الإشتراك في القائمة البريدية

المرأة السعودية بين الخطاب النسوي وخطاب المواطنة

التاريخ والوقت : الخميس, 8 مارس 2018

سوسن عبدالله

ترسم السعودية الجديدة، في هذه الفترة، ملامح مستقبلها على المستويين الإقليمي والعالمي، من خلال تعزيز النصف الآخر من المجتمع “المرأة السعودية”، وتمكينها والنهوض بها كجزء من الإصلاحات الداخلية؛ ليحسم الجدل الطويل حول حقوق المرأة التي حفظتها الشريعة الإسلامية لها. ويأتي احتفالنا باليوم العالمي للمرأة، في ظرف تاريخي تعيشه السعودية، التي تخطو خطوات واسعة وسريعة نحو تمكين المرأة، اقتصاديًا وثقافيًا واجتماعيًا وسياسيًا، باعتبارها شريكًا في التنمية، وحجر أساس في تحقيق التحول الوطني، وتشكيل هوية مجتمع مدني وسطي يحمي مقومات الشراكة المتكافئة بين طرفي معادلة البناء الوطني “الرجل والمرأة على حدٍ سواء”.

يعتبر اليوم الثامن من مارس، محطة بارزة في تاريخ الإنسانية، استردت فيه المرأة حقها، الذي سلبه منها الجهل والتفرقة العنصرية بين كلا الجنسين اللذين خلقهما الله سبحانه بحقوق وواجبات متساوية. سجل التاريخ في عام 1909م أول مظاهرة نسائية في العالم بخروج الآلاف من عاملات مصانع النسيج في مسيرة عبر مدينة نيويورك للمطالبة بوقف تشغيل الأطفال، والحصول على أجور أفضل وساعات عمل أقل، ومنح النساء حق الاقتراع. واخترن لحركتهن الاحتجاجية شعار “خبز وورد”، حيث حملن قطعًا من الخبز اليابس الذي يرمز لأبسط متطلبات الحياة، وباقات من الورود دلالة على التظاهر السلمي. إن استعادة هذه الذكرى، ما هي إلاّ تأكيدها في الذاكرة، وتعميق الوعي بحقوق المرأة، بعد أن اعتمدت هذا التاريخ منظمة الأمم المتحدة (اليوم العالمي للمرأة) رسميًا في عام 1975م، لتحتفل جميع دول العالم كل عام بالمرأة.

 التغيير الاجتماعي ورؤية 2030

تعي القيادة السعودية أن التغيير المنشود المتمثل في “التحول الوطني” لا يتحقق بين يوم وليلة، وخصوصًا التغيير المتعلق بتمكين المرأة؛ لأنها عملية شاملة تشارك بها جميع الجهات في الدولة. فالتغيير الاجتماعي قد يحصل سريعًا، وفي فترة زمنية قصيرة، أو قد يستغرق تاريخًا حضاريًا كاملًا للإنسان. هناك عدة عوامل لإحداث التغيير الاجتماعي، ويعتبر أبرزها وأهمها هو “النظام السياسي”، فكلما كان النظام السياسي قويًا، استطاع أن يحدث التغيير الداخلي ويضبطه. ظهر لنا السلوك السياسي للقيادة السعودية، ممثلة في الملك سلمان، وولي عهده، الذي ميّز قوة النظام السياسي السعودي منذ توليه الحكم، ثم إعلان عاصفة الحزم، وسلسلة من القرارات التي قلبت الموازين في المملكة، ووضع استراتيجية تستهدف تحقيق الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية، وتحقيق الاستقرار والأمن المتمثل في رؤية 2030، وامتد هذا السلوك لمواجهة الفساد وموجات التطرف الديني باستخدام العلاج بالصدمة، كما صرح ولي العهد، في صحيفة واشنطن بوست. كل هذه مظاهر للسلوك السياسي للسعودية الجديدة، التي جعلتنا ندرك قدرته على صنع القرارات الصارمة للتغيير الاجتماعي الجذري، وإزالة ترسبات العقل الجمعي للمجتمع السعودي الذي ظل مغيّبًا طويلًا في ظل الصحوة.

إن إحداث التغيير الاجتماعي في حياة المجتمع السعودي، يتطلب ضرورة تكيّف الأفراد مع مقتضيات ومستحدثات هذا التغيير. كما يرتبط بثقافة المجتمع السائدة القائمة على العادات والتقاليد التي قد تكون عائقًا في مسيرة التحول الوطني. لا ننكر أن الشباب يُشكل 70% من نسبة سكان المملكة، لكن من المهم أن نعلم أن معظم هؤلاء الشباب، يعيشون تحت سقف الأم والأب، والجد والجدة أحيانًا، وبذلك هم يخضعون للنظام الأبوي السائد، حتى وإن كان الشباب يرغب في التغيير، لكن لا يزال في كنف كبار السن الذين عاشوا أوضاعًا مختلفة عن الأوضاع الحالية، ولديهم نزعة للمحافظة والتمسك بالقديم ومقاومة التجديد بشكل عام. لذا، من الواجب أن يكون هناك برامج موجهة للمجتمع السعودي، بطريقة تسمح لعدد كبير من الناس بالاشتراك فيها، وتحديدًا كبار السن، وبالتالي يمكن تقليل مقاومتهم للتغيير بتنويرهم. إنَّ فهم الثقافة السائدة في المجتمع السعودي، هي الوسيلة الأجدى لتحقيق أهداف التغيير الاجتماعي، لأنه من السهل إقناع قادة الرأي المعتمد على المنطق والحجة بأهمية تمكين المرأة على سبيل المثال، لكن بقية المجتمع يحتاج إلى إظهار رموز نسائية مناسبة تمثل الوسطية في كافة وسائل الإعلام الرسمية للدولة، وألاّ نكتفي بوسائل الإعلام الجديدة حتى يُقبل الناس على التغيير.

 السعودية الجديدة أمام لجنة سيداو

حرصت القيادة السعودية على منح المرأة حقوقها بما لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية ويحافظ على هوية المرأة، من خلال انضمام السعودية لاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة “سيداو”، وعضويتها في منظمة تنمية المرأة بمنظمة التعاون الإسلامي، بالإضافة إلى أنها عضو في المجلس التنفيذي لجهاز الأمم المتحدة للمساواة بين الجنسين وتمكين المرأة “Women UN”، بعد انتخاب السعودية، في أبريل الماضي، وتصويت خمس دول على الأقل في الاتحاد الأوروبي، وفقًا لتقرير أوردته صحيفة الأندبندنت، والذي يعتبر كاعتراف دولي بقيمة الإصلاحات السعودية في مجال تمكين المرأة.

تابعنا مجريات اجتماع جمعية اتفاقية “سيداو”، في السابع والعشرين من فبراير في جنيف، مع الوفد السعودي لمناقشة ما تمَّ تطبيقه من بنود الاتفاقية، ورأينا كيف انهالت الأسئلة حول ملفات معروفة، وأخذت حيزًا كبيرًا من النقاش والطرح بين أفراد المجتمع السعودي على المستويين الرسمي وغير الرسمي وعلى مرأى من القيادة السعودية. الكثير منها وُضعت لها الحلول بقرارات رسمية من القيادة السعودية، إيمانًا بأهمية وضرورة التغيير، والبعض الآخر من الملفات لا يزال جاريًا العمل عليها لتطبيقها في إطار منظّم بعيدًا عن العشوائية؛ لأن بعض الملفات مرتبطة بالأمن الاجتماعي والوطني.

اللافت في الوفد السعودي تصريحاته، التي أعتبرها تمهيدًا للسعودية الجديدة، وبروز خطاب الوطنية، وهي رسالة للمحافظين بأن السعودية جادة في التغيير  والتحول الوطني بنقل المجتمع للمستقبل. بالإضافة إلى وجود السعوديات اللاتي يمثّلن مرجعيتهن وجهاتهن الحكومية والخاصة والمؤسسات المدنية، وتنوّع الزيّ الذي ظهرن به، سواء بحجاب الرأس أو بالنقاب، وهي رسالة واضحة على ثبات حق حرية الاختيار للمرأة. على الرغم من ذلك، تصاعد الخطاب النسوي المتطرّف ضد أعضاء الوفد في وسائل الإعلام الجديد، وتمحوره حول نبذ الرجل واعتباره عدوًا للمرأة، والتمرد على منظومة القيم، وخلط الإسلام ورجال الدين. نحن لا نرفض حقيقة وجود بعض الاجتهادات والمغالطات في الفتاوى الدينية التي كانت ذريعة لسيطرة مشروع الصحوة لفترة طويلة، لكننا نطالب بالتوازن في الخطاب، والبعد عن التخوين وتأسيس العنصرية النسوية ضد الرجال، التي تعتبر نقيض حقوق الإنسان المنادى بها من قِبل الناشطات النسويات!

بشكل عام، ندعم الوعي النسوي وإدراكهن لمشكلة التمييز السلبي الواقع عليهن، وتضامنهن حول قضايا المرأة المشتركة، لكن بطرح عقلاني يمنع دخول أعداء الوطن في الشأن الداخلي السعودي، الذي قد يؤثر في خطوات القيادة تجاه حقوق المرأة. نحن نعلم بأن الثقافة السائدة وآثار الصحوة، ما زالت تُلقي بظلالها على معظم الأسر الممتدة، لكننا نثق بأننا سنرى سلسلة قرارات قادمة تحمي المرأة وتخدمها وتسهل حياتها كمواطنة سعودية.

باحثة في الإعلام السياسي*

@sawsan3bdullah