومواجهة دولة مضطربة، فالنظام الإيراني بحاجة ماسة إلى الحفاظ على وضع قوي.

فقد أعلن “بهروز كامالاندي”، الناطق باسم منظمة الطاقة الذرية في النظام الإيراني، أخيرًا، عن عودة مجموعة ثانية من اليورانيوم المخصب بنسبة 20% إلى روسيا بموجب الاتفاقية النووية لعام 2015 التي وقعتها إدارة “أوباما”، والتي رفضها “ترمب” في مايو الماضي، كما وعد خلال حملته الرئاسية.

كذلك هدد “كامالاندي” المعروف بارتباطه بالحرس الثوري الإيراني، وفقًا لوكالة فارس الإيرانية للأنباء، قائلاً “إذا بقيت الاتفاقية النووية على قيد الحياة، يجب أن تبيع لنا الأطراف الأخرى الوقود، وإذا ما مات الاتفاق النووي، فإننا سنقوم بإنتاج الوقود بنسبة 20٪ بأنفسنا”.

وتابع المسؤول الإيراني في تهديداته بأن على إيران أن تستأنف إنتاج 20% من اليورانيوم المخصب بحلول عام 2030. وإضافة إلى ذلك، فقد أعادت إيران فتح محطة نووية في الآونة الأخيرة بعد أن ظلت متوقفة عن العمل مدة تسع سنوات.

وما تجدر الاشارة إليه، أن النظام الإيراني يلجأ لهذه التهديدات في إدارته للأزمة؛ إذ يسعى للاحتفاظ بأوراق تفاوضية، مع العلم أنه ليس لديه ما يقدمه، بينما يتحرك منافسوه بحرية كاملة.

ومع ذلك، يتضح أن النظام الإيراني غير قادر على مواصلة الاستمرار في تهديداته، فقد ولَّت سنوات حكم “أوباما” التي فرضت خلالها طهران إرادتها منفردة وواصلت مساعيها لإحداث الفوضى في كافة أنحاء الشرق الأوسط، مع استئناف برنامجها من الصواريخ الباليستية في الوقت نفسه، بما يتماشي مع استمرار عجلة القمع في مواجهة المعترضين على ديكتاتورية النظام الفاشي. فعلى سبيل المثال، تسعى إيران – حاليًا – لتعميق الصدع في حلف الناتو بين الولايات المتحدة وأوروبا. ومع مطالبة الاتحاد الأوروبي لإيران بالامتثال لمعايير مكافحة غسل الأموال التي حددتها فرقة العمل المعنية بالإجراءات المالية (FATF)، فإن ثمة هيئة عليا ترتبط مباشرة بـ”خامنئي” من صلاحيتها الموافقة على اتخاذ تدابير لجعل النظام أكثر توافقًا مع المعايير المعترف بها عالميًا.

إن إيران – الآن – في حاجة ماسة إلى استثمارات أجنبية، حيث تبدأ العقوبات الأميركية بالحيلولة دون وصول طهران إلى السوق المالية العالمية؛ فقد كانت “مجموعة العمل المالي”، التي تعتبر الجهة المسؤولة عن مراقبة الجرائم المالية في العالم، دعت النظام الإيراني، من يونيو حتى أكتوبر، إلى فرض إصلاحات أو مواجهة عواقب وخيمة.

وقد حددت “مجموعة العمل المالي”، قيودًا تعرقل مساعي طهران لتقديم الدعم للجماعات الإرهابية، بما في ذلك حزب الله اللبناني وغيره من الجماعات التي لديها نفوذ كبير في جميع أنحاء الشرق الأوسط.

وفي يونيو الماضي، دعا “خامنئي” إلى إصدار حزمة قوانين محلية لمواجهة جرائم غسيل الأموال داخل البلاد، وذلك في محاولة لحماية تدفق الدعم المالي إلى وكلائها في الخارج؛ ذلك أن التطور الأخير كشف عن دور الظروف القاسية التي لم تترك لـ”خامنئي” خيارًا سوى الخضوع لمثل هذه الشروط المهينة؛ فالأوقات العصيبة تتطلب اتخاذ تدابير جادة.

لقد مرَّ وقت قليل جدًا على عودة العقوبات الأميركية، وسرعان ما بدأت الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد، فيما يكسب المشهد زخمًا متواصلًا منذ انتفاضة ديسمبر. فقد شهدت طهران أحداث سوق الأحذية، حيث قام أصحاب المحال بإضرابات واسعة واحتجاجات على ارتفاع الأسعار وندرة المواد الخام.

أخيرًا، فإن تأثير العقوبات الجديدة سيواصل مسيرته نحو تعميق الأزمة والضعف للنظام الإيراني.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر/ موقع قناة العربية الإنجليزي

 

 

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر