المرأة السعودية: الطموح نحو المشاركة في المواقع القيادية

التاريخ والوقت : الخميس, 8 مارس 2018

رقية الزميع

ما بين الأوامر الملكية التي تدعم المرأة وتهيئ السبل لمشاركة أوسع في سوق العمل، وبين الأرقام التي توضح نسب أعداد النساء المؤهلات بخبرة مهنية ومعرفية وعلمية، يأتي السؤال الأكثر إلحاحًا: أين المرأة في المواقع القيادية؟ وأين الخطط التي تستهدف تطوير قدراتها ومهاراتها لتبوُّء مناصب إشرافية؟ وأين النسب التي يجب أن تحدد الأعداد المستهدف تحقيقها في مجال تأهيل قيادات نسائية فاعلة؟

القيادة في المملكة، وعلى رأسها سيدي خادم الحرمين الشريفين، وسمو ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان، قد هيأت كل السبل والتشريعات الملائمة – التي تكاملت مع جهود أخرى سابقة – لمنح أدوار أكبر للمرأة السعودية وإشراكها في تنمية بلادها، كما وضعت تمكينها في قائمة أولويات الخطط الحكومية بما لا يدع مجالاً لأي اجتهادات شخصية. ولكن على الواقع العملي، لا تزال الأدوار الممنوحة للمرأة لا تتجاوز الأدوار التنفيذية، وهو ما لا يتسق وطموح قيادتنا – حفظها الله – التي تؤمن بإمكانيات النساء في المملكة، وأهمية استثمارها وتوظيفها لتحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية، وإبراز الجهود الحقيقية التي تقوم بها أمام العالم.

ماذا قالت رؤية المملكة 2030 عن المرأة؟ 

من ذلك يأتي أهمية اتساق المسار الفعلي مع الإرادة السياسية العليا، وما تثبته التعيينات الأخيرة لعدة نساء في مواقع قيادية بأهمية العمل على ما يمكن تسميته “التنمية البشرية المستدامة للمرأة”، وما نصت عليه رؤية المملكة 2030:

“كمـا أن المـرأة السـعودية تعـد عنـصرًا مهمًا مـن عنـاصر قوتنـا، إذ تشــكل مــا يزيــد عــلى 50% مــن إجمــالي عــدد الخريجين وسنستمر في تنميــة مواهبهــا واســتثمار طاقاتهــا وتمكينهـا مـن الحصـول عـلى الفـرص المناسـبة لبنـاء مسـتقبلها وتنمية مجتمعنا واقتصادنا”. كما أن رؤية المملكة 2030، قد حددت هدفها المستقبلي في هذا الإطار، أنه بحلول عام 2030 سوف يتم رفع نسبة مشاركة المرأة في سوق العمل من 20% إلى 30%، وهو ما يمكن أن يتم تجاوزه – فعليًا – قبل حلول عام 2030، مع استمرار المملكة في مواصلة الإصلاحات الاقتصادية. وأضيف إلى ذلك، أن المرأة إلى – جانب الرجل – قد شملتها الخطط المستقبلية الواعدة برفع كفاءة العنصر البشري للمواطن السعودي.

القرارات الحكومية لدعم المرأة

على مدى أكثر من عقدين، قامت المملكة بمسيرة إصلاحات، استهدفت تمكينًا أكبر للمرأة في سوق العمل، وجميع القرارات التي صدرت وما زالت تصدر لضمان مشاركة أكبر وتمكين من مزاولة أعمالها بنفسها وإزالة أية عوائق تعترض ذلك. والآن، المرأة موجودة في أغلب القطاعات الحكومية والخاصة، وهي أيضًا سيدة أعمال، وطبيبة، ورياضية، ودبلوماسية، ومحامية، بالإضافة إلى تعيينات في مناصب عليا منها، مؤخرًا، تعيين صاحبة السمو الملكي الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان، وكيل رئيس الهيئة العامة للرياضة للتخطيط والتطوير، وما سبق من تعيينات في مجلس الشورى، ومنح حق الترشح في المجالس البلدية لتساهم في تحسين جودة الحياة في المناطق التي تمثلها في المجلس. أضف إلى ذلك، تعيينات أخرى في عدة مناصب قيادية في مؤسسات القطاع الخاص، كل ذلك يسلط الضوء على أن المرأة السعودية – في الواقع الفعلي – ومن خلال الإرادة السياسية العليا، قد أتيحت لها المشاركة في المناصب القيادية، وهي خطوة تمت بنجاح.. كل ذلك تمَّ بدعم سخي، وغير محدود، وثقة كبيرة من ولاة أمرنا، وعلى رأسهم سيدي خادم الحرمين الشريفين – حفظه الله – وسمو سيدي ولي العهد، عرَّاب رؤية المملكة 2030، وصاحب القرارات التاريخية. إن الخطوات المتلاحقة والمتسارعة، تثبت أن لا مجال للتراخي بعد الآن، فالثقة بالمرأة السعودية كبيرة، والآمال المرجوة منها عظيمة، وهي – بالتأكيد – أهل لها.

الفجوة بين الأهداف المرجوة والواقع

لكن الأسئلة الأكثر إلحاحًا، هي: هل تقوم الجهات الحكومية والقطاع الخاص بالتخطيط من أجل إتاحة قدر أكبر من المشاركة للمرأة في المناصب الإشرافية، والمراكز القيادية، والمشاركة في صناعة القرار لكونها أحد أصحاب الشأن؟ وأيضًا أين المرأة في رئاسة الوفود الرسمية الخارجية، فضلاً عن المشاركة وتمثيل المملكة؟ هل هناك خطط تعدها الجهات الحكومية لتهيئة السيدات لشغل مناصب رفيعة وتأهيلهن للتخطيط والإشراف واتخاذ القرارات، ومواجهة ضغوط أكبر في العمل، وإدارة الأزمات، والتعاطي مع فرق العاملين بمختلف توجهاتهم الفكرية والعملية؟ هل توجد خارطة طريق، أو معايير إرشادية على أساس معيار الكفاءة والمسار المهني والتدرج الوظيفي، يتيح للمرأة بما تحمل من مؤهلات علمية، وما اكتسبته من خبرات، وما سعت إليه من تطوير لمهاراتها، أن تتبوأ مناصب قيادية وتتاح لها المشاركة في صناعة القرار ليتم الاستفادة من خبرتها المعرفية والعملية؟ المرأة المشاركة في العمل الإداري، هي ليست بالضرورة المرأة القيادية، إذا لم تتح لها الفرصة لممارسة القيادة ومواجهة تحديات أكبر من العمل الروتيني. صحيح أن العمل الدؤوب والتميز مهمان، لكنهما غير كافيين، لكنهما خطوة أولى مهمة. وبلا شك، فالتدرج في إسناد الوظائف الإشرافية يصقل الشخصية القيادية ويتيح الاستفادة من التراكم المعرفي، ويؤهلها لإدراك مسؤوليات وواجبات العمل في إطار أوسع، والمشاركة في عملية البناء المؤسسي. على الرغم من الأعداد الكبيرة من النساء اللاتي يشاركن في سوق العمل، فإن هذا العدد يبدأ بالتلاشي كلما انتقلنا إلى مستويات إدارية أعلى. في الواقع العملي لا يزال دور المرأة، في أغلب القطاعات، لا يتجاوز الوظائف المساندة والتنفيذية. إن مشاركة المرأة في سوق العمل أصبح واقعًا، ولكنه حتى الآن يحتاج إلى الجزء الآخر، وهو التمكين الحقيقي.

تتحمل المرأة جزءًا من المسؤولية في ذلك، فبالتأكيد لم توجد أصوات نسائية داخل المنظمات، تطرح فكرة المشاركة في تولي المسؤوليات الإدارية. وقد يرجع أسباب ذلك إلى المسلمات التقليدية بأن القيادة مهمة رجالية، أو لعدم تقدير الكثير من النساء لأهمية المشاركة في صناعة القرار، أو لعدم تحديد أهدافهن المستقبلية، وبالتالي فهن لا يطالبن بالحصول على تلك المناصب.

بشكل عام، لا يوجد أي شكل من أشكال التمييز في القوانين والأنظمة في المملكة ضد المرأة، ولكن التقدم المحرز في هذه المسألة محدود جدًا، وهذا ما لا يتوافق مع مجمل التوجهات العليا السامية. فعدم تطابق السياسات الحكومية الداعمة للمرأة مع الواقع والإنجازات، أمر لا يخدم صورة المملكة عالميًا، ولا يعكس الجهود التي تقوم بها المملكة على أرض الواقع من سن السياسات والأنظمة وتقديم كل أشكال الدعم والمساندة وتذليل الصعوبات لضمان مشاركة أكبر للمرأة.

إذن، لماذا يجب أن نفسح المجال للمرأة للمشاركة في الوظائف القيادية؟

1- يعكس للعالم الصورة الحقيقية لحجم الجهود التي توليها المملكة لدعم وتمكين المرأة، ويؤكد على أنه لا توجد أي شكل من أشكال التمييز ضد المرأة في القوانين المحلية، والأهم من ذلك، أنه يتسق مع التوجهات السامية لإبراز مكتسبات المرأة السعودية للعالم.

2- تشير بعض الدراسات إلى أن المرأة في صناعة القرار، تعتبر أكثر فعالية في إنجاز الأمور، وأكثر اهتمامًا بمراعاة الأنظمة، وأكثر مراعاة لمعايير النزاهة المالية، بالإضافة إلى حرصها على متابعة مراحل الإنجاز حتى ظهور النتائج.

3-  الاستثمار في المؤهلات العليا والتدريب الذي حصلن عليه بكفاءة عالية. ففي الغالب، تتمتع النساء القياديات بتأهيل عالٍ وبدافعية ذاتية للتدريب والتأهيل والتطوير، وهن أكثر ميلاً للاستمرار في البحث عن فرص أفضل للتعلم خلال حياتهن المهنية؛ حيث تظهر بعض الدراسات أن زيادة الفعالية بسبب وجود النساء في مناصب قيادية حدثت لأن معظمهن اخترن الاستمرار في التعلم والتطوير. فالنقطة هنا لا تتعلق بالذكور مقابل الإناث، بل هي في قوة الدافع للاستمرار في التنمية والتطوير.

4- أيضًا، سوف ينعكس على مزيد من السياسات الإيجابية لتطوير المنظمات. فالتنوع الاجتماعي الأوسع في القيادات، ينطوي على زيادة انتشار الخبرة، مما يمكن أن يضيف إلى المعرفة الجماعية لمجموعة من العاملين في المؤسسة، ويجعل الوحدات الإدارية تؤدي أعمالها بشكل أكثر فعالية.

5- إن تعطيل الاستثمار في تأهيل قيادات نسائية، هو تعطيل لجانب آخر من الأفكار والإبداع والقيادة، وقد يسهم في إبطاء خطوات التنمية ويعكس صورة غير واقعية عن المملكة، وعكس ذلك هو الصحيح.

6- تراعي المرأة أن الحكم على عملها يمتد إلى ما هو أبعد من المخرجات والأداء، بل يتم الحكم عليه على اعتبارات جندرية، وهو ما يشكل تحديًا لمزيد من الحرص في الأداء.

7- كما أن الأجيال القادمة من الفتيات يحتجن إلى نماذج يحتذين بها لنساء قياديات ملهمات في داخل أوطانهن. لذا، فإن إتاحة الفرصة لوجود تلك النماذج وتسليط الأضواء الإعلامية على تجاربها الطويلة في العمل والقيادة والخبرة، لن ينشئ قياديات مستقبليات فقط، بل يمتد أثره إلى جيل من الشابات الصغيرات اللواتي يمتلئ فضاؤهن بنماذج تفرضها منصات التواصل الاجتماعي والقنوات الإعلامية، وتفتقر رسائلها إلى القيم الإنسانية الحقيقية والفضائل العلمية، وهن بحاجة ماسة إلى رؤية نماذج لقيادات حقيقية موجودة في الواقع.

8- غالبًا ما تعتقد الكثير من الشابات الملتحقات حديثًا بالعمل، بعدم إمكانية حصولهن على مناصب أعلى مستقبليًا، أو يتمالكهن الشك في قدراتهن الذاتية، وذلك ما يمكن أن يؤثر على خطواتهن المستقبلية، ولكن رؤية امرأة تتقلد منصبًا في المنظمة تقوم بدور كبير في غرس الثقة لديهن وتبديد تلك الشكوك.

من المهم البدء بوضع الخطط والسياسات لتمكين المرأة من تقلُّد المزيد من الوظائف الإشرافية، والمشاركة في صناعة القرار والقيادة، وتوفير المزيد من برامج التوعية والتثقيف والدورات التدريبية لتهيئة البيئة العملية لتتقبل المرأة مديرة، ولتسليط الضوء على ما ينطوي عليه من أهمية تأهيل النساء للمشاركة في صناعة القرار، وتوفير مسار مهني يضمن لها الحصول على الوظائف التنفيذية دون اعتبارات جندرية، وتبيين ضرورة وجود نساء قياديات لتحقيق الاستفادة من قدراتهن وكفاءاتهن، التي أثبت الواقع العملي نجاحهن فيما أوكل إليهن من مسؤوليات. وفي ذات الوقت إشراك النساء في دورات تدريبية تؤهلهن لتولي مناصب قيادية بكل ثقة واقتدار، وتهيئتهن للعمل تحت ضغط وإدارة الأزمات، وآليات اتخاذ القرار، كل ذلك من شأنه ردم الهوة بين السياسات العامة وآليات تطبيقها. كما أن أكثر عقدين من إصدار الأنظمة والتشريعات المتتابعة لدعم المرأة في سوق العمل، يجب أن تثمر عن واقع أكثر استجابة لمتطلبات المرحلة، وأن تتسق مع تطلعات أصحاب القرار وتعكس الصورة الحقيقية للمملكة أمام العالم.

وأخيرًا، لا نقول بأفضلية أحد الجنسين على الآخر، بل التأكيد على أن كليهما فعال، فالاستثمار في المهارات القيادية للنساء، له أهمية حيوية لا تقل عن أهمية التحسينات الاقتصادية والاجتماعية، وهو لا يتم إلا من خلال الاستفادة من القدرات الفطرية الموجودة لدى كلٍّ منهما، بما يثري صناعة القرار ويدفع بالمؤسسات لمزيد من الإنتاجية. وبالنظر إلى النقص في القادة الذي تعاني منه كل دول العالم، فإن إفساح المجال لمزيد من المشاركة بين المرأة والرجل، والحد من الفجوة بين الجنسين في مجال القيادة في الأعمال، سيثري بيئة الأعمال، ويذكي المنافسة الإيجابية، ويسرع وتيرة التقدم، وينعكس إيجابًا على جودة مخرجاتها وتعزيز الكفاءة والإنتاجية والإبداع، وهو جزء أساسي من خلق القيادة المستجيبة والمسؤولة التي نحتاجها في عالم متغير.

نعم، هناك حاجة إلى الاستثمار في تشجيع القيادات النسائية: فعندما تتساوى المرأة في اتخاذ القرارات، تتغير الأمور نحو الأفضل بشكل أسرع وأكثر فعالية.

باحثة في العلاقات الدولية *

@RuqayaAlzamia

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر