المقاطعة الاقتصادية في ظل التعدي على سيادة المملكة

التاريخ والوقت : الإثنين, 6 أغسطس 2018

مي الشريف

تحوّلت العلاقات الدولية في السنوات الأخيرة إلى عرض معقد من الصراعات والتجاذبات بين الحكومات، ومحاولة البعض فرض قواها في العالم؛ مما أدى إلى تصاعد أزمات سياسية ودبلوماسية، بعضها تصريحات شديدة اللهجة، ومقاطعات دبلوماسية واقتصادية. أمَّا سبب التصعيد السياسي الذي يحدث – أحيانًا – فهو أن التداخلات الخارجية على سيادة الدول، يعد اعتداء دبلوماسيًا مرفوضًا؛ ولذلك يجب على الدول مهما كان حجمها ودبلوماسيتها، عدم تجاوز الخطوط الدبلوماسية الحمراء، واحترام القوانين الدولية العامة، وعلى رأسها القوانين التي نصت عليها منظمة الأمم المتحدة.

وفي ظل تدهور الاقتصاد من عدم استقرار أسعار النفط والتوترات السياسية عالميًا، يبدو أن المقاطعة الاقتصادية هي الحل الأمثل في إيقاف التطاولات والانتقادات الخارجية. فيحدث – اليوم – أن الحكومة السعودية التزمت الحزم وعدم اللين مع التطاولات على سياساتها الداخلية؛ لتبعث رسالة واضحة للعالم أجمع، مفادها استحالة رضوخ المملكة العربية السعودية للضغوطات والانتقادات الخارجية، وأن الدولة المتطاولة ستخسر كثيرًا، ليس على الصعيد الدبلوماسي أو الإعلامي فحسب، وإنما سترافقها خسارة اقتصادية ستؤثر على اقتصادها وصفقات شركاتها التجارية وأعمالها المرتبطة مع السعودية. هذه الخسارة ستؤدي إلى ضغط طبقة المال والأعمال على الحكومة لتحسين علاقتها مع الحكومة السعودية وعدم الخوض في سياساتها الداخلية مرة أخرى. اختصرت الحكومة السعودية للعالم، بتصرفها، أنَّ من لا يلتزم بالمعاهدات والاتفاقيات والمواثيق الدولية، بما فيها مبدأ السيادة، ويتعرض للسياسات الداخلية للمملكة؛ فإنه سيضر بالأعمال والصفقات التجارية بين البلدين.

هذا ما حدث مع ألمانيا، فبعد صبر الحكومة السعودية وتوتر علاقتها مع ألمانيا، بعد تصريحات وزير خارجيتها – آنذاك – “زيغمار غابرييل” عن الأزمة السياسية في لبنان ودور السعودية، ومن ثَمَّ موقف ألمانيا السلبي فيما يتعلق بالاتفاق النووي مع إيران، قررت في شهر مايو من عام ٢٠١٨ بإصدار أوامر بعدم إرساء أية عقود حكومية على الشركات الألمانية، فأدى ذلك إلى خسارة الشركات الألمانية للسوق السعودي وتدهور أرباح الشركات الكبرى الألمانية، مثل: “دايملر” لصناعة السيارات، و”باير” و”بورينغر إنغلهايم”  و”سيمنس” التي نجحت العام الماضي بتوقيع مناقصة قيمتها نحو ٤٠٠ مليون دولار لتسليم خمسة توربينات غاز لمحطة مزدوجة لإنتاج الكهرباء والبخار يجري تشييدها في المملكة. فوفقًا لمكتب الإحصاءات الألماني، تعد السعودية شريكًا تجاريًا كبيرًا لألمانيا، حيث استوردت منها ما قيمته ٧.٧. مليار دولار في عام ٢٠١٧، وتوقف هذا بعد قرار السعودية استثناء الشركات الألمانية من الصفقات السعودية الضخمة التجارية منها والاستثمارية مع الخارج، وإعطاء الأولوية لأميركا وبريطانيا حتى تحسن ألمانيا سياستها الخارجية مع الحكومة السعودية.

وقد انضمت كندا إلى ألمانيا التي لن تستفيد من أي صفقات تجارية مع السعودية بعد تصريحاتها التي تدخلت فيها بالسياسة الداخلية، الأسبوع الماضي. فقد استدعت المملكة العربية السعودية سفيرها في كندا، واعتبرت السفير الكندي لديها شخصًا غير مرغوب فيه. كذلك تجميد كافة التعاملات التجارية والاستثمارية الجديدة بين البلدين، ووقف برامج التدريب والبعثات والزمالة إلى كندا، ونقل المبتعثين إلى دول أخرى (تحتل السعودية المركز الثامن في قائمة أعلى ٢٠ دولة لها طلاب في كندا). وبحسب صحيفة “جلوب أند ميل”، فإن الحكومة الكندية تحاول التواصل مع السعودية، سعيًا منها لتدارك الموقف لخفض الخسائر التي أدت إلى هبوط العملة الكندية “الدولار الكندي” بنسبة يقرب من ٠.٢٨% أمام الدولار الأميركي. ولا يستغرب ذلك بسبب حجم التجارة بين البلدين التي بلغت أربعة مليارات دولار في العام الماضي.

إن السياسة السعودية كانت – ولا تزال – قائمة على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، والوقوف بحزم تجاه أي أعمال تقوم بها أي دولة لزعزعة استقرار المنطقة، وكذلك حريصة على علاقاتها مع الجميع؛ لكنها لن تجامل أيَّ دولةٍ كانت، أن تتعدى الدبلوماسية وتعتدي على السيادة. فما يحدث – اليوم – هو الإجراءات التي تراها الرياض مناسبة. ولعل ما يبعث على الغرابة أن تتوقع تلك الحكومات الاستفادة من صفقات مليارية والاستهانة بالتعدي على سيادة الدول.

كاتبة وباحثة سعودية *

@ReaderRiy

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر