العملية الشاملة في سيناء ومستقبل الصراع مع “داعش”

التاريخ والوقت : الجمعة, 27 أبريل 2018

واجهت مصر، خلال السنوات الأخيرة، موجة من التمدد الإرهابي والصعود المتنامي للتيارات الراديكالية الجهادي، التي كشفت عن نفسها بعمق في شبه جزيرة سيناء، منذ عام 2012، الذي شهد نقطة التحول في مسار الجماعات الراديكالية وتكتيكاتها العسكرية، التي تعتمد في الأساس على الكمون في حالة الاستنفار والهجوم في حالة التراخي، تعاملت معها الأجهزة المصرية في أول الأمر باستراتيجية منقوصة من حيث الأبعاد العسكرية والإعلامية، لكنّها نجت من سيناريوهات الانكشاف الأمني، لا سيَّما بعدما بايع تنظيم “بيت المقدس” – وهو أكثر التنظيمات تنظيمًا وانتشارًا – تنظيم “داعش”، إلى أن حوّلت القاهرة خططها بشكل كلي قبل بضعة أشهر، بعدما وسّعت تلك التنظيمات المتطرفة من مساحة تمددها الجغرافي بالانطلاق من الموطن الأم بصحراء سيناء إلى عمق العاصمة وأطراف البلاد المتنامية؛ ما أسفر وفق مؤشرات أولية عن نتائج إيجابية في الصراع لصالح الدولة المصرية.

استراتيجية جديدة

مع التحول الذي طرأ على الاستراتيجية المصرية المواجهة للتنظيمات الإرهابية، وفق أدبيات عسكريّة وأمنيّة وإعلامية مختلفة، يُرشح لها أنّ تكتب قصة نجاح لأجهزة الأمن بهزيمة جديدة لتنظيم “داعش” الذي تلقى خلال الفترة الأخيرة ضربات في مناطق نفوذه، لا سيَّما في سوريا والعراق. بيد أنّ الخطورة التي استشعرتها السلطات المصرية من إمكانية أن يُحوّل التنظيم المتطرف وجهته إلى الأراضي المصرية، بشكل أكثر انتشارًا، خاصة بعدما خرج من ثوبه المحلي إلى الاستراتيجية الدولية للتنظيم الأم بشكل بدا أكثر تنظيمًا، استندت إزاءها الدولة المصرية إلى خمس مقدمات هامة:

أولاً: أن التنظيم فقد جزءًا كبيرًا من مناطق نفوذه في سوريا والعراق؛ ما يدفعه للبحث عن مكان بديل يسمح له بالتقاط الأنفاس، وهو ما توفره الطبيعة الجبلية لشبه جزيرة سيناء التي تعتبر واحدة من أكثر الأماكن صعوبة في المواجهات الأمنية؛ وكانت أحد عوامل تأخر الحسم في الصراع الدائر منذ عام 2013 بين التنظيم وأجهزة الأمن.(1)

ثانيًا: إعادة التنظيم لملمة أوراقه والعودة من جديد في الدولة المجاورة “ليبيا”بعدما خسر أحد أهم معاقله بتلقيه هزيمة على يد قوات “البنيان المرصوص”في ديسمبر 2016، بدأ في أعقابها التجميع بمناطق أخرى، وهو ما يجعل الدولة المصرية أكثر القلقين بعودة هذا التنظيم، لا سيَّما مع عمليات أكثر شراسة شنتها عناصر التنظيم في سيناء.(2)

ثالثًا: توجيه الجيش الليبي ضربات على مناطق تمركز التنظيمات المتطرفة بمحاور مدينة درنة، يرشح لمحاولة تلك التنظيمات التسلل إلى الجانب المصرية؛ وهو ما يعني توقيت العملية المصرية الشاملة أهمية أكبر.(3)

رابعًا: ظهور أشرس وجه للتنظيم في مصر، خاصة بعد عملية مسجد الروضة التي راح ضحيتها أكثر من 300 مواطن في مدينة العريش، والتي كشفت عن مستوى خطير للتنظيم الذي حوّل استراتيجيته من العمليات الفُجائية إلى تلك المنظمة، والتي لا تفتأ تستهدف القوات الشرطية بقدر تحولها إلى القتل على الهوية، كما حدث في حالات عديدة عندما استهدف الأقباط، بالإضافة إلى المدنيين الذين يصفهم بـ”المتعاونين” مع القوات المسلحة، وهو ما رأت إزاءه الأجهزة المصرية مستوى خطورة غير مسبوق للتنظيم في البلاد.(4)

 خامسًا: انصهار جميع التيارات الجهادية في شبه جزيرة سيناء في تنظيم واحد، سواء جماعة “أنصار الشريعة” أو “جند الإسلام” أو “التوحيد والجهاد”، أو “التكفير والهجرة” أو “الأنصار والمهاجرين”، انضوت جميعها تحت لواء “أنصار بيت المقدس” التي بايعت تنظيم “داعش”، وهو ما يجعل المواجهة الآن حتمية من منطلقين: الأول أن الانصهار الذي حدث يجعل التنظيم الرئيس قوة متوحشة إرهابيًا، وثانيًا تسهيل مهمة القوات في المواجهة بعدما بات الطرف المعادي واحدًا.(5)

العملية الشاملة

عند تلك المرحلة، بدأت السلطات المصرية عملية، ربما كانت مفاجئة – أيضًا – للتنظيم الإرهابي، لا سيَّما أنها جاءت هذه المرة مختلفة عن عمليات سابقة، حين أعلن الجيش في التاسع من فبراير الماضي، انطلاق خطة شاملة بتكليف رئاسي، أطلق عليها “العملية الشاملة سيناء 2018″، تستهدف عبر تدخل جوي وبحري وبري وشرطي، مواجهة العناصر المسلحة في شمال ووسط سيناء ومناطق أخرى بدلتا مصر والظهير الصحراوي غرب وادي النيل، إذ باتت واحدة من العمليات العسكرية الكبرى، خلال سنوات المواجهة بين الدولة المصرية والتنظيمات الإرهابية، من حيث عدد القوات المشاركة في العملية وطبيعة التسليح المستخدم فيها، واستراتيجية المواجهة.(6)

ثنائية المواجهة

منذ اللحظة الأولى، أطلق المسؤولون المصريون، وعلى رأسهم الرئيس عبدالفتاح السيسي، مصطلحين كانا الأبرز: الأول “القوة الغاشمة”، والثاني “القضاء على الخوارج”، وهما في الحقيقة يشيران إلى مسارين مختلفين يرسمان طبيعة المواجهة التي تخوضها الدولة المصرية: الأول عسكري يستند إلى مستوى من المواجهة العنيفة، والثاني ديني يستند إلى ضلالة وتطرف تلك التنظيمات التي تنطلق في منهجيتها وفق تصورات دينية مزيّفة، سواء كان شرعيًا أو تاريخيًا. وبذلك يمكن القول إن الدولة المصرية، تعاملت مع المواجهة وفق مفهوم حروب الجيل الرابع التي تعتمد على بناء مساحات واسعة من الالتباسات المفاهيمية والثقافية، فضلاً عن الجانب المعلوماتي والنفسي والاجتماعي والاقتصادي؛ وهو ما يشير إلى أنّ المواجهة عند تلك المرحلة بدأت تأخذ منحنىً آخر على مستوى الأبعاد العسكرية، أو التصورات الفكرية والمواجهات الثقافية.(7)

رسائل العملية

ومع بيانات متتالية، بشكل شبه يومي، للقيادة العامة للقوات المسلحة، تزامنت مع تصريحات – أيضًا – للرئيس المصري ومسؤولين أمنيين، في أعقاب تدشين العملية الشاملة، يمكن قراءة التطور في الأداء العسكري والأمني لدى السلطات المصرية ورسائل العملية في النقاط التالية:

1- اعتمدت السلطات المصرية على الجانب النفسي والإعلامي في حربها ضد تلك التنظيمات، بدءًا باعتماد مصطلح “القوة الغاشمة” الذي ظهر من خلال المواد المرئية التي بثها المتحدث العسكري، والتي احتوت على مقاتلات متعددة المهام بذخائر وآليات حديثة تدخل لأول مرة على خط المواجهة في سيناء، من بينها قنابل الأغراض العامة، وصواريخ الاشتباك الجوي قصير المدى، والقنابل العنقودية الفتاكة، فضلاً عن الكم الهائل من مشاهد عربات “البانثيرا” و”الهامفي” والآليات المدرعة، التي ظهرت في أسراب تتجه نحو وسط سيناء حيث تمركز الجماعات الإرهابية.(8)

2- بدا أيضًا من العملية، على خلاف ما يجري في مناطق وجود التنظيمات الإرهابية، أن الدولة المصرية اختارت خوض المعركة وحدها دونما التنسيق أو المساعدة مع أية أطراف أخرى.

3- اختيار اسم العملية بـ”سيناء 2018″، يشير إلى أن الدولة المصرية تضع تصورًا لأن يكون العام الحالي موعدًا لشلّ – إن لم يكن هزيمة نهائية – قدرات التنظيمات الإرهابية، وتحييد وجودها.

4- المواجهة الشاملة للإرهاب امتدت من سيناء للوادي والدلتا والظهير الصحراوي الغربي وكافة المحاور الاستراتيجية الحدودية، برًا وبحرًا وجوًا، باشتراك كافة أذرع القوات المسلحة، ما يشير إلى فرض حصار متكامل لبؤر ومواقع الجماعات الإرهابية.

5- الرسالة التي ربَّما لا تكون مباشرة، تتمثل في رمزية العملية التي تتجاوز الإرهاب بـ”استعراض قوة” – إن جاز التعبير – للقدرات المصرية العسكرية والأمنية.

النتائج الأولية

إلى الآن يمكن القول إن العملية الشاملة، حققت نجاحًا يمكن اعتباره – بدون تضخيم – بداية لقصة نجاح في هزيمة التنظيمات المتطرفة على المدى المتوسط، من دون استعجال نتائج مبنية على مبالغات، أو اتساع مستوى التشاؤم حيال التنظيمات المتطرفة. ويمكن إجمال النتائج الأولية للعملية في الآتي:

1- نجحت الاستراتيجية المصرية على مستوى الارتباك الذي أحدثته للجماعات المتطرفة، وهو ما بدا واضحًا من رسالة بثها “بيت المقدس” أو “ولاية سيناء” والمعنون بـ”حماة الشريعة”(9)، ومقطع صوتي لزعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري(10)، دعا فيه إلى التوحد مع “ولاية سيناء” في المواجهة، أضف إلى ذلك افتتاحية مجلة “النبأ” الداعشية الأسبوعية التي جاءت بعد أسبوعين من العملية والتي كشفت عن تأثر التنظيم الإرهابي بالعملية حين توعد بنقل المعركة من سيناء إلى القاهرة وأطرافها، وهي جميعها مؤشرات على نجاح المستوى الإعلامي والميداني في آن معًا في الحرب التي تخوضها الدولة المصرية.

2- النتائج الميدانية التي أسفرت عن مقتل حوالي 190 عنصرًا إرهابيًا، وتدمير شبكات الاتصال التقنية وبنية وأجهزة آليات التواصل وحوالي 3700 وكر ومخزن تستخدمها تلك العناصر الإرهابية، تشير إلى أن القوات المصرية قطعت إلى الآن شوطًا كبيرًا في المعركة لصالحها، لا سيَّما في السيطرة على المنطقة المترامية والمناطق الجبلية الوعرة.

3- تراجعت العمليات الإرهابية التي كثّفتها التنظيمات الإرهابية قبل انطلاق العملية الشاملة في سيناء.

4- واحدة من أهم النتائج التي حققتها العملية، تمثلت في مقتل ناصر أبو زقول، الذي عرّفه بيان للمتحدث العسكري بأنه “أمير التنظيم”، غير أنّه لا يعد مؤشرًا على تلاشي التنظيم، وإن كان هُزَّ في بنيته – لا شك – غير أنّ مثل هذا التنظيمات سرعان ما تستعيد قواها بعد أي ضربة تتلقاها اتساقًا مع الاستراتيجية التي تؤسس لقيادات بديلة.(11)

المسارات المستقبلية

التنبوء بالمسارات المستقبلية للعملية الشاملة، يخضع في الأساس إلى البناء على المقدمات السابقة التي جاءت في مجملها لصالح الدولة، لكنّ الأمر يبقى قائمًا على مدى نجاح المواجهات وشموليتها، وهو ما يتسق مع رؤية القيادة المصرية التي تريد للعملية الجارية مسارات نهائية بعيدة المدى ومكتملة النتائج الإيجابية بالقضاء التام على التنظيمات الإرهابية، وهو ما يتسق مع استخدام آليات عسكرية وأمنية تتناسب مع تلك الأهداف. وإجمالاً يمكن الحديث عن المسارات المستقبلية للعملية في النقاط التالية:

1- الأمر المهم تأكيده، هو أنّ المواجهة مع التنظيمات الإرهابية لا تصل محطتها الأخيرة، في ليلة وضحاها، بقدر امتدادها إلى فترة زمنية كبيرة، نظرًا لكونها حربًا غير تقليدية، تقترب إلى حرب العصابات بخلاف الحروب النظامية، فضلاً عن تماس تلك المواجهات مع اعتبارات أخرى تتعلق بدعم من أجهزة استخباراتية أو كيانات إقليمية ودولية تلتقي أهدافها مع أهداف تلك التنظيمات، تقدم لها مساعدات وخدمات لوجستية، وهو ما يعني امتداد المواجهات لفترات أكبر.

2- التنظيم الإرهابي لديه خطة مسارات بديلة تعتمد في الأساس على الانتقال من منطقة لأخرى، لكنّ الأمر يتوقف على مستوى الدعم المعلوماتي والمادي والعسكري، الذي يبدو أنه بات غير متوفر نسبيًا، ما ظهر جليًا من مقتل القيادي ناصر أبو زقول.

3- تعمل القيادة المصرية على عدة أهداف في آن معًا، بعضها يتعلق بالقضاء على التنظيمات الإرهابية، وبعضها الآخر يتعلق بتأهيل البنية العسكرية في شبه جزيرة سيناء، على غرار إنشاء قيادة عسكرية في وسط سيناء مؤخرًا، وبدء خطط حماية مطار العريش، وغيرها من الخطوات التي تؤطر لتنمية عسكرية وأمنية بعيدة المدى في المنطقة.(12)

 إجمالاً، يمكن القول إن التغير الذي طرأ على الاستراتيجية التي تتبعها الدولة المصرية في مواجهة الأفكار الراديكالية والتيارات المتطرفة، خاصة في شبه جزيرة سيناء، كان لها أثر جيد في خضم الصراع الشرس الذي تفيد النتائج الأولية بانتهائه لصالح الدولة. بيد أنّ الاستمرار على النسق الذي يتخذ الأطر العسكرية والأمنية ملازمة للأخرى الثقافية والفكرية والاجتماعية، يمكنه أن يكتب قصة نجاح للقوات المصرية التي خاضت المعركة وحدها، على خلاف ما يجري في مناطق أخرى للتوترات الأمنية والعسكرية.

 وحدة الدراسات السياسية*

المراجع

1 – “داعش” يخسر 95% من سيطرته في سوريا والعراق – البيان.  http://bit.ly/2HgIztr

2- إصرار “داعش” على العودة لمدينة سرت – بوابة إفريقيا. http://bit.ly/2HgIBl3

3- ليبيا.. الجيش يواصل تحرير درنة من الإرهابيين – العربية.نت.http://bit.ly/2JdYAwU

4- ضحايا هجوم مسجد الروضة.. 305 قتلى بينهم 27 طفلاً – الحرة. https://arbne.ws/2HgBTM0

5- “أنصار بيت المقدس” تبايع تنظيم الدولة – سكاي نيوز. http://bit.ly/2qORA2A

6- نص البيان الأول من القوات المسلحة عن العملية الشاملة ضد الإرهاب – المصري اليوم. http://bit.ly/2JZJcFv

7- رئاسة مصر: عملية سيناء تنفيذ لوعد السيسي باستخدام “القوة الغاشمة” وحُضّر لها منذ 2013 – سي إن إن. https://cnn.it/2HPrunw

8- العملية الشاملة للقوات المسلحة سيناء 2018- اليوتيوب. http://bit.ly/2qNoWyW

9- إصدار ولاية سيناء الأخير “حماة الشريعة” – اليوتيوب. http://bit.ly/2F5dkM7

10-  الظواهري يدعو لـ”اجتثاث النظام” في مصر بالسلاح – الخليج أون لاين. http://bit.ly/2J9ew3t

11- الجيش المصري يصفّي قائدًا لـ”داعش” في سيناء – البيان. http://bit.ly/2qNanLF

12- محافظ شمال سيناء يعلن إنشاء حرم آمن حول مطار العريش من 3 جهات – اليوم السابع. http://bit.ly/2JbDJdE

النشرة البريدية

سجل بريدك لتكن أول من يعلم عن تحديثاتنا!

تابعونا على

تابعوا أحدث أخبارنا وخدماتنا عبر حسابنا بتويتر