القوة الناعمة في زيارات ولي العهد الخارجية

التاريخ والوقت : الأحد, 4 مارس 2018

منصور العتيبي

تأتي جولة ولي العهد الخارجية المرتقبة، التي تشمل أكبر العواصم الغربية تأثيرًا، وذلك بعد التزايد الملحوظ في السنوات الأخيرة للقوة السعودية والتأثير الفاعل في محيطها الإقليمي والدولي. وهذا التأثير ليس وليد اللحظة، فهو نتيجة تراكم للدور المفترض الذي تضطلع به السعودية كواجهة للعالم العربي والإسلامي. كما أنه استجابة حتمية لمواجهة التحديات بعد الأحداث الأخيرة في المنطقة، فضلاً عن المقومات التي تمتلكها من ثقافة وقيم سياسية ودبلوماسية فاعلة، وموقع استراتيجي، ومواد خام، كلُّ ذلك يمكنها من أداء هذا الدور المؤثر والشامل.

يتلخص قمة التأثير في السياسة الخارجية لأي دولة في جملة “اجعل الآخرين يريدون ما تريده”، وهذا بالضبط ما يسعى له ولي العهد، في جولته لعواصم القرار العالمي من خلال كسب المزيد من المؤيدين للسعودية الجديدة. إن من أكثر الأمور تأثيرًا في السياسة الدولية الحديثة، هو ما يعرف “بالقوة الناعمة” (Soft power)، وهو مفهوم متجذر في حقل العلاقات الدولية، وقد عرَّفه جوزيف ناي من جامعة هارفارد بأنه “كل ما له صلة بالاعتماد على قوة الجذب والإقناع دون الإكراه”، بهدف جعل الأفراد والدول ترغب في اتباع سياسات معينة من خلال ترتيب أولويات وأفضليات تلك الدول لتصبح متقاربة – إلى حد كبير – مع أولويات الدولة الفاعلة ذات القوة الناعمة.

تمتلك السعودية مخزونًا كبيرًا من مصادر القوة الناعمة المتمثلة في الثقافة العربية الأصيلة الممزوجة بالحضارة الإسلامية، وكذلك ما تملكه من سياسة خارجية تعتبر فعالة في الساحتين العربية والدولية، ما هيأ لها استثمارها وتوظيفها في سياستها الخارجية؛ حيث تهدف الدبلوماسية الجديدة للسعودية إلى الوصول إلى الفئات المؤثرة في الدول الأخرى خارج نطاق الدبلوماسية الرسمية، بأفكار قوية تعزز انخراط هذه الفئات في التوجهات السياسية للمملكة. إذ إن الدبلوماسية السعودية ساهمت، بيقظتها وسرعة حركتها واحتوائها للأزمات، في تعزيز العلاقات السعودية على المستويين الإقليمي والدولي، فالسعودية اليوم تمتلك شبكة من التحالفات الإقليمية والدولية في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية.

تعتبر القوة الناعمة من أبرز المتغيرات في حقل السياسة الدولية، ومحور اهتمام لكثير من الدول. ولذلك حرصت السعودية على البدء في تفعيلها بشكل سريع من أجل تحقيق أهدافها وتطلعاتها في الساحة الدولية، ولتحقيق رؤيتها الطموحة (رؤية السعودية2030)، وذلك لإيمانها بقدرة القوة الناعمة على التأثير في مجالات الحياة المختلفة، ولما لها من المقدرة على تحقيق الأهداف بأقل التكاليف.

وكلما زادت موارد القوة الاقتصادية والتكنولوجية والثقافية والحضارية لأي دولة، زادت القوة الناعمة لها، حيث يتفق أغلب المتخصصين في الشأن السياسي الدولي على أهمية توفر عدة معايير لقياس القوة الناعمة، وأهمها: الحكومة وسياساتها العامة، فكلما كانت مؤثرة وتستطيع الوصول لأهدافها، زاد معدل الجاذبية، مما ينعكس على قوتها الناعمة. أمَّا المعيار الثاني، فهو ثقافة المجتمع ومدى قابلية تلك الثقافة لأن تكون عابرة للحدود وعالمية، سواء ما يتعلق بالأدب أو الفن أو الثقافة الشعبية. بينما يتلخص المعيار الثالث لقياس القوة الناعمة للدول، في مدى جاذبية النموذج الاقتصادي لتلك الدولة وتنوعها الاقتصادي ومصادرها الطبيعية. أمَّا المعيار الرابع والأخير، فهو مدى النشاط والفاعلية للدبلوماسية على الساحة الدولية.

وفي السنوات الأخيرة، تزايد الاهتمام بمفهوم “القوة الناعمة” بشكل كبير، وأصبحت من أولويات الدول التي تريد أن يكون له تأثير في محيطها الإقليمي والدولي؛ وذلك بسبب تصاعد العوامل غير المادية في العلاقات الدولية، كالثقافة والفن، وانفتاح الحدود أمام تدفق الصور والمعلومات، وإمكانية التأثير بأقل التكاليف. ولهذا لم يعد مفهوم “القوة الناعمة” مجرد ترف، وإنما حاجة أساسية لمستقبل الدول والقوة في الوقت الحالي.

وهذه القوة – حتمًا – لا تقتصر فقط على الأنشطة الحكومية الرسمية للدولة، بل هي حصيلة – أيضًا – لأنشطة المجتمع المدني ومشاركته في تحقيق المصالح الوطنية العليا للدولة، من خلال تصدير صور إيجابية عن المجتمع والدولة؛ لأنه كلما كانت حركة وقوة الأفكار في المجتمع والقيم العابرة للحدود في أعلى مستوياتها، زادت فرص استثمار الدولة لقوتها الناعمة بشكل أكبر وأفضل.

وبدرجات متفاوتة تسعى الدول لاستثمار قوتها الناعمة كجزء لا يتجزأ من الاستثمار في المجالات العسكرية والاقتصادية ذات الطبيعة المادية. ومن أجل ذلك، تسعى الكثير من الدول لاستثمار ما يعرف بـ”الدبلوماسية الثقافية”، كما يسميها ميلتون كامينغز من جامعة هوبكينز بأنها “تبادل الأفكار والمعلومات والفنون وباقي جوانب الثقافة بين الدول والشعوب من أجل تعميق التفاهم”. ومن المهم أن يرتبط هذا التفاهم بمفهوم المصلحة الوطنية للدولة، مما يعني مزيدًا من الجهد المضاعف من قبل الدولة لتوظيف عناصر عدة من الثقافة للتأثير في الجماهير وصناع الرأي والنخب المؤثرة؛ وهو ما يحتم استغلال كل الفرص المتاحة لتقوية مفهوم “القوة الناعمة” لديها، كالفنون، والتعليم، والتاريخ، والعلوم، والدين. فالأحداث في الساحة الدولية، تثبت – دومًا – أن الريادة للدول التي تمتلك أكبر قدر من المصادر والقوى المادية والفكرية، وتعمل على تصدير ثقافاتها ورؤيتها للعالم.

استخدمت الدول – تاريخيًا – قوتها الناعمة في قضاياها الخارجية المختلفة وملفاتها الشائكة، وكان التفوق – كما ذكرنا – لتلك الدول التي تملك مفاتيح التأثير في القوة الناعمة. وظهر ذلك جليًا في التفوق الأميركي أثناء الحرب الباردة في القدرة على صناعة صورة للتفوق الأميركي من خلال التجديد والتقدم وصناعة مجتمع الرفاه. بالإضافة إلى حرب الأفكار للتصدي ومنع الدعاية الشيوعية من خلال استمالة الجماهير والنخب بالفنون والثقافة والأفكار العابرة للحدود.

كما استخدمت أميركا قوتها الناعمة بعد أحداث 11 سبتمبر، لحشد الدعم العالمي في حربها على الإرهاب، ومن جهة أخرى لتحسين صورتها، والترويج للقيم الأميركية بتشجيع التفاهم العابر للحدود والثقافات.

وهناك – أيضًا – النموذج الفرنسي في استغلال القوة الناعمة من خلال دبلوماسية ثقافية استفادت من ريادتها في التاريخ الفكري والأدبي وقيم الحرية والعدالة منذ عصر الأنوار. كذلك تمثل ألمانيا، أحد الأمثلة الناجحة في توظيف متانة اقتصادها، وجودة منتجاتها، وشهرة أنديتها الرياضية، في فعالية قوتها الناعمة وصورتها أمام العالم. بالإضافة – بالتأكيد – إلى إرثها الثقافي والفني.

كما أن طموحات الصين للريادة العالمية، دفعتها بحماس نحو تبني مفهوم “القوة الناعمة” في سياستها الخارجية بشكل أكبر في السنوات الأخيرة، للسعي في تصدير نموذجها الثقافي ومقوماتها التاريخية. وظهر ذلك جليًا من خلال تسجيل المواقع الصينية في قوائم التراث العالمي بهدف تشجيع السياحة الثقافية. وكان لاحتضانها دورة الألعاب الأولمبية في بكين، لحظة استراتيجية في قوتها الناعمة، صبَّت في جانب الإبداع البشري والتكنولوجي.

يقول الباحث الأميركي روبيرت رايلي: “إذا أردنا من الآخر أن يكون عقلانيًا تجاه قضايانا، فينبغي أن نزوده بمعطيات عقلانية تساعده على رؤية وجهة نظرنا”. وتأتي زيارة ولي العهد المرتقبة للدول ذات التأثير العالمي، لتصب في هذا الجانب، ولمزيد من التواصل الثقافي والاقتصادي والسياسي لتجعل تلك الدول ترى قضايانا بشكل أكثر وضوحًا وعقلانية.

من المهم كذلك، استثمار وتفعيل المنظمات غير الحكومية في تلك الدول، بمعنى تفعيل منظمات المجتمع المدني في توليد القوة الناعمة التي تعنى بكافة مجالات التنمية (الاقتصادية- الاجتماعية- الثقافية)، حيث تعد من أهم أوجه القوة الناعمة وإحدى أدواتها، ومن خلالها يمكن تمرير سياساتنا وإقناع الجماهير والدول بتوجهاتنا وجذبهم لها.

ومن المتوقع، أن زيارة ولي العهد المرتقبة، ستقدم القوة الاقتصادية السعودية للعالم، من خلال الدور الريادي للسعودية في المنطقة والعالم، وتأثيرها على الاقتصاد العالمي؛ مما يشكل – بالتأكيد – أداة جذب للدول والمستثمرين حول العالم.

كما أنه من المهم، تفعيل دور الثقافة السعودية بشكل أكبر وبطريقة مختلفة، لتوظيف القوة الناعمة في السياسات الخارجية للدولة. فالثقافة لها مفعول السحر، وذات أثر كبير على صناع القرار والنخب. و”رؤية السعودية 2030″ ستساهم بشكل كبير في توظيف القوة الناعمة، وتصدير ثقافة المملكة من خلال قنوات عديدة، كالسينما، والأدب، والفن، والمؤسسات الثقافية والتعليمية. وهذا ما يسعى له ولي العهد، في جولته الدولية؛ ليتعرف العالم على السعودية الجديدة ذات الطابع الحضاري والعمق التاريخي.

كاتب وباحث سعودي*

@MansourAotaibi

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر