المصالحة بين الإسلام والفن

التاريخ والوقت : الأحد, 19 أغسطس 2018

طفت على سطح المشهد الثقافي العربي، في الآونة الأخيرة، تساؤلات عديدة حول دور الفن في معالجة قضايا المجتمع خلال السنوات الأخيرة، ولا سيَّما مع الاضطراب الذي شهدته المنطقة العربية مع تصدر تيارات الإسلام السياسي للمشهد، سياسيًا واجتماعيًا، وهو ما تضمن الكثير من التساؤلات حول الفن من منظور إسلامي، ولا سيَّما مع المخاوف التي طرأت على الساحات الفنية وفي مقدمتها الأعمال الإبداعية، التي تزامنت مع الرسائل السلبية، بل والمخيفة التي صدَّرها الكثير من رموز التيارات الدينية المتطرفة تجاه الفن بكافة أشكاله. فمنهم من قال بهدم التماثيل أو تغطيتها، ومنهم من سبَّ الممثلين وخاض في أعراضهم، ومنهم من طالب بإغلاق دور المسارح والسينما، ومنهم من حاصر مؤسسات متصلة بالأعمال الفنية كمدينة الإنتاج الإعلامي في مصر، ومحاصرة مبنى الإذاعة والتلفزيون المصرية “ماسبيرو”، ما دفع قضية الفن من منظور إسلامي إلى الواجهة.

في هذا السياق يأتي كتاب الباحث المصري في شؤون الحركات الإسلامية، هشام النجار تحت عنوان (المصالحة بين الإسلام والفن)، بما يوحي للقارئ – من النظرة الأولى إلى العنوان – بوجود خصومة بين الإسلام والفن، في حين يسعى المؤلف لأن يصلح فيما بينهما. لكن، ما إن يخوض القارئ بين سطور الكتاب وصفحاته، حتى يجد أنه الخصومة الحقيقية إنما هي بين الفن من جهة، وبين من يعتبرون أنهم يتحدثون باسم الإسلام حصرًا.

هنا يصول الكاتب بكلماته بين مناحٍ متعددة ارتبط كل منها بحادث، أو بواقعة، أو بقضية اتصلت بمحور الكتاب على مدار السنوات القليلة الماضية؛ فيتبنى رؤية أكثر انفتاحًا يتخلى فيها عن الوساوس المزمنة التي تنتج خصومًا جددًا، وتضاعف من مستوى الخصومات القائمة، وتزيد من الأعداء، وتقلص من إمكانية جذب جماهير جدد، بدلاً من الإنجاز الحقيقي على طريق صناعة حلفاء وأصدقاء ومتعاطفين مع الدعوة، وهذه الفلسفة الرسولية التي تتلخص في طمأنة قيادات الخصوم والمنافسين؛ ذلك أن الحركة الجديدة لا تمثل تهديدًا على امتيازاتهم ومكتسباتهم السياسية والاقتصادية، ولا على مكانتهم الاجتماعية وما حققوه من شهرة وجماهيرية.

يطرح الكتاب رؤية عصرية للفنون التشكيلية بما يضمن الانسجام والتكامل بين ثوابت الشريعة ومقاصدها، وبين مستجدات وأحوال العصر واختلافها عن أحوال وملابسات عهد صدر الإسلام الذي كانت توظف فيه تلك الفنون الوثنية والإشراك بالله والقضايا العقائدية، كما يتضمن مقارنة بالشواهد والنماذج بين التكاملية الفنية في أوروبا والعالم العربي.

ويقدّم الكتاب نموذجًا حضاريًا نقديًا واستقصائيًا للتكاملية العربية مع الغرب ومع الآخر المختلف عقائديًا وفكريًا في أوروبا وغيرها، متلمسًا مسارات الشراكة والتعاون والتكامل فكرًا وفنًا لتضييق مساحات الصراع والحروب والكراهية والأحقاد والثارات الدموية والدمار والأحزان والآلام البشرية.

كذلك يتبنى الكتاب رؤية نقدية وأطروحات فكرية منطلقة من مبادئ وقيم الإسلام، حيث يجيب عن أسئلة أساسية متعلقة بواقع الأمة الحضاري وبأدوار رموز الفن وعلماء الأزهر الشريف والنخب والدعاة والأجيال المبدعة الشابة في نهضة الأمة حضاريًا، فيتساءل عن موقع الأمة العربية من الشرع وتعاليمه وقيمه ومقاصده.

ولهذا، فقد خصص الكتاب فصلاً تناول فيه المعارك التي شهدتها السنوات الأخيرة بعد صعود ما يطلق عليه “الحركة الإسلامية” إلى السلطة وصدارة المشهد السياسي وما تبعها من أحداث معروفة (قضايا ومعارك وتجاذبات) بين من يرفعون شعارات وهتافات الدين، وبين الواقع الثقافي والفني، إضافة إلى الإشكاليات الفنية والثقافية التي صاحبت ظهور تنظيم “داعش” الإرهابي وواكبت أطروحاته وممارساته العدائية للثقافة والفنون بأنواعها وتقديمه لنموذج خاص به يراه هو “الحلال” دون غيره.

في هذا السياق، تناول الكتاب رؤيته من خلال استعراض نقدي لعدد من المعارضالتي شهدتها السنوات الأخيرة بالنقد والتحليل المنهجي، وطرح البدائل الموضوعية الضامنة لحماية المنهج الإسلامي المتوازن ممن يشوهونه ويلصقون به ما ليس فيه من تصورات معادية أو مصادمة للقيم الفنية والإبداعية والجمالية، إذ يطرح الكاتب التصور الإسلامي الراقي للتعامل مع الواقع الفني ورموزه مهما كان الاختلاف معهم.

ومن ثَمَّ يقدم الكاتب تصورًا نقديًا شاملاً يهم الفنانين والمبدعين، ويهم كل صاحب رسالة وغيرة على الدين، وصولاً لأداء إبداعي وفني متناغم يخدم الأمة والأوطان والإسلام، ويضع الجميع أمام مسؤولياتهم في مواجهة التحديات العتيدة الضخمة التي تواجه الأمة في هذا المجال.

يرى الكاتب أن التدين ليس بالادعاء، إنما هو إبداع حضاري متكامل لا يرتبط بالمظهر بقدر ارتباطه بنسق متكامل من القيم الإيمانية والتعبدية والأخلاقية والسلوكية والجمالية والمعرفية والذوقية والفكرية، وهو واقع حياتي ملموس وإبداع إنساني ينثر في دنيا الناس البهجة والسعادة والمتعة الذهنية والرفاهية والعطاء والخير. فالفن في شق من تعريفه اللغوي، هو إتقان العمل كما أمر الإسلام، فكل حرفي وكل متقن لعمله فنان، بجانب البعد الجمالي والإبهار والإبداع بمختلف مجالاته. فاليوم نحن بحاجة إلى النموذج الإنساني المتكامل، الذي يعرف معنى الدين ويطبقه بشموله في نفسه وأسرته ومجتمعه. وأيضًا في حاجة إلى تربية الأجيال على الجلالوالجمال معًا، على القوة والإتقان والكفاءة والخبرة والاحترافية والعطاء وبذل الخير، وعلى الإبداع والحس الذوقي الراقي بدون تطرف ولا مغالاة من جانب، أو ابتذال وهبوط من جانب آخر.

يدعو الكاتب إلى تحرر الحركة الفنية الراقية وانطلاقها دون تأثر بعثرات تنظيمات الإسلام السياسي المزمنة وتراجعها وجمودها على نمط معين. ومن ناحية أخرى يدعو لإفادة الأوطان بجهود كل رموز الفن والإبداع العربي في خدمة ونصرة قضايا الأمة، ورفع الصوت العربي بصورة مشرقة راقية في جميع القضايا المطروحة على ساحة التأثير الحضاري.

بهذا المفهوم الشامل والرؤى التكاملية، ترتقي حركة الإبداع ويتحرر الفن من تلك الخصومات والنزاعات التي أسرته في دوامة وتيه من يقاطع ويلعن من ناحية، ومن يستغل ويدعيأن الفن لا علاقة له بالقيم من ناحية أخرى. وبهذا المفهوم وتلك الرؤية يتحقق التكامل مع رموز وشخصيات إبداعية وفنية ذات ثقل وتاريخ كبير، قد تكون غلبتهم وتنازعتهم أهواء تحررية متمردة في بداياتهم، لكنهم سرعان ما يعلو لديهم الحس الإيماني والوطني، فيقدمون أدبًا وفنًا وإبداعًا متميزًا راقيًا.

ويرى الكاتب ضرورة امتلاك برنامج منهجي متكامل يضبط أسلوب التعامل مع الآخر المخالف والمنافس، سواء في السياسة أو الفن، وعلى اعتبار أن هناك مسارات ونماذج تحمل لافتات ومظاهر إسلامية تسير وفق رؤى استئصالية صدامية، وترى أنه لا استقرار للإسلاميين أو للرؤى الإسلامية الخالصة، إلا بطمس ومحو ونفي الواقع القائم، فهذا السلوك المعادي الصدامي له تأثيره السلبي على مسيرة المنهج وعلى حضور حركة التدين. فلا يهم بالدرجة الأولى ما هو حال وواقع وأداء الآخر المخالف والمنافس على الساحة، إنما الذي يهم في المقام الأول هو الثمار والنتائج على أرض الدعوة بعد إعلان هذه العناوين الاستئصالية و(المانشتات) الصدامية العنيفة. ومن هنا تأتي أهمية العودة إلى فكر وتخطيط القائد المنهجي الرائد محمد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حيث كانت له رؤية منهجية استراتيجية جديرة بالدراسة وبالأخذ بها قبل أي تحرك وانطلاق في تلك المسارات، وقبل أي تعاطي مع الواقع.

ثم يذهب الكاتب إلى أن الساحة الفنية كغيرها من ميادين العمل والإنتاج وكأي مؤسسة بها الخير والشر، وبها الجيد والرديء، وبها من يقود المصلحة الشخصية المادية التجارية على القيم والمبادئ. فالانسحاب الجماعي للمتدينين من الفن، كما يرى الكاتب، بزعم وجود انحرافات وفساد، ينطوي على انزواء الخير وانهيار الفضيلة وانهزام المعروف وفقدان أصحاب الضمائر الحية والمبادئ النبيلة. فلا بدَّ من التمييز والتفريق بين المنهج وتطبيقاته البشرية، ولا بدَّ من عدم الحكم على المنهج أو إصدار أحكام تعسفية ضد الإسلام بناء على تصورات وتطبيقات حركات وتنظيمات تحمل عناوين إسلامية تفتقد الرؤية الموضوعية الشاملة والتصور النقدي العميق والمنهج الواقعي في التعامل مع القضايا المعاصرة والملفات الثقافية الشائكة.

فهناك من خسروا المعارك بسبب الصدام والعداء لشخصيات سياسية وثقافية وفكرية وزعامات صاحبة رسوخ في الوجدان العربي، بالرغم من أن طريق التحالف والتعاون والتكامل معها، كان هو الأجدى لصالح الدعوة، ولصالح المنهج، ولصالح الأمة والأوطان. فليس من مصلحة الإسلام أن تظل هذه الأساليب الفنية التقليدية لمخاطبة الجماهير والتواصل معهم، هي وحدها المعبر عن الإسلام، أو هي فقط أدواته التي لا يعتمد على غيرها، ومن الضروري أن تتطور الآليات والوسائل.

ومن خلال مشروع فكري مهم برؤى تحليلية نقدية وتوثيقية واستقصائية ومتطورة عميقة، يقدمه المؤلف في هذا الكتاب، فإن الكاتب يقترح ضرورة أن يفتح ساحة التدافع الحضاري والمدافعة الفكرية، من خلال الانخراط في ميادين التأثير الجماهيري وامتلاك أدواتها العصرية، حتى يمكن التعبير من خلال الفن عن الصورة الصحيحة وليست المزيفة للمجتمعات العربية والإسلامية، وتشكيل وعي حضاري وثقافي وتربوي وقيمي لدى الشباب والأجيال الصاعدة، والعمل على مقاربة مقاصد الشريعة من خلال الأطروحات الفنية الجذابة بما يدعم قضايا المحافظة على النفس والعقل والمال والعرض والنسل.

الكتاب يمثل تجربة فريدة من الاجتهاد المحمود الذي يؤسس لمشروع فكري يقوم على إنصاف الفن والتعامل معه من منظور جوهر الإسلام القائم على الإبداع، وربط ذلك بتقدم الإنسانية ونشر السعادة والمحبة والعدل بين كافة أرجاء الإنسانية.

 

معلومات الكتاب  

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر