الفن والقوة الناعمة في آسيا

التاريخ والوقت : الأربعاء, 9 يناير 2019

جون زاروبيل

 

تسعى الصين والهند لتعزيز المنافسة القوية بينهما في ميدان الفن المعاصر. وعلى الرغم من أن مفهوم القوة الناعمة تمَّ تناوله من قِبَل “جوزيف ناي”، فإن الفترة الراهنة شهدت فتح الباب لسلسلة من الادعاءات المتعلقة بممارسة السلطة خارج القنوات الرسمية للحكم. وبينما تتوالى المنافع الاقتصادية المصاحبة للعولمة على نطاق واسع بكافة أنحاء العالم، نجد أن الاقتصادات الناشئة تتعزز للتعبير عن دورها كأطراف فاعلة على المستوى العالمي.

وخلال الفترة الأخيرة، تجلى نمطان للتعامل مع تلك الإشكالية، كان أحدهما أكثر تنظيما وذا قدرٍ أكبر من المراقبة من الجانب الصيني، وآخر على درجة أكبر من حيث التلقائية على الجانب الهندي، لكن في كلتا الحالتين كان الأمر برعاية الأفراد والشركات.

فهناك العديد من المشاريع الطموحة، مثل: مبادرة الصين لـ”الحزام والطريق” التي تسعى إلى إعادة تشكيل التجارة العالمية انطلاقًا من مكانة محورية للصين الشعبية، في الوقت الذي تسعى فيه الصين لتوسيع نطاق نفوذها من خلال الشراكات الاقتصادية التي أطلقها قادتها عبر خطة خمسية لبناء 3500 متحف خلال السنوات الخمس المقبلة. فضلاً عن ذلك، هناك إرهاصات واضحة لدعم سخي من المجتمع المدني بهدف إبراز بكين لمكانة الحضارة الصينية، ونموذج “حكم الشعب” الذي تتبناه.

وعلى الجانب الآخر، تقوم الحكومة الهندية بدعم ذلك التوجه من خلال عدة وسائل يأتي في مقدمتها دور الفن الذي تحول إلى قاعدة قوية مهمة للقوة الناعمة؛ إذ لديها أحد الاقتصادات العالمية الصاعدة، التي يمكنها من تبني توجهات طموحة لتبوء مكانة مركزية عالمية في تقديم منتج ثقافي يقود صورتها أمام العالم.

ولأن الهند لا تملك نفس الموارد المؤسسية الثقافية التي تمتلكها الصين، فإن المتاحف لم تلعب دورًا مركزيًا كما هو الأمر في الحالة الصينية. ومع ذلك، نجد مبادرة واحدة فقط لوضع “نيودلهي” على خريطة العالم للفن. فقد تمَّ بناء متحف “كيران” الخاص بالفنون الذي يهدف إلى التأثير الثقافي ويدعم القوة الناعمة للهند. فقد استهدف ذلك المتحف التعامل مع مجموعة متنوعة من الفن الهندي المعاصر مقارنة بغيره من المتاحف الأخرى. وبفضل المخصصات المالية لديه، وفَّر هذا المتحف طيفًا واسعًا من الفن المعاصر في جنوب آسيا، وهو ما ساهم في إبراز دوره، ووجوده مقارنة بالعديد من المتاحف الغربية.

فقد أُنِيط بهذا المتحف تقديم أعمال جديدة من شأنها إبراز الفن المعاصر في جنوب آسيا، وليس على نطاق وطني هندي فحسب، وهو ما ينطوي على قدر من التعارض مع التوجهات السائدة في السياسة الوطنية بين الهند وباكستان، فيتفاعل ذلك المتحف مع أعمال عدد من الفنانين من جنسيات مختلفة، مثل: بنجلاديش وسريلانكا. ولعل في ذلك ما يدفعنا للقول إن ذلك المتحف يأتي في سياق مساعي الهند لتدعيم قوتها الناعمة على المستوى الإقليمي، فهو يقدم رؤية شاملة لكافة إقليم جنوب آسيا في ميدان التنمية الثقافية.

وخلال عصر العولمة الراهن، ربَّما يكون ذلك المتحف هو الموقع الرئيس لالتقاء أشكال الفن المعاصر، إذ يصاحبه أنماط أخرى للمعارض الفنية. وقد انتشر ذلك التوجه الذي ينطوي على وضع الثراء الثقافي للنخبة العالمية، وكذا السكان المحليون خلال الفترة الأخيرة التي تتسم بقدر من المرونة. فقد أقيمت في الهند، أخيرًا، حفلة “بينالي” لفرقة “كوتشي – موزيريس” التي انطلقت بأول أعمالها في 2012. ومن الجدير بالذكر أن الفنانين الذين شاركوا في ذلك الحفل قاموا بتطوير مبادرة ذلك الـ”بينالي” الذي استهدفوا تنظيمه كل سنتين منذ انطلاقه أول مرة؛ فقد انطلقت تلك الفكرة من مدينتي “رياس كومو”، و”بوسي كريشناماشاري” في ولاية “كيرالا”، التي تعد أحد المراكز التجارية المهمة في الهند.

لقد كان الهدف الرئيس من تلك المبادرة هو توفير منصة جديدة للفن المعاصر في الهند، وتوسيع نطاق تأثيرها فيما يتجاوز السكان المحليين. كما تستهدف – أيضًا – توصيل الفن الهندي عبر مجموعة متنوعة من الأشكال الفنية المعاصرة، من جداريات ومشاريع فنية وعروض وتركيبات معمارية وأعمال أخرى. وقد نجح هذا الـ”بينالي” في اجتذاب انتباه الجميع في الأوساط الفنية على المستويين الحكومي أو الشعبي، لكنه لم ينقل نفس النمط من السلطة الثقافية وما بها من دعاية، مثل: “قمة دكا” للفنون، وبينالي “شنهاي”. ومع ذلك، فإن بينالي “كوتشي – موزيريس” يتمتع بمصداقية في مجال الفن؛ لأنه لا يهدف إلى الربح المادي.

بجانب ذلك، يمكن الإشارة إلى معرض الهند للفنون، الذي يقام سنويًا في مدينة دلهي، والذي يمثل قصة أخرى. إذ ينصب التركيز فيه على الإعلانات التجارية والترويجية الذاتية. وفي السنوات الأخيرة، أصبح المعرض ملحوظًا لاستضافة عدد أكبر من الزوار مقارنة بأي معرض فني آخر في العالم، إذ وصل عدد الزوار نحو 128 ألفًا في عام 2014. وقد تأسس ذلك المعرض عام 2009 على يد “نيها كيربال”، وتطور بدرجة كبيرة، ونال إشادات دولية. وساعد تركيزه على الفن الهندي الحديث في بناء قيمة عالية للوحات كبار الفنانين الهنود من أمثال: “إم إف حسين”، و”تييب ميهتا”، التي وصلت في بعض الأحيان إلى أكثر من مليون دولار.

وتعكس تلك التقييمات الأهمية النسبية لهؤلاء الفنانين في خريطة الثقافة العالمية، فضلاً عن وضع مقياس للفن الذي تقدمه الهند. وأهم من ذلك أنه يجذب العديد من المتحمسين للفن الهندي من رجال الأعمال والقادة والمثقفين، حيث يسمح ذلك باستعراض أحدث مساهمات الهند، بل ومنطقة جنوب آسيا بشكل عام في ميدان الثقافة العالمية. فالمعرض مثل الـ”بينالي” والمتحف، يسهمان بعمق في تعزيز مكانة الثقافة الهندية في السوق العالمية. كما أنهما يعدان دليلاً على النجاح، ويسهمان – أيضًا – في جذب اهتمام الأوساط العالمية الخاصة بإنتاج المعارض الفنية على مستوى العالم، مثل: مجموعة MCHالتي تمتلك العلامة التجارية Art Basel. وقد أسفر ذلك عن العديد من التغييرات، من خلال المدير الجديد، ولكن ما لم يتغير في هذا السياق هو تعزيز مكانة الحضارة والثقافة الهندية في الأوساط العالمية، وهو ما يجعل السؤال مطروحًا: هل يمكن الاعتماد على شركة عالمية لتعزيز صورة الهند الوطنية خارج حدودها؟

بالطبع، هناك تاريخ طويل من استخدام الفن كقوةٍ ناعمةٍ، بل إنه من الممكن تطبيق بعض الأمثلة الحديثة على هذا الوضع الجديد. فقد شهدت الحرب الباردة مأزقًا تعرضت له القوة الصلبة، وهو ما تمثل في تراكم الأسلحة النووية في سياق التدمير المتبادل، لكن خطوط المعركة الفعلية تمَّ رسمها من خلال سلسلة من الحروب بالوكالة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، فضلاً عن عددٍ من الجهود المبذولة لاستقطاب الدول المستقلة حديثًا عن “الاستعمار” إلى الرأسمالية والأيديولوجيات الاشتراكية. فقد نشر الجانب الأميركي الفن المرئي لنشر نموذج الحياة على النمط الأميركي. وفي المقابل كان من المتوقع أن يقوم الفنانون في الدول الشيوعية بإنتاج أعمال فنية تتضمن الدعاية لقضية الدول التي ينتمون إليها، في حين أطلق المؤرخون الغربيون “الفن الواقعي الاشتراكي”، بينما كان للفنانين الأميركيين الحرية في تجربة أي تقنيات يمكنهم تصورها، مما أدى إلى تطوير الأساليب التعبيرية المجردة. فنجد مثلاً الفنانين: “جاكسون بولوك”، و”ويليم دي كوننغ”، و”مارك روثكو”، نجحوا في تقديم لوحة تجريدية حظيت بالقليل من الاهتمام، إذ بدت في المقام الأول كأنها تخلق شيئًا جديدًا على نحو تام.

فقد ساعد التطور الفني الحكومة الأميركية في دعم اللوحات الحديثة، وأسهم في إذكاء المنافسة بغرض تحقيق التفوق الثقافي المصاحب لسياق الحرب الباردة. وبحلول الستينيات من القرن الماضي، لم يكن الولايات المتحدة الدولة الأقوى اقتصاديًا في العالم فحسب، بل إنها كانت عاصمة ثقافية عالمية أيضًا.

لذا، فمن الممكن أن ننظر إلى آسيا كميدان للمنافسة، ليس فقط في ظل الهيمنة السياسية والثقافية الأميركية، ولكن أيضًا في ظل تصاعد قوتين عظميين. فقد لا ترى الصين نفسها في موضع المنافسة المتعمدة للقوة الناعمة مع الهند حول الفن، لكن دعم الحكومة للفن يبدو على قدر متأرجح في كلا الاتجاهين. فعلى مدار سنوات عديدة، قدم الفنانون الصينيون مدرسة “الواقعية الاشتراكية” كشكل من أشكال الرسم المعترف به من قِبَل الحكومة. كما أن هناك مدارس الفنون التي لا تزال تدرب الرسامين في الميدان. وغني عن القول، أن الجيل الحالي من الفنانين المعاصرين المعترف بهم عالميًا لا يتبع هذا النمط؛ فقد غادر الهند الفنان “آي ويوي” الأكثر شهرة، إذ قامت الحكومة بتدمير الأستوديو الخاص به. وفي هذا السياق نجد أن هدف الحزب الشيوعي ربَّما يتعارض مع مساعي فرض الصورة الوطنية للفنانين الصينيين في المحافل العالمية.

وعلى الجانب الهندي، لا ترى الدولة هذا الشكل من القوة الناعمة التي تستحق الاستثمار فيها، فتركز نفقات الفنون على التراث الثقافي في معظم الأحيان، لكنها مجموعة من الشخصيات تسعى حاليًا لترويج صورة الهند وجنوب آسيا.

 

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

المصدر: موقع جامعة يل الأميركية

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر